عقب انتخاب سلطة تنفيذية جديدة في البلاد لتولي مهام مرحلة انتقالية تهيئ للاستحقاق الانتخابي والدستوري في ديسمبر/ كانون الأول المقبل، يعول الليبيون على حكومة دبيبة لإخراج البلاد من الفوضى والاقتتال، إلا أن الإرهاصات والإكراهات الكثيرة توحي بأن التحديات التي يمكنها عرقلة مسار الإصلاح والمصالحة الوطنية ما زالت قائمة.

تحمل الحكومة الجديدة التي أفرزها الحوار السياسي بين الفرقاء الليبيين وأدت اليمين الدستورية أمام مجلس النواب في طبرق، على عاتقها مسؤولية توحيد الجيش لإنهاء إمكانية العودة إلى مربع الفوضى والاقتتال، إضافة إلى توحيد المؤسسات المنقسمة الأخرى كالبنك المركزي ومؤسسة النفط وتحسين الأوضاع المعيشية وتحقيق المصالحة الوطنية، وكذلك توفير البيئة المناسبة لتنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية.

الجيش الليبي

قبل الحديث عن مساعي الحكومة الجديدة لتوحيد الجيش الليبي المنقسم بين معسكري الغرب والشرق، يجب أولًا النظر في تاريخ هذه المؤسسة وتحديدًا قبل اندلاع ثورة 17 فبراير، أي زمن حكم العقيد الراحل معمر القذافي، وفي علاقتها بالسلطة ومؤسسات الدولة.

يرجع إنشاء النواة الأولى للجيش الليبي في 9 من أغسطس/آب عام 1939 إلى المجاهدين ومحاولتهم تشكيل قوة وطنية لمحاربة الاحتلال الإيطالي وقد أطلقوا عليها في ذلك العهد تسمية القوة العربية الليبية، وفي عام 1959 أنشئت الكلية العسكرية، وفي عام 1962 تم إنشاء القوات البحرية وفي أغسطس/آب 1963 تشكل السلاح الجوي الليبي، وفي سنة 1968 أنشئت وحدة للدفاع الجوي.

بعد انقلاب القذافي على الملك السنوسي، عمل النظام السابق في ليبيا على عدم بناء جيش يملك القوة الرادعة والتسليح الجيد، وكان تركيزه منصبًا على إنشاء كتائب أمنية متفوقة عسكريًا على الجيش النظامي من حيث التدريب والتجهيز والتسليح، هذه الرغبة في تهميش المؤسسة العسكرية تُخفي خوف العقيد من أن تصبح قوة تُهدد حكمه وسلطته يومًا ما.

وعلى هذا الأساس، بنى القذافي وحدات قتالية وكتائب مسلحة خاصة تتكون أغلبها من الموالين له وترتكز على أساس قبلي دموي، كما عين أبناءه على رأسها.

بعد الثورة، عملت الحكومات المتعاقبة على إعادة هيكلة مؤسستي الجيش والشرطة وتوحيد الكتائب المسلحة التي تشكلت إبان الثورة ودمجها مع ما تبقى من وحدات الجيش الليبي، إلا أن مساعي هذه الحكومات لم تنجح، وذلك بسبب تعدد الشرعيات في البلاد وانقسام مؤسسات الدولة وظهور اللواء المتقاعد خليفة حفتر في المشهد العسكري.

أهمية التوحيد

الصراع على السلطة الذي أعقب ثورة 17 فبراير وانقسام البلاد إلى ضفتين غرب وشرق، حول ليبيا في مرحلة أولى إلى أرض عبور وانطلاق لشتى أنواع الجريمة المنظمة (تجارة السلاح والمخدرات والهجرة غير الشرعية) ما أثر سلبًا على محاولات إعادة الاستقرار والبناء، حيث نشطت المجموعات الإرهابية وأقامت مراكز تدريب ونفذت عمليات القتل والخطف التي طالت مختلف شرائح المجتمع (نخب وعامة) مستغلة غياب السلطة المركزية الرسمية وضعف المنظومة الأمنية والعسكرية.

ولا تكمن أهمية توحيد الجيش الليبي في توفير الأمن ومكافحة الجريمة المنظمة بأنواعها ومراقبة الحدود البرية والبحرية فقط، فالمؤسسة العسكرية لها أدوار أخرى اقتصادية وسياسية، بل إنها شرط أساسي لإنجاح المسار الانتقالي برمته في ليبيا.

ويرى بعض المتابعين للشأن الليبي، أن حل الأزمة رهين نجاح المسار العسكري الموازي للمسار السياسي والاقتصادي الذي طرحته مخرجات الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة وأثمر عن حكومة جديدة تحظى بشرعية محلية وخارجية.

ويُدلل أصحاب هذا الرأي على أنه في حال نجاح لجنة العشرة (5+5) العسكرية في عملية توحيد الجيش تحت قيادة ذات تاريخ مشرف ووطني وفي إعادة هيكلته وتنظيمه على قواعد علمية وأكاديمية، إضافة إلى حسن تحديد تموضعه جغرافيًا، فإن تجاوز العقبات الأخرى الاقتصادية والسياسية سيصبح في حكم الأمر المقضي، خاصة أن هذه المؤسسة المنشودة يُمكنها تضييق مجالات المناورة على طرفي الصراع.

لذلك فإن الحكومة الليبية، في الوقت الراهن، لا تحتاج إلى وضع إستراتيجيات شاملة للتغيير على كل الأصعدة، بقدر ما تحتاج إلى إدارة هذه المرافق الحيوية بما يخدم أجندتها وبرنامجها السياسي القائم أساسًا على إعادة الاستقرار وتحقيق الأمن.

الإشكاليات

توحيد الجيش في ليبيا يُعد من أعقد الملفات التي ستُواجه الحكومة الجديدة في هذه المرحلة رغم الحاضنة المحلية والدعم الدولي الذي تحظى به، وذلك لاعتبارات سياسية وإقليمية وحتى تقنية متمثلة في غياب الرؤى والبرامج والمخططات والأدوات اللوجستية والفنية.

في السياق ذاته، فإن عملية توحيد المؤسسة العسكرية تتطلب في مرحلة أولى تثبيت وقف إطلاق النار وإخراج المرتزقة والميليشيات القادمة من خارج حدود البلاد، وضرب سيطرة الميليشيات المسلحة على مؤسسات الدولة (النفط)، وحصرها في معسكرات مؤقتًا إلى حين تفكيكها وتجريدها من السلاح.

هذه الخطوات الأولية والمهمة ستصطدم برفض وتسويف من بعض الجهات المنخرطة في الصراع على السلطة وخاصة الواقعة في الشرق الليبي أين يخوض اللواء المتقاعد حربًا عسكرية وسياسية لتثبيت موقعه في المشهد الليبي ومن ورائه القوى الدولية الداعمة كالإمارات ومصر وروسيا.

وتؤكد التحركات العسكرية الأخيرة لمليشيات الشرق في قاعدة القرضابية بمدينة سرت والجفرة، أن اللواء المتقاعد لن ينخرط في عملية توحيد الجيش الليبي دون ضمانات يراها أساسية كالحفاظ على موقعه في المؤسسة أو المشاركة في الانتخابات السياسية القادمة والأهم من ذلك حمايته من المتابعة القضائية، خاصة أنه متورط في جرائم حرب وفي قضايا المقابر الجماعية بترهونة، بحسب المدعي العام.

من جهة أخرى، تبقى تأكيدات رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بإفساح المجال لدعم مسار 5+5 العسكري بغية توحيد المؤسسة العسكرية على أسس مهنية وعقيدة وطنية، رهينة إدارة حكومة دبيبة لهذا الملف خاصة أنه نجح إلى حد الآن في تجميد الوضع عبر إبقائه على منصب وزير الدفاع شاغرًا في انتظار ما ستؤول إليه المفاوضات، وكذلك إلى إيفاء المجتمع الدولي بالتزاماته تجاه الشعب الليبي وتنفيذ قرارات مجلس الأمن والتقيد بها، كوضع حد للتدخلات الخارجية السلبية وحظر توريد الأسلحة وتقديم الدعم الفني.

 

عامل الزمن يُعد بدوره من أكثر العقبات التي تواجه السلطة التنفيذية الجديدة، فعمليًا لا تستطيع حكومة دبيبة توحيد هذه المؤسسة المنقسمة بين معسكر في الغرب وآخر في الشرق خلال 9 أشهر، فالملف شائك ويحتاج إلى حكومة منتخبة ومستقرة وقادرة على فرض هيبتها على كل المجال الجغرافي للبلاد.

فرص وإمكانات

رغم أن توحيد المسلحين في مؤسسة واحدة يبدو أنه أمر بعيد المنال في الوقت الراهن، فإن نجاح السلطة الجديدة في تجميد الأوضاع كليًا يعتبر في حد ذاته أكبر إنجاز وسيمهد الطريق لاحقًا إلى إجراء تعديلات هيكلية صلب الجيش، وذلك شريطة استيعاب الحكام الجدد لمقتضيات المرحلة واستغلالها عوامل النجاح المتمثلة في الشرعية المحلية والدعم الدولي.

ويمكن للسلطة الجديدة اللعب على ورقة الشعب الذي سئم الاقتتال والانقسامات ووجود المرتزقة والقوى الدافعة للفوضى، وإمكانية انخراطه في العملية السياسية من خلال الدعم الذي سيقدمه لأي خطوة تخدم صالحه اقتصاديًا واجتماعيًا وأمنيًا.

الاستثمار في البرلمان واستقطاب النواب ورقة أخرى بيد الحكومة الجديدة، فكما ساهمت هذه المؤسسة في انقسام السلطة وتفتيتها في 2014، يُمكنها توحيدها عبر رزمة التشريعات والقوانين وكذلك المحافظة على المسار الدستوري وتواريخ استحقاقاته.

كما يُمكنها التعويل على دور الأمم المتحدة والقوى الكبرى في رعاية الحكومة الجديدة ومساعدتها على إيجاد إستراتيجية شاملة لإخراج المرتزقة والدفع بالقوى الدولية المتصارعة هي الأخرى على النفوذ إلى خارج الأرض الليبية، وإجراء انتخابات من شأنها أن تعيد عجلة الحياة والاستقرار.

آليات التفكيك والتوحيد

عجز الحكومات المتعاقبة على توحيد المؤسسة العسكرية يعود بالأساس إلى فشلها في تفكيك المليشيات والكتائب غير النظامية، وذلك لأسباب سياسية وأمنية واقتصادية تتلخص في استغلال هذه التشكيلات من السياسيين وبعض الأحزاب، وتخوفهم من سطوتها وقوتها، وكذلك إلى غياب الموارد اللازمة لتعويضهم عبر آليات التشغيل، فعملت على إعادة تأهيلهم وتوجيه مصالحهم بطريقة تحفظ ولاءهم.

أما الحكومة الجديدة فيقع على عاتقها مسؤولية إسناد ودعم اللجنة العسكرية 5+5 أولًا في مسار التهدئة وتثبيت وقف إطلاق النار ودعم مخرجات اتفاقاتها لتوحيد المؤسسة العسكرية، إضافة إلى أنها مدعوة إلى وضع إستراتيجية شاملة لا تقتصر على الجانب الأمني بل تراعي كل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية لهذا الملف وفيما يلي بعض الخطوات التقنية:

- تحديد الكتائب والمسؤولين وعدد المنتسبين والأسلحة كمًا وحجمًا.

- معرفة توجهاتهم وأهدافهم وجهة تمويلهم.

- فرز المطلوبين للعدالة والمساجين الفارين الذين التحقوا بهذه الكتائب.

- تحديد القبائل والجهات السياسية التي تمتلك ميليشيات.

- تجميع السلاح من المواطنين.

- إخلاء المحافظات الليبية من المجموعات المسلحة.

- تأسيس جيش قوي بوحداته كافة لحماية الحدود والأجواء والسواحل الليبية.

بالنهاية، لا يُمكن الحديث عن جيش ليبي موحد دون إجراء مصالحة وطنية شاملة قائمة على إقرار القانون وفرض العدالة، وهي خطوات لا يُمكن للسلطة الجديدة تحقيقها في الوقت الراهن نظرًا للعامل الزمني، لذلك فنجاحها الحقيقي يتمثل في تحديد أولوياتها واقتصارها على إنجاح الانتخابات تمهيدًا لصعود سلطة اختارها الصندوق.