تسير المبادرة التي أعلنتها السعودية في 22 من مارس/آذار الحاليّ بشأن حلحلة الأزمة في اليمن إلى طريق مسدود، بعدما فشلت في إيجاد موضع قدم لها لدى جماعة أنصار الله، الحوثيين، الذي تجاوز رد فعلها حيال تلك الخطوة حاجز الرفض السياسي الدبلوماسي إلى الرد العسكري.

المبادرة التي هدفت - وفق ما أعلنته الخارجية السعودية - لإيجاد حل سياسي ينهي الصراع المتواصل في البلاد منذ ست سنوات، ولاقت ترحيبًا كبيرًا من مختلف الأوساط السياسية الدولية، يبدو أنها أصبحت وبشكل رسمي خارج حسابات الحوثيين وإيران معًا، لتواجه مصير المبادرات السابقة التي فشلت في تغيير ملامح الصراع ميدانيًا.

الرفض الحوثي للمبادرة السعودية التي وُصفت بأنها "لا تتضمن شيئًا جديدًا" وأنها "غير مقبولة ومقايضة على الجانب الإنساني" حسبما جاء على لسان كبير المفاوضين الحوثيين والمتحدث باسم الجماعة، محمد عبد السلام الحوثي، كان إيذانًا بفشل هذه الخطوة بصورة أولية، وإن كان البعض يعول على الموقف الأمريكي لإثناء الجماعة المدعومة إيرانيًا بالتراجع عن موقفها المتعنت.

غير أن ما حدث في الذكرى السادسة لـ"عاصفة الحزم"، 25 من مارس/آذار، من استهداف لمواقع حيوية سعودية بعشرات الصواريخ والطائرات المسيرة الحوثية، كان أبلغ رد على الموقف الرسمي والعملي للجماعة حيال مبادرة الرياض التي رجح خبراء أنها ولدت منذ البداية ميتة، وحان وقت تشييع جثمانها إلى مثواها الأخير.

غلق الباب كاملًا

رغم رفض الحوثيين للمباردة بشكل مبدئي، فإنهم تركوا الباب مواربًا إلى حد ما بحسب تصريحات عبدالسلام الذي قال إنهم  "سيواصلون المحادثات مع الرياض والولايات المتحدة وسلطنة عمان، الدولة الوسيط، في محاولة للتوصل إلى اتفاق سلام" وهو ما اعتبره البعض حينها فرصةً للخروج من الأزمة ولو من الباب الضيق.

لكن رد الفعل بعد 3 أيام فقط على إعلان السعودية خطوتها أغلق الباب بشكل رسمي أمام أي محاولات لإنعاش المبادرة وإخراجها من ثلاجة الموتى، حيث نفذ الحوثيون عملية عسكرية كبيرة، ضد أهداف سعودية متفرقة، كانت بمثابة تحذير للجانب السعودي من عواقب استمراره في "عدوانه وحصاره على الشعب اليمني" بحسب وصف المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية التابعة للحوثيين العميد يحيى سريع.

وفي مقطع فيديو له نشره على حسابه على تويتر، أشار سريع إلى أن العملية نفذت بثماني عشرة طائرة مسيّرة وثمانية صواريخ باليستية استهدفت مقرات شركة أرامكو في رأس التنورة ورابغ وينبع وجازان، هذا بخلاف استهداف قاعدة الملك عبد العزيز في الدمام باثنتي عشرة طائرة مسيرة نوع صماد٣ وثمانية صواريخ باليستية من نوع ذو الفقار وبدر، وسعير، بجانب مواقع عسكرية في عسير ونجران بست طائرت مسيّرة من نوع قاصف K2.

الرياض في مأزق

لم تجد السعودية أمام الهجمات الحوثية المتكررة إلا التجاوب معها، إما بالرد وإما التوعد، كما جاء على لسان المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع السعودية العميد الركن تركي المالكي، الذي اعتبر الهجوم الأخير "استمرارًا للوصاية الإيرانية على القرار السياسي والعسكري للميليشيات".

المالكي في بيان أصدرته وزارة الدفاع أكد أنها "ستتخذ الإجراءات اللازمة والرادعة لحماية مقدراتها ومكتسباتها الوطنية بما يحفظ أمن الطاقة العالمي ووقف مثل هذه الاعتداءات لضمان استقرار إمدادات الطاقة وأمن الصادرات البترولية والتجارة العالمية وحماية المدنيين والأعيان المدنية".

وأضاف أن قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي والقوات الجوية الملكية السعودية تمكّنت من "اعتراض وتدمير ثماني طائرات بدون طيّار (مفخخة) أطلقتها المليشيا الحوثية بطريقة ممنهجة ومتعمّدة لاستهداف الأعيان المدنية والمدنيين بالمملكة في انتهاك صارخ للقانون الدولي والإنساني وقواعده العرفية"، إضافة إلى ثلاثة صواريخ باليستية تجاه المملكة، حيث سقط أحدها بعد إطلاقه من صنعاء في محافظة الجوف، كما سقط صاروخان باليستيان في منطقتين حدوديتين غير مأهولتين، بحسب البيان الذي اعتبر ذلك انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي والإنساني.

المتحدث العسكري السعودي قرأ الهجمات الحوثية الأخيرة بأنها ردًا ميدانيًا على المبادرة التي قدمتها المملكة، لافتًا أن ذلك دليلًا على استمرار رضوخ الحوثيين للقرار السياسي الإيراني، وأن الموقف من الخطوة السعودية يصاغ في طهران وليس في صنعاء كما تدعي الجماعة، متعهدًا بالرد الرادع المناسب كما تراه بلاده.

الحوثيون.. تعزيز نقاط التفاوض

في الوقت الذي تمد فيه الرياض وواشنطن يدهما للحوثيين للجلوس على مائدة المفاوضات، إذ بالأخير يصعد من هجماته العسكرية بصورة مثيرة للتساؤل، وهو ما أرجعه مدير مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري رياض قهوجي، إلى الموقف الأمريكي الناعم حيال الجماعة التي اعتبرته إشارة ضعف يجب استغلالها ميدانيًا.

قهوجي أشار إلى أن التصعيد الحوثي الأخير هو نتيجة منطقية للتحركات الأمريكية الأخيرة المتمثلة برفع اسم الحوثيين عن قائمة الإرهاب وتجميد صفقة الأسلحة مع الرياض والانتقادات التي وُجّهت لسياستها، ما دفع الجماعة لتوظيف هذا الغزل من خلال التصعيد الميداني بهدف زيادة الضغط على الجانب السعودي، وفق تصريحاته لـ"بي بي سي".

عدم تعاطي الأمريكان مع المبادرة بالشكل المطلوب الذي كانت تنتظره الرياض، ربما يعود إلى إيمان الديمقراطيين بصعوبة الموقف ميدانيًا وعدم ملاءمته للتجاوب مع هذه الخطوة بصيغتها المقدمة

وتزامنًا مع المبادرة السعودية كثف الحوثيون هجومهم على مدينة "مأرب" التي تعد آخر معاقل الحكومة الشرعية اليمنية المدعومة سعوديًا في شمال البلاد، وباتت على مقربة من سقوطها بأكملها في أيدي ميليشيات الحوثيين، ليصبح الشمال بأكمله في قبضتهم.

السيطرة على الشمال وقطع خطوط الإمداد عن قوات التحالف يعد ضربة موجعة للحكومة اليمنية الشرعية وخصمًا جديدًا من رصيدها التفاوضي يحسب للحوثيين الذين يحققون انتصارات عسكرية متتالية خلال الأعوام الثلاث الماضية ميدانيًا أمام التحالف الذي يعاني من شروخات كبيرة، سواء في هيكله الإداري أم العسكري.

 

مواءمات الإدارة الأمريكية

كشفت الإدارة الأمريكية بقيادة جو بايدن أن إنهاء حالة الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية سلمية هو موقفها الرسمي حيال الأزمة اليمنية، وعليه جاءت التحركات في هذا الشأن، وهو ما أكدته الزيارات المتكررة للمبعوث الأمريكي للأزمة اليمنية، تيم ليندركينغ، لليمن والدول المجاورة، بجانب لقاءاته المستمرة مع أطراف الأزمة وعدد من سفراء الاتحاد الأوروبي والدول العربية.

كانت واشنطن من أوائل الدول التي رحبت بالمبادرة السعودية التي كان من بين أهدافها وفق ما ذهب خبراء، تجميل صورة المملكة حيال الإدارة الجديدة بعد الانتقادات الحادة التي تعرضت لها بسبب الانتهاكات المرتكبة في اليمن التي وصفتها منظمات حقوقية بأنها "جرائم ضد الإنسانية".

فريق ذهب إلى أن المبادرة في حقيقتها مناورة سياسية سعودية لإلقاء الكرة في ملعب الحوثيين، والتأكيد للأمريكان أن الجماعة المدعومة من إيران هي من تعرقل المسار السياسي، بما يبرئ ساحة المملكة ويقلل من حدة الهجوم عليها بسبب هذا الملف.

عدم تعاطي الأمريكان مع المبادرة بالشكل المطلوب الذي كانت تنتظره الرياض، ربما يعود إلى إيمان الديمقراطيين بصعوبة الموقف ميدانيًا وعدم ملاءمته للتجاوب مع هذه الخطوة بصيغتها المقدمة، لاسيما أنه معلوم سلفًا رفض الحوثيين لها، كما رفضت تحركات مماثلة سابقًا.

الخريطة السياسة المعقدة للوضعية الميدانية في اليمن، سياسيًا وعسكريًا، تذهب إلى أن مثل هذه المبادرات لن تجدي نفعًا، على الأقل في الوقت الراهن

اليمن.. ورقة إيران الرابحة

إطالة أمد الحرب والصراع في اليمن هدف إستراتيجي إيراني، تسعى من خلاله للحصول على أكبر قدر من أوراق الضغط اللازمة للتفاوض في ملفات أخرى، أبرزها الملف النووي ورفع العقوبات الأمريكية المفروضة عليها منذ عقود، وعليه فإن تجاوب الحوثيين مع أي تحركات من هذا القبيل مرتبط بصورة أو بأخرى بحجم التقدم في القضايا التي تتشابك فيها أمريكا وإيران معًا.

وفي المقابل تتعامل واشنطن مع طهران من الشرفة ذاتها، لكن من الناحية المقابلة، حيث الضغط على الإيرانيين على أكثر من مسار وفي عدة مواضع، على أمل إخضاعها للتفاوض دون شروط مسبقة، تارة في اليمن، وأخرى في سوريا، وثالثة في إفريقيا، تحقيقًا للوعود التي قطعها بايدن على نفسه خلال حملته الانتخابية.

فشل التحالف بقيادة السعودية في إنهاء حالة الحرب في اليمن، عزًز من نفوذ ميليشيات الحوثي التي نجحت في توسعة رقعة نفوذها يومًا تلو الآخر، حتى باتت المفاوض الأكثر تأثيرًا على الطاولة التي فقد التحالف العديد من كراسي التفاوض حولها.

في تقرير سابق لـ"نون بوست" كنا قد أشرنا إلى أن المبادرة السعودية ربما تهدف إلى إنقاذ المملكة من المستنقع اليمني، بعدما استقر في  يقين الرياض أن الحرب في اليمن باتت فخًا خطيرًا بعد الفشل في تحقيق أهداف العملية التي قادها السعوديون منذ 6 سنوات.

كما تأتي الخطوة - كما ذكرنا سابقًا - في سياق امتصاص الضغوط الأمريكية، وتجميل صورة ولي العهد، محمد بن سلمان، المغضوب عليها من إدارة بايدن، بسبب الانتهاكات المرتكبة في اليمن بجانب الانتهاكات الأخرى ضد المعارضة وعلى رأسها قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في إسطنبول أكتوبر/تشرين الأول 2018.

الخريطة السياسة المعقدة للوضعية الميدانية في اليمن، سياسيًا وعسكريًا، تذهب إلى أن مثل هذه المبادرات لن تجدي نفعًا، على الأقل في الوقت الراهن، في ظل سيطرة السلاح على أدوات التفاوض، هذا بجانب أن الوضع في اليمن لم يعد شأنًا داخليًا، بل تحول إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية، مرتبطة بحزمة من الملفات والمصالح أكبر من جغرافيا الدولة العربية،  لتظل الأطراف المتنازعة داخل هذا المشهد الضيق أدوات لتنفيذ تلك الحسابات، ولا تملك قرار إنهائه،  فيما يظل الشعب اليمني وحده من يدفع الثمن.