تراجع مؤشرات الاقتصاد التونسي

تراجع مؤشرات الاقتصاد التونسي

يشهد الاقتصاد التونسي في الفترة الأخيرة حالة انكماش كبرى، جعلت كبرى وكالات التصنيف الائتماني العالمي تراجع ترقيمها السيادي لتونس، حتى إن بعض الخبراء الاقتصاديين أكدوا أن البلاد في طريقها نحو الإفلاس، فأجور الموظفين غير متوافرة ومراكز الإنتاج متوقفة عن العمل والحصول على القروض صعب، لذلك وجب تدارك الأمر بسرعة ومعالجة مكامن الخلل حتى لا تحصل الكارثة.

أرقام وحقائق صادمة

المعهد الوطني للإحصاء في تونس، قال أول أمس السبت، إن اقتصاد البلاد انكمش 3% في الربع الأول من عام 2021 بالموازنة مع العام السابق، وخلال الربع الأول من عام 2020 انكمش الناتج المحلي الإجمالي لتونس بمقدار 1.7% قياسًا بالفترة نفسها من عام 2019.

وبيّنت الأرقام الصادرة عن معهد الإحصاء تسجيل تراجع القيمة المضافة لقطاع الخدمات المسوقة 6% بسبب تواصل أزمة النزل والمقاهي وخدمات النقل، فضلًا التراجع في قطاعات خدمات الاتصالات والخدمات المالية.

كذلك سجل القطاع الزراعي والصيد البحري تراجعًا بـ6.7% خلال الربع الأول مقارنة بالفترة ذاتها من 2020 متأثرًا بتراجع محاصيل الزيتون هذا العام، كما تراجعت القيمة المضافة في قطاع المناجم 31.9% نتيجة تراجع نشاط الفوسفات.

كما ارتفعت نسبة البطالة في تونس إلى 17.8% خلال الثلاثي الأول من السنة الحاليّة بعد أن كانت في حدود 17.4% خلال الثلاثي الرابع من العام الماضي، وفق مؤشّرات التشغيل والبطالة للثلاثية الأولى من 2021 نشرها المعهد الوطني للإحصاء.

تسعى تونس إلى برنامج قرض بنحو 4 مليارات دولار، مع صندوق النقد الدولي على ثلاث سنوات وهو أكبر قرض في تاريخ البلاد

يُقدّر عدد السكان المشتغلين في الربع الأخير من سنة 2020 بـ3433.4 ألف مشتغل، مقابل 3511.6 ألف خلال الربع الثالث، مسجلًا بذلك انخفاضًا بنحو 78.3 ألف مشتغل، وبلغ عدد العاطلين عن العمل 742.8 ألف شخص من إجمالي السكان النشطين الذين يفوق عددهم 4.1 مليون شخص، أي بزيادة قدرها 15.7 ألف، مقارنة بالثلاثي الرابع من 2020، وترتفع نسبة البطالة لدى الإناث إلى ما يقارب 24% مقابل 15% في صفوف الذكور.

فضلًا عن ذلك، تراجعت العائدات السياحية بنسبة 55%، خلال الأشهر الأربع الأولى من السنة الحاليّة، مقارنة بالفترة ذاتها من سنة 2020، وفق مؤشرات البنك المركزي التونسي، وأظهرت هذه البيانات، أن حجم عائدات القطاع السياحي التونسي بلغ في نهاية شهر أبريل/نيسان الماضي 439.2 مليون دينار (162.66 مليون دولار)، مقابل 975.5 مليون دينار (361.29 مليون دولار) خلال نفس الفترة من العام الماضي.

بالتزامن مع ذلك، سجّلت تونس تصاعد وتيرة انسحاب المؤسسات الناشطة في قطاع الطاقة بعدما واجهت عددًا من العراقيل في مجال التنقيب واستغلال حقول النفط والغاز، مسجلة تراجعًا في حجم استثمارات الطاقة بنحو 15% خلال الربع الأول من العام الحاليّ، إذ لم تعد الاستثمارات النفطية في حقول تونس جاذبة لشركات الطاقة العالمية.

 

أما وضع قطاع المناجم فهو يراوح مكانه، إذ تحوّلت اعتصامات طالبي العمل في منطقة الحوض المنجمي إلى تهديد جديّ لكيان شركتي فوسفات قفصة والمجمع الكيميائي اللذين يواجهان خطر الانهيار مع تحوّل تونس من خامس منتج عالمي للفوسفات إلى مستورد لهذه المادة.

تراجع الاقتصاد التونسي يُفهم أيضًا من خلال تراجع تصنيف البلاد الائتماني، ففي آخر تقرير لوكالة موديز (Moody’s) الأمريكية، تم تخفيض تصنيف تونس الائتماني من "بي2" (B2) إلى "بي3" (B3)، مع نظرة مستقبلية سلبية.

ووضعت موديز 8 أسباب بررت بها عملية تخفيض الترقيم السيادي لتونس إلى "بي 3″، مع نظرة مستقبلية سلبية، بينها 6 أسباب سياسية هي: عدم استقرار الحكومات وغياب سند سياسي لها وطول مدة تشكيله واعتماد المحاصصة وغياب الكفاءة والصراع القائم بين الرئاسات الثلاثة.

نحو الانهيار التام

هذه الأرقام والحقائق تؤكّد أن تونس تتجه نحو الانهيار التام، خاصة إذا وضعنا في الحسبان التنامي الجنوني للمديونية التي بلغت قرابة 92% دون اعتبار مديونية المؤسسات العمومية التي باحتسابها تفوق نسبة المديونية 100% من الناتج الداخلي الخام.

وتسعى تونس إلى برنامج قرض بنحو 4 مليارات دولار، مع صندوق النقد الدولي على ثلاث سنوات وهو أكبر قرض في تاريخ البلاد، مقابل حزمة إصلاحات اقترحتها الحكومة بهدف إنعاش اقتصادها العليل، وفق رئيس الحكومة التونسية هشام المشيشي.

مطلع هذا الشهر، قال أمين عام الاتحاد التونسي للشغل نور الدين الطبوبي، في كلمة بمناسبة يوم العمال العالمي، الموافق 1 مايو/أيار من كل عام، إن اقتصاد بلاده شارف على الانهيار وبات مهددًا بالإفلاس، فقد أصبحت مختلف مؤشراته تنذر بأسوأ العواقب.

وأوضح الطبوبي أن "الانهيار لا يعود فقط إلى تداعيات جائحة كورونا بل إلى هشاشة متأصلة في النموذج الاقتصادي التونسي"، ويشارك العديد من التونسيين الطبوبي في رؤيتهم، إذ يؤكّد العديد منهم أن البلاد على حافة الانهيار التام.

على الدولة أن تتدخّل لإصلاح العديد من المؤسسات الكبرى على غرار البنوك المالية وشركة الخطوط التونسية وشركات النقل

قبل أيام قليلة، كشف النائب في البرلمان التونسي ياسين العياري عن أزمة مالية كبيرة تهدد البلاد، لافتًا إلى أن الدولة التونسية تمتلك رصيدًا ماليًا يصل إلى 960 مليون دينار تونسي، في حين أن أجور الموظفين تصل إلى 1.6 مليار دينار، في إشارة إلى إمكانية عجز الحكومة عن دفع أجور الموظفين.

ولفت النائب التونسي إلى أن الدول مطالبة حاليًّا بتأمين العجز البالغ 700 مليون دينار خلال الأيام القليلة المقبلة لتأمين دفع الأجور، مضيفًا في منشور له على موقع فيسبوك: "الحلول ستكون في طلب قروض سريعة من البنوك وإن توافرت السيولة ستكون بفوائد خيالية أقصى ما يمكن أن تقدمه هو تأخير الصدمة إلى بضعة أسابيع".

كما توجد مخاوف كبيرة في تونس من عجز الدولة عن خلاص الديون المتخلّدة بذمتها لفائدة المؤسسات المالية العالمية، الأمر الذي إن حصل سيزيد من حدّة الأزمة التي يعاني منها اقتصاد البلاد وسيؤدي إلى مراجعة الجهات المانحة نظرتهم لتونس.

إصلاحات ضرورية

هذه الوضعية الحرجة للاقتصاد التونسي، تؤكد أن الوقت حان أو لعله تأخر أصلًا للعمل بسرعة وتنفيذ إصلاحات اقتصادية ومالية كبرى، بمساعدة ودعم المؤسسات المالية الدولية، لإنعاش الاقتصاد وإبعاد شبح الانهيار عنه.

على الدولة التونسية أن تعيد مراكز الإنتاج للعمل على غرار الفوسفات والنفط والغاز وأن تستعيد التوازنات الكبرى للاقتصاد الوطني للقضاء على البطالة ومعالجة عجز الميزانية وارتفاع نسبة المديونية.

عليها أيضًا أن تعمل على تحفيز المستثمرين الأجانب للعودة إلى تونس والاستثمار في العديد من القطاعات، وذلك عن طريق إصلاح العديد من القوانين والتشريعات المعرقلة ومحاربة الفساد والبيروقراطية الإدارية وفرض الحوكمة الرشيدة.

هذا دون أن ننسى إصلاح المنظومة الجبائية التي تسببت في فقدان الدولة موارد مالية مهمة كان من الممكن أن تجنيها إن كانت هذه المنظومة عادلة، أيضًا سلم التأجير غير العادل في تونس من المفروض أن يتم العمل على إصلاحه إلى جانب منظومة الانتدابات في الوظيفة العمومية.

إلى جانب ذلك، على الدولة أن تتدخّل لإصلاح العديد من المؤسسات الكبرى على غرار البنوك المالية وشركة الخطوط التونسية وشركات النقل والاتصالات وشركة التبغ والوقود والعديد من الشركات العمومية الكبرى التي ما فتئت تسجل تراجعًا كبيرًا رغم عدم وجود منافس لها على الساحة المحلية.

وأظهرت وثيقة حكومية حصلت عليها رويترز مطلع الشهر الحاليّ، أن تونس تريد خفض كتلة الأجور إلى 15% من الناتج المحلي الإجمالي في 2022 مقابل 17.4% في 2020، مدفوعة بإصلاحات تريدها الحكومة دون كلفة اجتماعية.

كل هذه الإصلاحات لن يتم الوصول إليها إذا بقي الوضع السياسي على حاله وتواصل الصراع بين الرئاسات الثلاثة في البلاد، فالوضع السياسي المتأزم كانت له تداعيات وخيمة على الوضع الاقتصادي والمالي، لذلك يجب على الرؤساء التنازل عن بعض المكاسب السياسية من أجل المصلحة الوطنية.