في بدايات الألفية الحالية كانت أمنية رياض، ذلك الطفل الذي لم يتجاوز عمره حينها 12 عامًا، أن يكون ضمن أحد الأندية الجزائرية، لكن بنيته النحيلة كانت العائق الذي حال دون تحقيق هذا الحلم بعد تجاهل أندية بلاده له رغم مهاراته الجيدة.

غير أنه لم يستسلم، وعمل على تطوير مهاراته الكروية، حتى بات اليوم أحد أبرز اللاعبين، ليس في الدوري الجزائري، لكن في أقوى دوريات العالم، البريميرليغ.

رياض كريم محرز، النجم الجزائري الشهير، لاعب فريق مانشستر سيتي، المتوج في الأمس بالدوري الإنجليزي الممتاز، للمرة السابعة في تاريخه، والذي بات حديث منصات التواصل الاجتماعي، بعد تضامنه المتجدد مع القضية الفلسطينية في أكثر من محفل، الأمر الذي جعله يتربع على عرش قلوب الجماهير العربية.

يرفع محرز بتتويجه أمس رصيده من الألقاب في الدوري الإنجليزي إلى 3 ألقاب، بينما تتوق نفسه لموقعة السبت 29 مايو/ أيار حين يلتقي فريق تشيلسي في نهائي دوري أبطال أوروبا، آملًا أن يحقق حلمه في التتويج باللقب الأغلى في عالم كرة القدم للأندية.

وهناك محطات دراماتيكية في مسيرة هذا اللاعب الذي استطاع أن يطور من نفسه عامًا تلو الآخر، حتى فرض نفسه كأحد أضلاع البريميرليغ التي لا يمكن الاستغناء عنها، ما أهله للمنافسة على لقب "فخر العرب" وهو اللقب الذي ظل محتكرًا لعدة سنوات من قبل اللاعب المصري محمد صلاح، نجم نادي ليفربول.

الدوري الفرنسي.. البدايات الصعبة

كانت نقطة البداية في مسيرة محرز المولود في 21 فبراير/ شباط 1991، لأب جزائري وأمّ من أصول مغربية، من خلال نادي المدينة المولود بها إي إي إس سارسيل الفرنسي عام 2004، في دوريات الدرجات الأولى والثانية، حيث قضى به أربع سنوات كاملة، لفت فيها الأنظار لدى كثير من السماسرة.

 وفي عام 2009 انتقل من إي إي إس سارسيل إلى كويمبيريوس، حيث نجح في تقديم نفسه كمهاجم من طراز فريد، لينتقل في العام التالي إلى نادي لو هافر الذي فضّله على كثير من الأندية الشهيرة الأخرى، بسبب ما يتمتع به من منظومة شبابية جيدة، جذبت اللاعب الشاب ودفعته للتمسك به رغم العروض المقدمة له من فرق فرنسية بارزة، مثل باريس سان جيرمان ومارسيليا.

واستمر اللاعب الجزائري في لو هافر من عام 2009 وحتى يناير/ كانون الثاني 2014، لعب خلالها للفريق الاحتياطي ثم الفريق الأول والذي يلعب في دوري الدرجة الثانية.

ورغم ما حققه من نجاحات في الدوري الفرنسي، إلا أن الميل إلى الكرة الدفاعية على حساب الهجومية، كانت علامة الاستفهام التي دفعت محرز لقبول العرض المقدم له للانضمام للدوري الإنجليزي.

ليستر سيتي.. بوابة البريميرليغ

بينما كان يتابع كشاف نادي ليستر سيتي الإنجليزي، ستيف والش، رفيق محرز في لو هافر الفرنسي، اللاعب ريان مينديز، إذ به يثار اهتمامه وإعجابه بمحرز، ليقرر ضم اللاعب الجزائري لصفوف النادي الإنجليزي، وبالفعل تم توقيع عقد لمدة 3 سنوات ونصف مع اللاعب في 11 يناير/ كانون الثاني 2014.

كانت التجربة مقلقة لمحرز وعائلته، وذلك بحكم ما يتمتع به الدوري الإنجليزي من قوة جسمانية لا تتوفر لدى اللاعب النحيل، لكن سرعان ما تم التأقلم، فبعد أقل من شهر على المشاركة مع ناديه الجديد، فرض اللاعب نفسه على القائمة الأساسية للمدير الفني نايجل بيرسون.

وخلال موسمي 2014-2015 و2015-2016، استطاع محرز أن ينال إعجاب إدارة النادي وجماهير الفريق الإنجليزي، حيث شارك في إحراز عشرات الأهداف، صناعةً وتسجيلًا، الأمر الذي رفع من قيمته السوقية من 4.5 مليون جنيه إسترليني بداية انتقاله للبريميرليغ إلى 30.1 مليون في 2016، ليصبح ضمن قائمة الـ 30 لاعبًا الأفضل في أوروبا في العام نفسه.

كذلك رُشح لجائزة الكرة الذهبية في أكتوبر/ تشرين الأول للعام ذاته، مختتمًا هذا العام الاستئثنائي بالحصول على جائزة بي بي سي لأفضل لاعب إفريقي.

مانشستر سيتي والعالمية

توترت العلاقة بين محرز وليستر سيتي في نهاية موسم 2016-2017، ما دفعه للبحث عن تجربة جديدة في نادٍ آخر. كان أقرب للانضمام إلى أرسنال بعد إعجاب مديره الفني أرسين فينغر به، لكن الانتقال لم يتم لعدة ظروف، وذاك ما أدخل اللاعب في أزمة نفسية عاصفة، لم يخرج منها إلا بتوقيع التعاقد للانضمام لمانشستر سيتي في 10 يوليو/ تموز 2018، لتبدأ رحلة محرز للعالمية.

بلغت قيمة اللاعب الجزائري في ذاك الوقت 60 مليون جنيه إسترليني، كان الأغلى إفريقيًّا، وفي 5 أغسطس/ آب 2018 كانت المشاركة الأولى له، محققًا الفوز على تشيلسي 2-0 ليفوز مانشستر بدرع الاتحاد الإنجليزي لذاك العام، منجزًا أول بطولة له مع ناديه الجديد.

كان موسم 2019-2020 هو الأفضل لمحرز مع مانشستر، حيث لعب 33 مباراة بالدوري الإنجليزي، سجّل خلالها 11 هدفًا وصنع 12 آخرين.

أما هذا الموسم فشارك في 27 مباراة، منها 23 كأساسي (خرج للتبديل في 10 منها)، و7 مباريات كبديل، بواقع 1955 دقيقة لعب، وساهم في إحراز 15 هدفًا، سجّل 9 أهداف وصنع 6، وبلغ معدل تسجيله هدفًا لكل 217 دقيقة.

الأفضل في تاريخ الجزائر

انضم محرز لصفوف منتخب بلاده للمرة الأولى في نوفمبر/ تشرين الثاني 2013، حيث استدعاه المدير الفني للمنتخب، وحيد خليلهودزيتش، للالتحاق بالفريق خلال مباراته الودية ضد أرمينيا، ضمن الاستعدادات لكأس العالم. وقد أثار هذا الاختيار غضب بعض وسائل الإعلام الرياضية الجزائرية التي كانت ترى أن اللاعب غير مؤهّل للانضمام للفريق الوطني.

ومع مرور الوقت بات محرز اللاعب الأبرز حضورًا في تشكيلة المنتخب الجزائري طيلة السنوات الماضية، بعد النجاحات التي حققها، سواء على المستوى الجزائري أو الأوروبي، حيث بات أيقونة كرة القدم في بلاده، وحديث كافة وسائل الإعلام العربية والغربية.

وفي عام 2020 اختير محرز كأفضل لاعب في تاريخ الجزائر، وذلك وفق استطلاع للرأي نظمه الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" على حسابه الرسمي في تويتر، حيث حصل على 48.8% من مجموع أصوات المشاركين، متقدمًا على النجم السابق لنادي بورتو البرتغالي رابح ماجر (27.4%)، وفق وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية.

غرد الموقع الرسمي للفيفا عقب إعلان النتيجة قائلًا: "فوز عريض لرياض محرز الذي يبقى بالنسبة إليكم ودون منازع أحسن لاعب جزائري"، وذلك بعد قيادته لمنتخب بلاده للتتويج بلقب بطولة أمم إفريقيا عام 2019 التي جرت في مصر، وكان له دور محوري في الفوز بها.

معركة "فخر العرب"

الأداء المبهر الذي قدمه محرز مع فريقه، ودوره في إيصال مانشستر سيتي إلى نهائي دوري أبطال أوروبا، لأول مرة في تاريخه، دفع الكثير من أنصاره ومحبي كرة القدم من العرب إلى وصفه بـ"فخر العرب"، وهو اللقب الذي احتكره النجم المصري محمد صلاح، الأمر الذي تحول إلى ما يشبه حرب افتراضية على منصات التواصل الاجتماعي.

وقد قاد محرز ناديه الإنجليزي للفوز على منافسه الفرنسي، باريس سان جيرمان، في دور نصف النهائي، بتسجيله هدفَي المباراة الوحيدَين، وكان قد أحرز هدف الفوز في مباراة الذهاب، ليصبح بذلك أول لاعب عربي يسجل ذهابًا وإيابًا في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا.

هذا التألق للاعب الجزائري أشعل المنافسة مع صلاح على هذا اللقب الرمزي بين رواد التواصل الاجتماعي، حيث ذهب فريق إلى أن الدور الذي لعبه محرز مع فريقه والإنجازات التي تحققت، محليًّا وأوروبيًّا، تسمح له بسحب اللقب من تحت أقدام نجم ليفربول، الذي خرج فريقه من البطولة، كما خسر الدوري الإنجليزي في الوقت ذاته.

فريق من رواد التواصل الاجتماعي أوضح "أن من حق الجزائريين أن يشعروا بالفخر بالمستوى الذي يقدمه محرز، إلا أنه لا يجوز التقليل مما يفعله صلاح والإنجازات التي حققها"، مطالبين العرب بأن "يفخروا بمحرز مثلما كانوا فخورين بصلاح من قبل"، فيما تغنى كثير من الجزائريين والمعلقين بالمستوى الذي قدمه محرز ونظموا له الأشعار.

في الجهة المقابلة، طالب فريق آخر باحترام إنجازات صلاح وأرقامه، معتبرين أن اللاعب المصري يملك أحقية اللقب أكثر بحكم تحقيقه للعديد من الأرقام القياسية والجوائز الفردية وتميزه بالاستمرارية، وهو الذي حصل على جائزة أفضل لاعب إفريقي مرتين، في عامي 2017 و2018، في حين حصد محرز تلك الجائزة مرة واحدة عام 2016.

هذا بخلاف الفارق الكبير في السجل التهديفي، والمحسوم لصالح اللاعب المصري، الذي حصل على الحذاء الذهبي كهداف للبريميرليغ لعامين متتالين، فيما خسر اللقب هذا العام بفارق هدف واحد عن منافسه، نجم توتنهام اللاعب هاري كين، الذي سجل 23 هدفًا هذا الموسم مقابل 22 لصلاح.

دعم القضية الفلسطينية

عاود محرز تصدره لمنصات السوشيال ميديا مجددًا، بعد إثبات حضوره فلسطينيًّا مرة أخرى خلال احتفالات التتويج باللقب أمس، حيث التحف اللاعب بعلم بلاده، رافعًا العلم الفلسطيني عاليًا خفاقًا في جنبات ملعب الاتحاد بمدينة مانشستر.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يدعم فيها محرز القضية الفلسطينية ويعلن تضامنه الكامل مع الشعب الفلسطيني، حيث سبق له نشر رسالة تضامن مع أهالي حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة، عند بداية الأحداث الأخيرة في فلسطين المحتلة، هذا في الوقت الذي لم يعلن آخرون دعمهم، على رأسهم محمد صلاح الذي جاء رد فعله متأخرًا، وهي المقارنة التي رجحت كفة محرز عن غيره من اللاعبين.

اللفتة أثارت إعجاب وتقدير نجوم الرياضة والكرة ورجال الدين والفن في المنطقة العربية، حيث أشاد النجم الدولي المصري السابق محمد أبو تريكة بما فعله قائد الخضر، الذي قال إن "العدوان الصهيوني لعب دورًا كبيرًا في كشف معادن النجوم ومن بينهم رياض محرز الذي لعب دورًا كبيرًا لدعم القضية الفلسطينية من خلال نشر الوعي في المجتمع الأوروبي".

وأضاف أبو تريكة خلال مشاركته في تغطية قناة بي إن سبورت لاحتفال التتويج باللقب الإنجليزي: "أُحيي محرز واللاعبين العرب الذين اتخذوا موقفًا واضحًا من القضية الفلسطينية.. رياض محرز لم ينسَ فلسطين في خضم لحظة التتويج وهذا ما سيبقى خالدًا في أذهان الناس".

موقف اللاعب الجزائري حيال القضية الفلسطينية زاد وبشكل كبير من رصيده لدى الشارع العربي بصورة عامة، وليس الرياضي فقط، حيث زينت صورته وهو يرفع العلم الفلسطيني الملايين من صفحات المستخدمين العرب، على مختلف منصات التواصل الاجتماعي، تقديرًا لهذا الموقف الذي جعله "تريند" خلال الساعات الماضية.

وفي الأخير.. تبقى الرياضة كغيرها من أدوات القوى الناعمة، سلاحًا توعويًّا يجب استخدامه لنصرة القضايا القومية المصيرية، فالأدوار المنوطة باللاعبين والفنانين أو حتى الدعاة تتجاوز ذلك الإطار الضيق المحدد بطبيعة وظيفتهم ونشاطهم، إلى ما هو أبعد من ذلك، وعليه فإن لقب "فخر العرب" لم يعد مرتبطًا بما تحققه من إنجازات داخل المستطيل الأخضر وفقط.