على وقع الأحداث السياسية المتسارعة في العراق، ومع اقتراب موعد إجراء الانتخابات التشريعية المبكرة المقرر عقدها في 10 أكتوبر/ تشرين الأول القادم، يحتدم الحديث من قبل بعض السياسيين عن احتمالية تأجيل الانتخابات للمرة الثانية.

يفتح "نون بوست" هذا الملف ويتناوله من خلال عدة أسئلة، أهمها مدى قانونية تأجيل الانتخابات وأسباب ذلك، وما هي الكتل التي تدعم مثل هذا التوجه. 

 

احتمالية التأجيل

تتسارع تأكيدات بعض الكتل السياسية والأحزاب إلى أن الانتخابات العراقية المبكرة تتجه نحو التأجيل للمرة الثانية، إذ كشف عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني عماد باجلان عن احتمالية كبيرة لتأجيل الانتخابات إلى شهر مايو/ أيار من عام 2022، مبينًا أن ما قد يؤدي إلى تأجيلها هو عوامل أمنية وفنية. 

وأضاف باجلان أن تأجيل الانتخابات المبكرة إلى العام المقبل احتمال وارد جدًّا، مشيرًا إلى أنه لا فرق بين ذلك والموعد الرسمي للانتخابات المقرر في 10 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، منوهًا إلى وجود ضغوطات خارجية وداخلية على مفوضية الانتخابات وعلى المرشحين، إضافة إلى عودة عمليات الاغتيال.

وبيّن باجلان أن أهم عامل لإجراء الانتخابات هو البيئة الآمنة، وأن حكومة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي جاءت في وقت عصيب عقب تظاهرات تشرين وجائحة كورونا وانهيار اقتصادي عالمي. 

 

أما النائبة عن ائتلاف دولة القانون عالية نصيف، فأكدت أن هناك بعض الكتل السياسية التي ساهمت بإعداد وتشريع قانون الانتخابات الجديد (متعدد الدوائر)، تعمل مع جهات سياسية نافذة في الحكومة على تأجيل الانتخابات، بعد إدراكها أنها قد لا تحصل على المقاعد ذاتها بالبرلمان.

وتضيف نصيف أن هذه الكتل السياسية قد تعمل على الذهاب لحكومة طوارئ لها كامل الصلاحيات حتى بعد انتهاء المدة القانونية للحكومة، كاشفة عن سيناريو محتمل للتصعيد الأمني في البلاد من أجل تأجيل الانتخابات، وأن الكتل التي حصلت على عدد كبير من المقاعد في انتخابات 2018 ترغب بتأجيل الانتخابات. 

من جانبه، أكد القيادي في تحالف تقدم عبد الكريم عبطان أن حكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي جاءت بمهام محددة أهمها إجراء الانتخابات المبكرة، محذرًا من حدوث فوضى وفراغ دستوري في حال تأجيل الانتخابات مرة ثانية، بحسب تعبيره.

وتابع عبطان أن أغلب الكتل السياسية تحاول تأجيل الانتخابات المقررة في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، مبينًا أن تحالف تقدم يرفض أي تأجيل للانتخابات، وأشار إلى أنه وفي حال تأجيلها مرة ثانية، قد تدخل البلاد في نتائج ومصير غير معروفَين.

الرأي القانوني

تكاد تتفق الآراء القانونية التي ترى أن لمجلس النواب القدرة على تأجيل عقد الانتخابات التشريعية المبكرة بالعراق، إذ يرى نائب رئيس مركز بغداد للتنمية القانونية والاقتصادية علي مهدي، أن من حق مجلس النواب العراقي إعادة النظر بالانتخابات المقررة في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.

وأضاف مهدي أن من حق مجلس النواب إعادة النظر بموعد الانتخابات في حال لم تكن الأجواء طبيعية، عازيًا السبب إلى أن مجلس النواب هو صاحب القرار النهائي في هذا الأمر. 

وفيما يتعلق بهيلكية قانون الانتخابات الجديد وتعدد الدوائر وكوتا النساء، أوضح أن القانون الجديد قسّم الدوائر لـ 83 دائرة، وفق عدد أو حصة النساء (الكوتا) في المقاعد البرلمانية، مبينًا أن الاعتراضات على القانون وفي حال تقديم الكتل السياسية طعونًا لدى المحكمة الاتحادية، فإن هذه الطعون قد تقبل، على اعتبار أن تقسيم العراق إلى 83 دائرة انتخابية يعد أجراء غير دستوري.

وعن الجهات المعترضة على القانون الجديد، كشف عن أن ائتلاف دولة القانون وبعض القوى المدنية ضد هذا القانون، فيما أكد أن الحراك المتمثل بانتفاضة تشرين يعتقد أنه كلما صغرت الدوائر كلما كانت فرصهم بالفوز في الانتخابات أكبر.

 

أما الخبير القانوني عدي كريم، فيرى في حديثه لـ"نون بوست" أن تأجيل الانتخابات من عدمها سيتضح جليًّا خلال الأشهر الثلاثة القادمة على أقصى تقدير، مشيرًا إلى أنه وعلى الرغم من أن إجراءات البرلمان المتمثلة بتشريع قانون لحل البرلمان العراقي لنفسه قبل 3 أيام من موعد الانتخابات، شريطة إجراءها بموعدها، يؤشر لاحتمالية تأجيلها للمرة الثانية. 

ويتابع كريم أن هذا الإجراء يسلط الضوء على عدم ثقة الكتل السياسية ببعضها، فضلًا عن عدم ثقة البرلمان العراقي بالحكومة، ولهذا صاغ البرلمان هذا القانون المخالف للمواد الدستورية، حيث يؤشر الدستور في مادته 64 أن هناك طريقتين لحل البرلمان العراقي، والقانون الجديد مخالف لكلا المادتين. 

أسباب كثيرة للتأجيل

يرى العديد من المراقبين للشأن السياسي بالعراق أن البلاد غير مهيأة للانتخابات التشريعية، إذ يؤكد الباحث السياسي محمد عزيز في حديثه لـ"نون بوست" أن أهم عوامل نجاح الانتخابات تتمثل بالوضع الأمني في البلاد، مشيرًا إلى أن الوضع الأمني في البلاد غير مستتب، خاصة مع عودة موجة الاغتيالات التي تطال الصحفيين والناشطين بصورة كبيرة وفي وضح النهار وبمختلف أنواع الأسلحة.

ويضيف عزيز أن الوضع الأمني في البلاد لا يقف عند الاغتيالات فقط، بل أنه يتدحرج نحو مزيد من التأزم، خاصة أن الفصائل المسلحة الموالية لإيران زادت من حدة الهجمات التي تستهدف القواعد العسكرية للتحالف الدولي وأرتال الدعم اللوجستي.

وبالتالي هناك احتمالية كبيرة لأن تشهد الساحة العراقية تصعيدًا أمنيًّا إذا ما أقدمت الولايات المتحدة على رد فعل عسكري تجاه هذه الفصائل، وخاصة تجاه ما يحدث في قاعدة عين الأسد الجوية غرب محافظة الأنبار.

ويختتم عزيز حديثه لـ"نون بوست" بأن التحالفات الشيعية ذاتها لم تعد بذاك الوئام الذي كانت عليه في الدورات الانتخابية السابقة، وهذا يعني أن هناك احتمالًا كبيرًا للتصعيد بين الأجنحة العسكرية لهذه الأحزاب والكتل، ما يعني احتمالية كبيرة في تأجيل الانتخابات. 

ويرى مراقبون للشأن السياسي في البلاد أن الانتخابات المقرر إجرائها في 10 أكتوبر/ تشرين الأول القادم، تعد الأهم والأصعب في الوقت ذاته، إذ إنها تأتي في ظل قانون انتخابات جديد متعدد الدوائر، جعل المنافسة الانتخابية شديدة بين المكونات العرقية للبلاد، في ظل غياب قانون ينظم عمل الأحزاب وينظم مصادر تمويلها. 

ينتظر الشارع العراقي ما ستؤول إليه الأشهر القادمة فيما يتعلق بالانتخابات التشريعية المقبلة، بين من يتخوف من تزوير نتائج الانتخابات، ومن يخشى أن تؤدي المنافسة الانتخابية لمزيد من التأزم الأمني الذي سيحصد مزيدًا من أرواح العراقيين.