أثمرت زيارة المشيشي لليبيا نتائج مهمة

أثمرت زيارة المشيشي لليبيا نتائج مهمة

يقوم رئيس الحكومة التونسية بجولة عربية شملت ليبيا وقطر، في مسعى منه لجذب الاستثمارات والمساعدات المالية لإنقاذ اقتصاد بلاده المتهالك. مساعٍ حثيثة تبذلها حكومة هشام المشيشي بمساعدة رئيس البرلمان راشد الغنوشي لإنقاذ البلاد في الوقت الذي اختارت فيه رئاسة الجمهورية الاهتمام والتركيز على افتعال الأزمات السياسية وتعكير الوضع العام في البلاد.

تراجع الاقتصاد التونسي

يشكو الاقتصاد التونسي مصاعب كبرى، وهو ما تؤكده العديد من المؤشرات، أبرزها نسبة الانكماش التي وصلت 3% في الربع الأول من عام 2021 بالموازنة مع العام السابق، وغلقه السنة الماضية بنسبة انكماش فاقت 8%.

إلى جانب ارتفاع نسبة البطالة إلى 17.8% خلال الثلاثي الأول من السنة الحاليّة بعد أن كانت في حدود 17.4% خلال الثلاثي الرابع من العام الماضي، وفق مؤشرات التشغيل والبطالة للثلاثية الأولى من 2021 نشرها المعهد الوطني للإحصاء.

يُفهم تراجع الاقتصاد التونسي كذلك من خلال تراجع تصنيف البلاد الائتماني، ففي آخر تقرير لوكالة موديز (Moody’s) الأمريكية، تم تخفيض تصنيف تونس الائتماني من "بي2" (B2) إلى "بي3" (B3)، مع نظرة مستقبلية سلبية.

هذا إلى جانب الارتفاع الجنوني في حجم المديونية الذي بلغ قرابة 92% دون اعتبار مديونية المؤسسات العمومية التي باحتسابها تفوق نسبة المديونية 100% من الناتج الداخلي الخام، هذا التضخم وصل حد أن تونس لا تستطيع دفع الأقساط والفوائد دون الحصول على قروض جديدة من السوق العالمية.

تعول تونس على قطر لمساعدتها في تعزيز موقعها التفاوضي مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض يقدر بـ4 مليارات دولار

هذا التراجع ناتج أيضًا عن تدهور قطاع السياحة بنسبة 55%، خلال الأشهر الأربع الأولى من السنة الحاليّة، مقارنة بالفترة ذاتها من سنة 2020، وفق مؤشرات البنك المركزي التونسي، وأظهرت هذه البيانات، أن حجم عائدات القطاع السياحي التونسي بلغ في نهاية شهر أبريل/نيسان الماضي 439.2 مليون دينار (162.66 مليون دولار)، مقابل 975.5 مليون دينار (361.29 مليون دولار) خلال نفس الفترة من العام الماضي.

أيضًا نتيجة تراجع أداء الزراعة والصيد البحري بنسبة بـ6.7% خلال الربع الأول مقارنة بالفترة ذاتها من 2020 والصناعة وارتفاع الأسعار وتراجع الإيرادات الضريبية، وتراجع القيمة المضافة في قطاع المناجم 31.9% نتيجة تراجع نشاط الفوسفات، والقيمة المضافة لقطاع الخدمات المسوقة بنسبة 6% بسبب تواصل أزمة النزل والمقاهي وخدمات النقل، فضلًا عن التراجع في قطاعات خدمات الاتصالات والخدمات المالية.

دون أن ننسى تراجع الاستثمار الأجنبي والمحلي وتصاعد وتيرة انسحاب المؤسسات الناشطة في قطاع الطاقة، إذ سجلت تونس تراجعًا في حجم استثمارات الطاقة بنحو 15% خلال الربع الأول من العام الحاليّ، فلم تعد الاستثمارات النفطية في حقول تونس جاذبة لشركات الطاقة العالمية.

مساعٍ لإنقاذ الاقتصاد

هذا الوضع الحرج للاقتصاد التونسي، يُحتم ضرورة البحث عن مصادر تمويل جديدة واستثمارات مهمة، وهو ما يُفهم من الزيارات الخارجية الأخيرة لرئيس الحكومة التونسية هشام المشيشي التي شملت في مرحلة أولى الجارة الشرقية ليبيا وحاليًّا قطر.

زيارة أولى لليبيا

شهدت العاصمة الليبية طرابلس، قبل أسبوع، زيارة وفد حكومي واقتصادي تونسي برئاسة هشام المشيشي، رئيس الوزراء، ومحافظ البنك المركزي مروان العباسي، و1200 من رجال الأعمال، لبحث سبل التعاون بين البلدين، وتأمل تونس أن تكون لها حصة مهمة في إعادة إعمار ليبيا، التي من المتوقع أن تبلغ 120 مليار دولار خلال السنوات العشرة المقبلة.

لدعم التعاون بين البلدين، قررت تونس رفع جميع القيود المفروضة على الاعتمادات عند دخول البضائع من تونس عبر الحدود البرية، كما شدد المشيشي في كلمة له خلال مؤتمر صحفي على هامش الزيارة على التزام بلاده بوضع كل الإجراءات الكفيلة بتحرير المبادلات التجارية وتحرير تنقلات الأشخاص ورؤوس الأموال.

كما استأنفت شركة الخطوط التونسية (حكومية) نشاطها التجاري على الوجهة الليبية بعد توقفها منذ يوليو/تموز 2014 بسبب الاضطرابات الأمنية هناك، ما تسبب في فقدان الخطوط التونسية لنحو 20% من نشاطها وقرابة 500 ألف مسافر كانوا يتنقلون بين البلدين على متن الطيران التونسي.

لئن لم يعلن بالتفصيل نتائج الزيارة والمعرض التجاري الذي أقيم بالتوازي معها، فقد وصف رئيس الحكومة هشام المشيشي زيارة الوفد الحكومي التونسي إلى ليبيا بالمثمرة، وكانت ليبيا أبرز الشركاء التجاريين لتونس، كما كانت تستقطب أعدادًا كبيرةً من العمال التونسيين، قبل أن يتدهور الوضع الأمني فيها وتتراجع مبادلاتها التجارية مع تونس.

في الأثناء قال رئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة، إن بلاده لن تترك تونس وحيدة تواجه الظروف الاقتصادية التي أنتجتها كورونا وما خلفته الظروف السياسية والأمنية في المنطقة من تأثير عليها، "بل سنقوم بعون الله بكل الخطوات الضرورية لمساعدة أشقائنا".

بالتزامن مع ذلك، أكد رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي، على هامش المنتدى الدولي للأعمال التونسي الليبي، الذي عقد أخيرًا في جزيرة جربة التونسية (جنوب)، أن ليبيا "باتت اليوم ورشة كبيرة لإعادة الأعمار، والتونسيون هم الأكثر تأهيلًا لهذه العملية"، مؤكدًا عزم البرلمان إزالة كل العوائق التشريعية والأمنية والإدارية لدفع التعاون بين البلدين.

الوجهة الثانية قطر

بعد زيارته إلى ليبيا توجه هشام المشيشي إلى قطر لطلب الدعم لبلاده، إذ التقى بمسؤولين قطريين كبار يتقدمهم أمير البلاد الشيخ تميم فضلًا عن رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية الشيخ خالد بن خليفة آل ثاني لبحث سبل تطوير علاقات التعاون الثنائي الوثيق بين البلدين وتنميتها في مختلف المجالات.

تعتبر قطر من أهم المستثمرين في تونس وأبرز المساهمين في المشاريع التنموية والاجتماعية، ويبلغ حجم الاستثمارات القطرية المباشرة إلى نهاية 2018 أكثر من مليار دولار في مجالات الاتصالات والبنوك والسياحة والعقارات.

وعرفت صادرت تونس نحو قطر ما بين 2011 و2019 تطورًا كبيرًا، إذ تضاعفت 10 مرات وأصبحت البضائع والسلع التونسية أكثر حضورًا في الأسواق القطرية، كما قفزت الصادرات القطرية إلى تونس 6 مرات خلال نفس الفترة.

جهود رئاستي الحكومة والبرلمان لإنقاذ الاقتصاد التونسي، جاءت في وقت اختارت فيه رئاسة الجمهورية الاهتمام والتركيز على افتعال الأزمات السياسية

وفق مصادر عديدة فإن تونس تأمل أن تقدم لها قطر ملياري دولار في شكل قرض ووديعة بنسبة فائدة ضعيفة، إلى جانب منح مليوني جرعة من لقاح كوفيد 19 هدية للشعب التونسي، وتوقيع اتفاق لمضاعفة عقود العمل المخصصة للتونسيين بدولة قطر ليتجاوز الـ50 ألف عقد.

وتعول تونس على قطر لمساعدتها في تعزيز موقعها التفاوضي مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض يقدر بـ4 مليارات دولار على ثلاث سنوات وهو أكبر قرض في تاريخ البلاد، مقابل حزمة إصلاحات اقترحتها الحكومة بهدف إنعاش اقتصادها العليل.

زيارة المشيشي لقطر، جاء بعد أيام قليلة من زيارة رئيس البرلمان ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي إلى الدوحة التقى خلالها كبار المسؤولين القطريين، لتعزيز التعاون بين البلدين وزيادة الدعم الاقتصادي والصحي لتونس.

الابتعاد عن عراقيل الرئاسة

جهود رئاستي الحكومة والبرلمان لإنقاذ الاقتصاد التونسي، جاءت في وقت اختارت فيه رئاسة الجمهورية الاهتمام والتركيز على افتعال الأزمات السياسية وتعكير الوضع العام في البلاد، إذ عمل الرئيس قيس سعيد وفق بعض النواب إلى عرقلة عمل الحكومة داخليًا وخارجيًا ما زاد من حدة الأزمة.

وفق النائب في البرلمان ياسين العياري، فإن الرئيس سعيد "يستثمر في الأزمة ويضع العوائق والتعطيلات كلما سنحت له الفرصة"، مؤكدًا أن سعيد "أفشل زيارة رئيس الحكومة، هشام المشيشي إلى ليبيا، إذ تدخلت قبل زيارة سابقة مُبرمجة للمشيشي وأعلمت ليبيا بزيارة رئيس الجمهورية، دون تنسيق مع رئاسة الحكومة"، كما أنه عطل صفقات لقاح كانت قادمة لتونس.

يعمل سعيد منذ توليه رئاسة البلاد، على توجيه التهم إلى أغلب السياسيين والمسؤولين في الدولة دون أدلة واضحة، ما ساهم في تأزيم الوضع في البلاد، كما يسعى هو ومقربون منه لعرقلة إرساء المحكمة الدستورية، إلى جانب مساعيه إقحام المؤسسة الأمنية والعسكرية في الشأن السياسي.

في الوقت الذي تعمل فيه الحكومة والبرلمان لجلب استثمارات جديدة للبلاد، وصف سعيد المناخ السياسي السائد اليوم في تونس بـ"غير المشجع على الاستثمار" و"غير السليم"، وهو ما اعتبر ضربةً كبيرةً للاقتصاد التونسي.