عبر شاشة عرض ضخمة وضعت بمركز النصب التذكاري في سراييفو الذي يضم قبور من عثر عليهم من ضحايا مذبحة "سربرنيتسا" يوليو/تموز 1995، حرصت "رابطة أمهات سربرنيتسا" على مشاهدة جلسة محاكمة السفاح القاتل راتكو ملاديتش، الذي أودى بحياة عشرات الآلاف من الضحايا الأبرياء.

قد تكون المحاكمة متأخرة نسبيًا، فقد مر على تلك الجرائم ما يزيد على ربع قرن، لكن توقيع العقوبة على القاتل وانتصار العدالة في محاكمته رغم سنوات الهروب الطويلة، ربما تشفي غليل آلاف الثكالى اللاتي ما زال الحزن يملأ قلوبهن لفقدان أحبائهن الذين قتوا على أيدي السفاح.

وبالأمس أسدلت المحكمة الجنائية الدولية الستار عن تلك القضية، الأكثر إيلامًا ودمويةً في التاريخ الحديث، وذلك برفضها الطعن المقدم من السفاح الصربي الملقب بـ"جزار البلقان"، لتؤيد حكمها السابق بالسجن مدى الحياة لارتكابه مذبحة سربرنيتسا التي راح ضحيتها  8372 مسلمًا، فيما تشرد الملايين من البوسنيين.

الحكم أعاد شريط الذكريات المؤلمة مرة أخرى لخيال أمهات الضحايا، فيما سلط الأضواء مجددًا على المجازر التي ارتكبها ملاديتش وتعد وصمة عار في جبين الإنسانية، لما حملته من ممارسات بشعة وانتهاكات فاقت كل التصورات، وظلت لسنوات طويلة خارج نطاق الاعتراف بها رغم أنها تعد جريمة الإبادة الأكثر قبحًا في التاريخ الحديث.

9 سنوات من المحاكمات

كان أول تحرك رسمي ضد ملاديتش في 24 من يوليو/تموز 1995 حين قدمت أول لائحة اتهام ضده إلى المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة، التي أنشأها مجلس الأمن، وذلك للمرة الأولى في التاريخ، استنادًا إلى القرار رقم 827 الخاص بميثاق الأمم المتحدة الصادر عام 1993.

ظل السفاح حرًا طليقًا لمدة 16 عامًا منذ ارتكاب مجزرته الشهيرة، متنقلًا بين صربيا وروسيا، دون أي اعتراض من أحد، لكنه في صبيحة يوم 26 من مايو/ أيار 2011 ألقي القبض عليه بينما كان يستعد لممارسة رياضة المشي اليومية في الحديقة الخاصة بالمنزل الذي يعيش بداخله.

قيل وقتها إن المخابرات الصربية كانت تعلم مكانه ولم تكشفه رغم مذكرة التوقيف الصادرة بحقه من المحكمة الدولية، لكنها ألقت القبض عليه بعد ذلك بضغوط من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فتم تسليمه للمحكمة في 31 من الشهر ذاته، فيما استهلت أولى جلسات محاكمته في 16 من مايو/أيار 2012.

 

الشهادات والوثائق التاريخية كشفت النقاب عن عدد من الانتهاكات الوحشية التي باتت وصمة عار في جبين الإنسانية، إذ اعتاد الصربيون اغتصاب البوسنيات، حتى كبيرات السن والعاجزات منهن

لائحة الاتهام الأولية المقدمة ضد ملاديتش شملت جرائم كثيرة بحق الكروات والبوسنيين على حد سواء، إضافةً إلى جريمة الإبادة الجماعية في سربرنيتسا، فيما امتدت فترة محاكمته قرابة 530 يومًا، قدم الادعاء خلالها 9914 دليل اتهام، واستمعت المحكمة إلى 592 شاهدًا.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، أدين الجزار بـ10 اتهامات من أصل 11 تهمة وجِّهت له، وكان الحكم الصادر حينها بالسجن مدى الحياة، إذ لا تعاقب المحكمة الدولية بعقوبة الإعدام، لكن في أغسطس/آب 2020 تم الاستئناف على الحكم من الطرفين، الادعاء والدفاع، فالأول طالب بضم جرائم جديدة لقائمة الاتهامات، فيما طالب الثاني بالبراءة من التهم الموجهة والبالغ عددها 10 تهم رئيسية، وقد حُدد 8 من يونيو/حزيران 2021 للحكم النهائي الذي صدر مؤيدًا للحكم السابق بالحبس مدى الحياة.

البعض ربما يقلل من قيمة تلك المحاكمات، لكن آخرين ذهبوا إلى أنها تعكس أهمية بالغة كما جاء على لسان كبير الباحثين في معهد أبحاث الجرائم ضد الإنسانية والقانون الدولي في سراييفو، الدكتور إرمين كوكا، الذي قال إنها "تمثل حدثًا خاصًا، سواء للناجين من الجريمة أم لممارسة القانون الدولي، فهو الشخص الذي أمر ونفذ بشكل مباشر إبادة جماعية ضد البوشناق"، وذلك بحسب تصريحاته لـ"الجزيرة".

الأكثر وحشية في العصر الحديث

كان العام 1991 نقطة البداية لواحدة من أكثر المجازر الوحشية في التاريخ الحديث، فحين تفككت الدولة اليوغسلافية بداية هذا العام إلى ست دول مختلفة الأعراق والديانات والثقافات والهوية، نشبت موجة من الحروب الدموية التي عرفت باسم "حروب البلقان" تلك الحروب التي ساعدت في تخريج حزمة من السفاحين على رأسهم راتكو ملاديتش.

فرض راتكو نفسه كأحد أبرز الجلادين في الجيش الصربي، ذلك لما عُرف عنه من وحشية مفرطة وولاء منقطع النظير للدولة الصربية ولو على حساب الملايين من المنتسبين للعرقيات الأخرى، ظهر هذا جليًا مع قيادته لجيش صرب البوسنة، وبدأ أولى معاركة القذرة حين جند الصرب المقيمين في البوسنة للعمل لصالح الدولة الصربية، وهنا كان التآمر على الشعب المسلم هناك.

ارتكب الجزار الصربي العديد من الجرائم والمجازر في العاصمة البوسنية، سراييفو، وقرابة 15 بلدةً أخرى، أسقط خلالها ما يقرب من 10 آلاف شخص مدني، بينهم أكثر من 1600 طفل قتلوا وهم يلعبون أمام منازلهم وفي المدارس، فيما كان القناصة يصطادون المارة في الشوارع والطرقات، بينما المنازل يتم استهدافها بالقنابل والصواريخ.

 

يبدو أن الدماء التي سالت في شوارع كرواتيا أروت عطش الجيش اليوغسلافي الذي عين راتكو قائدًا للجيش الثاني به، ليقود مذبحة جديدة

مارس الجيش الصربي كل أشكال التنكيل والوحشية بحق البوسنيين العزل، فجمع الصبيان من عمر 14 عامًا ومعهم الرجال فوق السبعين، في ميدان عام بحجة التحقيق معهم، لكن في غمضة عين ودون سابق إنذار سقطوا واحدًا تلو الآخر برصاص الجنود الصرب بأوامر من الجنرال.

الشهادات والوثائق التاريخية كشفت النقاب عن عدد من الانتهاكات الوحشية التي باتت وصمة عار في جبين الإنسانية، فقد اعتاد الصربيون اغتصاب البوسنيات، حتى كبيرات السن والعاجزات منهن، بل وصل الحال إلى بقر بطون الحوامل وقتل الرضّع وغيرها من الفظائع.

وقف المجتمع الدولي يشاهد تلك المجازر بدماء باردة، إذ لم يتحرك إلا بعد قرابة عامين على بداية تلك المذابح، وتحديدًا في شهر أبريل/نيسان من عام 1993 حين أعلنت الأمم المتحدة منطقة سربرنيتسا منطقة آمنة تابعة للأمم المتحدة، وأرسلت قوات دولية للحفاظ عليها منطقة آمنة.

ورغم توقف الهجمات الصربية بضغوط المجتمع الدولي، فإن راتكو خطط لقتل البوسنيين بطريقة أخرى، فكان الحصار المشدد على المدينة من جميع الجهات، ومنع دخول أي مواد غذائية أو طبية للمحاصرين بداخلها، وأمام تخاذل الأمم المتحدة عقب مهاجمة الجيش الصربي لقوات حفظ السلام الهولنديّة الموجودة هناك واحتجاز 30 جنديًا هولنديًا، لم يجد الجزار عائقًا أمامه من ارتكاب مذبحته.

المؤلم في تلك المجزرة الفجوة الكبيرة في الاستعداد والقوة بين الجلاد والضحية، وهي الفجوة التي أسقطت الآلاف من الأبرياء في أنهار من الدماء في وقت لا يساوي في حساب الزمن لحظات، إذ تحولت سربرنيتسا "مدينة الفضة"، تلك الواقعة في أقصى شرق البوسنة، إلى سجن كبير خاصة بعد لجوء الآلاف من المسلمين البشناق الهاربين من بطشهم في المدن الأخرى، ما ضاعف سكانها من 7 آلاف شخص إلى 30 ألف.

تلك الآلاف لم تجد من ينصرها أو يدافع عنها، فبينما كان المسلمون مشغولين بقضاياهم الداخلية، كان المجتمع الدولي يغط في سباته، متغافلًا عن تلك المذابح التي لم تؤرق مضاجعه إلا بعد ارتكابها بسنوات، بعدما افتضح أمره وأسقطت القناع عن الشعارات الإنسانية المزيفة التي يرفعها بين الحين والآخر.

التقديرات تشير إلى أنه في تلك الحرب تم تنفيذ واحدة من أبشع جرائم "التطهير العرقي" في العالم، إذ طُرد أكثر من مليون من البوسنيين والكروات من منازلهم، فيما وصل عدد الضحايا بنهاية الحرب عام 1995 ما لا يقل عن 100 ألف شخص، معظمهم من الأطفال والنساء وكبار السن.

ملاديتش.. جزار منذ النشأة

نشأ راتكو ملاديتش المولود في 12 من مارس/آذار 1942 بإحدى القرى الواقعة جنوب شرق سراييفو، نشأة سياسية جافة من الدرجة الأولى، فوالده كان أحد قيادات التيار الشيوعي الصربي، وهو ما دفعه للالتحاق بالحياة العسكرية في وقت مبكر، فدخل المدرسة الصناعية العسكرية وعمره لم يتجاوز 19 عامًا.

وفي عام 1965 تخرج في الأكاديمية العسكرية ضابطًا متفوقًا، لينضم في العام ذاته إلى الحزب الشيوعي الذي ظل عضوًا فيه حتى تفكك الحزب في 1990، وخلال وجوده في الحزب أثبت حضوره كأحد القيادات العسكرية المبشرة بحمل لواء الدفاع عن صربيا التي كانت تواجه حروبًا على جبهات عدة بعد تفكك يوغسلافيا.

حصل راتكو على حزمة ترقيات داخل الجيش الصربي لم تمنح لضابط آخر، إذ ترقى إلى نائب قائد فيلق بريشتينة في كوسوفو، ثم حصل بعدها على رتبة ميجر جنرال، ليقود بعدها الجيش اليوغسلافي في الحرب الكرواتية، هذا بجانب العشرات من المعارك التي خاضها، أسقط فيها مئات القتلى وأضعافهم من الجرحى.

 

ربما يكون الستار قد أُسدل على قصة السفاح القاتل، راتكو ملاديتش، لكن المجزرة ذاتها بكل تفاصيلها المرعبة وردود الفعل حيالها ستظل خالدة في الأذهان بما خلفته من أوجاع وآلام

كانت الأجواء عقب انهيار الشيوعية وتفكك يوغسلافيا مناسبة للغاية أمام الجزار الصربي ليقدم نفسه على أنه قائد عسكري ميداني له حضوره ومآثره، لا سيما أن الرجل كان حريصًا على ترك بصماته الملطخة بالدماء في كل بقعة وصل إليها، وهو ما كان يروق لقادته الساعين لتحقيق حلم "صربيا الكبرى".

مذابح ميلاديتش لم تنحصر في البوسنيين فقط، بل ارتكب مثلها بحق الكروات كذلك، فعقب تعيينه قائدًا للفيلق الخامس بالجيش اليوغسلافي، في سبتمبر/أيلول 1991، قصف المدن الكرواتية بالدبابات، وارتكب مذابح عشرات المذابح المروعة هناك بمشاركة قواته.

يبدو أن الدماء التي سالت في شوارع كرواتيا أروت عطش الجيش اليوغسلافي الذي عين راتكو قائدًا للجيش الثاني به، ليقود مذبحة جديدة حين فرض حصارًا محكم حول مدينة سراييفو استمر 1425 يومًا، وهو الحصار الأطول في التاريخ الحديث، ليبدأ بعدها عمليات ممنهجة لترويع السكان بالقصف بالقنابل والصواريخ بكثافة، ما أسفر عن قتل ما يزيد على 10 آلاف شخص في الأسواق وأمام طوابير الماء والمخابز وفي المدارس والمستشفيات.

هل يوقظ الحكم الضمير العالمي؟

يحمل الحكم ضد سفاح البلقان دلالةً رمزيةً بشأن تأكيد الإبادة الجماعية التي ارتكبها الجيش الصربي بحق مسلمي البوسنة، تلك المذبحة التي تنكر لها التاريخ والأدب معًا، الأمر الذي يعدو جريمة لا تقل في قبحها ودمويتها عن تلك التي ارتكبها ميلاديتش وجنوده.

العديد من الأصوات أرخت لحالة الوجع والألم التي خيمت على دراسة تلك المذبحة وتقييمها من الناحية الإنسانية، فها هي الباحثة جنين دي جيوفاني - زميل أقدم بمعهد جاكسون في جامعة ييل الأمريكية -، تقول في مقال لها بصحيفة "واشنطن بوست" إنها غطت حرب البوسنة منتصف التسعينيات ولا تزال تعي ما رأته هناك من انتهاكات وجرائم.

وتواصل جيوفاني حديثها بأنها سافرت إلى سراييفو وقت الحصار وغطت مشاهد التطهير العرقي وقابلت عددًا من النساء ضحايا معسكرات الاغتصاب، إذ أدلين بشهادات موجعة، بجانب الأمهات اللائي قتل أطفالهن وهم يبنون دمى "رجل الثلج" بجانب الثكالي اللائي فقدن أزواجهن على أيدي القناصة وهم يقطعون الخشب للتدفئة من زمهرير البلقان.

الباحثة تشير إلى أن تلك الأحداث تركت في نفسها آثارًا مؤلمةً، فضلًا عن الشعور بالذنب الذي يطاردها بين الحين والآخر في ظل عجزها عن الزود عن ضحايا تلك المذبحة وتقديم المتورطين فيها للمحاكمة لشفاء غليل ذويهم الذين لم تفارق دموع الفراق والألم وجناتهم رغم مرور أكثر من ربع قرن على تلك المجزرة.

المقال حمل رسالة توبيخ مباشرة للمجتمع الدولي الذي يسير في دربه نحو تشويه متعمد للتاريخ لإنكار تلك الإبادة التي تحمل من الشواهد والوثائق ما يجعلها بعيدة تمامًا عن مرمى التشكيك والتجاهل، فقد ضربت الكاتبة مثالًا على هذا التشويه الممنهج حين أشارت إلى منح لجنة أوسلو 2019 جائزة نوبل للأديب النمساوي بيتر هاندكه، المعروف عنه إنكار الإبادة الجماعية بالبوسنة وتشكيكه في حقيقة مذبحة سربرنيتسا.

ربما يطوي الحكم صفحة السفاح القاتل راتكو ملاديتش، لكن المجزرة ذاتها بكل تفاصيلها المرعبة وردود الفعل حيالها ستظل خالدة في الأذهان بما خلفته من أوجاع وآلام، ونموذج فاضح على صمت المجتمع الدولي وازدواجيته في التعامل مع القضايا الإنسانية.