ما زال الشارع التونسي يترقب الأوضاع بتوجس وحذر شديدين وينتظر ارتدادات الانقلاب الدستوري والقرارات الأخيرة التي اتخذها الرئيس قيس سعيد، ففي ظل التطورات التي أفضت إلى تجميد البرلمان وإقرار الحالة الاستثنائية في البلاد التي أثارت مخاوف الداخل والخارج، تتجه الأنظار صوب المؤشرات الاقتصادية باعتبار أن تونس تعيش أزمات مركبة اجتماعيًا وصحيًا بفعل تداعيات جائحة كورونا.

بعيدًا عن منطق المعادلات السياسية والتوصيف التقني لما يحدث في تونس، فإن الوضع الراهن مفتوح على أكثر من سيناريو، وذلك بالنظر إلى تراكمات عشرية ما بعد ثورة يناير التي كان عنوانها الأبرز فشل النخب السياسية في إرساء نظام ديمقراطي صلب وفي محاربة الاستشراء غير المسبوق للفساد والمحسوبية، والأهم من ذلك غموض المشروع السياسي والاقتصادي الجديد للرئيس التونسي.

 

الأزمة الاقتصادية

تواجه تونس ضغوطًا اجتماعيةً واقتصاديةً غير مسبوقة، بينها تداعيات أزمة كورونا التي تسببت في خسائر فادحة في الأرواح (أكثر من 20 ألف وفاة) وتطلعات التونسيين إلى نمو أعلى وزيادة بالوظائف وتحسينًا في الخدمات، وهي ضغوط متأتية أساسًا من انهيار جميع المؤشرات.

 

الأرقام تؤكد أن الديون الخارجية لتونس وصلت لأكثر من 35.7 مليار دولار، في ظل الحاجة لسداد نحو 5.4 مليار دولار بحلول نهاية العام الحاليّ، فيما وصلت نسبة التضخم لنحو 5.7% خلال 2020، وسط توقعات بتضخم 5.7% خلال العام الحاليّ، فيما ارتفعت البطالة لأكثر من 17%.

كما تراجعت نسبة الادخار تقريبًا إلى 4% في 2020 مقابل 20% في 2010، وارتفعت نسبة الدين إلى 100% في العام الحاليّ، ما أثر على سعر صرف العملة المحلية وتفاقم العجز وارتفاع نسب التضخم.

كما بلغت نسبة الدين العام المستحق على تونس 55% من الناتج المحلي الإجمالي حتى نهاية عام 2010، ليقفز لنحو 90% خلال العام 2021، ويتوقع أن يسجل الدين العام 35 مليار دولار بحلول نهاية العام الحاليّ، فيما بلغ العجز المالي 11.5% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2020، وهو الأعلى منذ ما يقرب من 40 عامًا.

من المهم أيضًا أن نشير إلى تعثر تونس في دفع أجور الوظيفة العمومية، فقد سددت قبل إجراءات قيس سعيد قرضًا بـ500 مليون دولار بنسبة فائدة تصل إلى 2.5% عبر اقتراض الحكومة لـ1.4 مليار دينار من البنوك التونسية التي اقترضتها بدورها من البنك المركزي، على أن يكون تسديد هذا الدين خلال 3 أشهر فقط بنسبة فائدة تبلغ 6.52%.

الاختبار الأصعب

من المؤكد أن الرئيس التونسي قيس سعيد سيواجه اختبارًا في صدق نواياه وتعهداته وقدرته على إصلاح الأوضاع الاقتصادية المتأزمة في غضون الشهر الذي حدده له الفصل 80 من الدستور، عقب حله الحكومة وتجميده البرلمان، هذا في حال التزم بهذه النقطة.

فنجاحه مرتبط أولًا بقدرته على إعادة نسق إنتاج الشركات الاقتصادية العمومية الكبرى إلى سالف عهدها وهو ما يستوجب توافقًا تامًا مع منظمة الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمة الأعراف بإجراء عقد اجتماعي معها لفترة معينة، تضع فيه حدًا لكل التحركات الاحتجاجية داخل هذه المؤسسات.

بالإضافة إلى قدرته على طمأنة الداخل فهو مدعو لتوجيه رسائل إلى الأسواق المالية الدولية بأسرع وقت ممكن بأن لا خطر يُهدد التجربة الديمقراطية والانتقال السياسي في تونس وذلك عبر توسيع دوائر الاتصال بالدول الصديقة والشقيقة لمحاولة تأمين موارد مالية بالعملة الصعبة، تمكن الدولة التونسية من طمأنة الأسواق المالية الدولية، على أنه يتم تسديد القروض بصفة طبيعة وأنه لا وجود للمخاوف المعلنة.

كما سيواجه سعيد إشكال إقناع البنك المركزي التونسي (مؤسسة مستقلة) بلعب أدوار مختلفة كمستشار مالي ناصح، وتحمل مسؤولياته في محاولة إنقاذ الاقتصاد من تبعات جائحة كورونا خاصة بعد إفلاس أكثر من 70 ألف مؤسسة اقتصادية وخسارة عشرات آلاف الوظائف.

ويبدو أن الرئيس التونسي سيتجه إلى ضرب استقلالية البنك المركزي التونسي من خلال ضم المحافظ مروان العباسي إلى دوائره عبر توزيره أو تكليفه برئاسة الحكومة الجديدة، وذلك وفق ما تداولته وسائل إعلام محلية وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

في السياق ذاته فإن سعيد مدعو أيضًا من أجل إقناع الداخل والخارج، إلى تشكيل حكومة في أسرع وقت ممكن، من مهامها قيادة الفترة الانتقالية والتحضير لانتخابات سابقة لأوانها، والأهم من ذلك كله استعادة المسار الديمقراطي كرفع التجميد عن البرلمان التونسي، وهي خطوات من شأنها أن تبعث برسائل طمأنة مهمة جدًا للخارج مفادها أن لا ديكتاتورية صاعدة في البلاد.

دعم الخارج

الاعتبارات الداخلية وانقسام التونسيين في توصيف خطوة سعيد بين الانقلاب وتصحيح المسار، سيجعل قيس سعيد يميل إلى الخارج لتنفيذ مشروعه الذي لم يُعلنه صراحة إلى الآن، فكل المؤشرات توحي بأن الرئيس التونسي قد شد عضده بدول عربية أكدت دعم تونس بما يخدم مصالح الشعب واستقراره.

الدعم الذي يتلقاه سعيد في الوقت الراهن سياسي وإعلامي بحت تقوده الإمارات ومصر ومن ورائهم فرنسا أي محور الثورات المضادة، ما يعني أن الدعم الاقتصادي والمالي لم يحن وقته وأنه مقرون بخطوات سعيد الداخلية وأهمها جرف الحقل السياسي ومحاصرة الأحزاب وعلى رأسهم ممثل الإسلام السياسي حركة النهضة التونسية.

جزء من هذه الدول تتخذ موقف المترقب لما ستؤول إليه الأوضاع، فيما يرى بعض المراقبين أن الدعم الاقتصادي سيكون الفيصل في نجاح المسار الذي شرع فيه الرئيس قيس سعيد، خاصة أن الوضع القائم (تحجيم النهضة) فرصة لتقديم الدعم اللازم من أجل تثبيت أجندتها في تونس ومنطقة شمال إفريقيا.

مراقبون آخرون يرون أيضًا أن أي دور عربي في دعم الاقتصاد التونسي مرحب به ومطلوب في ظل الأوضاع الحاليّة، إلا أن عدم إعلان السلطات التونسية المجمعة بيد الرئيس عن خطة طريق وبرنامج إنقاذ الاقتصاد التونسي، تزيد من منسوب المخاوف من أن أي دعم مقدم من الدول العربية سيكون مكلفًا للغاية.

تكلفة دعم الرئيس التونسي قيس سعيد من المرجح أن لا تخرج من دائرة مشروع الإمارات وفرنسا القائم على تصفية الربيع العربي والإسلام السياسي أولًا واستعادة موقعيهما في الملف الليبي، فتونس مما لا شك فيه تُمثل بوابة رئيسية للمسك مجددًا بزمام الأمور ومجابهة النفوذ التركي المتصاعد داخل هذا البلد خاصة بعد فشل رهانهما على القوة العسكرية بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

 

هذا الطرح أيده الرئيس التونسي الأسبق محمد المنصف المرزوقي الذي أكد في تصريحات إعلامية أنه عندما وقع الانقلاب في مصر، أدرك تمامًا أن الدور سيأتي على تونس، مضيفًا "قيس سعيد يتلقى الآن كل الدعم، من السعودية والإمارات، مقابل قلب الموازين خاصة ضد الإسلام السياسي".

 

بات من المؤكد أن حركة سعيد الأخيرة لم تكن ارتجالية أو شخصية متأتية من حرص الرئيس على إنقاذ البلاد من أتون أزمة سياسية واقتصادية خانقة، وإنما ناجمة عن اتصالات ومشاورات وتنسيق مسبق بينه وبين قوى إقليمية ودولية تقود مشروع تصفية الثورات العربية، فوفق تصورهم كان مهد وميلاد الثورات في تونس وفيها يكون الانحسار والنهاية.