يبدو أن ما عجزت عنه الآلة العسكرية والإعلامية في ليبيا، سيُنجزه انقلاب الرئيس قيس سعيد على الدستور التونسي، لما في الخطوة من تداعيات كبيرة قد تفتح الأبواب أمام ترتيبات جديدة في هذه البلاد التي تعرف حالة من عدم الاستقرار بفعل الاقتتال على السلطة، وذلك ضمن سياسة الأمر الواقع التي تُحاول قوى الثورة المضادة فرضها.

سارع الليبيون منذ إعلان الرئيس قيس سعيد عن إجراءات تضمنت تجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه وإقالة رئيس الوزراء هشام المشيشي، على أن يتولى الرئيس نفسه السلطة التنفيذية بالتعاون مع رئيس حكومة يعينه هو، إلى إبداء مخاوفهم صراحة من هذه الخطوة.

مخاوف ليبية

مع أن الوقت ما زال مبكرًا لتقييم انقلاب قيس سعيد الدستوري وتداعياته على الداخل والخارج، فإن شخصيات ليبية عبرت عن رفضها لخطوة الرئيس التونسي، واعتبرتها ردةً عن المسار الانتقالي والتحول الديمقراطي، إذ أعلن رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبي خالد المشري، رفضه لما اعتبره "انقلابًا" على الأجسام المنتخَبة، وذلك في معرض رده على القرارات الأخيرة.

أوضح المشري عبر حسابه الرسمي على موقع فيسبوك: "14 فبراير 2014 انقلاب الجنرال خليفة حفتر، و25 يوليو 2021 انقلاب قيس (سعيد)، ما أشبه الليلة بالبارحة"، متابعًا: "نرفض الانقلابات على الأجسام المنتخَبة وتعطيل المسارات الديمقراطية".

 

يُفسَر الموقف الليبي الأولي عامةً، على أنه ما حدث في تونس يتوقع أن ينعكس سلبًا على الأوضاع في ليبيا، باعتبار أن البلاد تأثرت بما جرى في تونس عام 2011، وأن أي تغيير في خريطة الفاعلين السياسيين في هذا البلد الجار سيلقي بظلاله على الملف الليبي.

هذا الطرح أشار إليه نائب رئيس المجلس الرئاسي الليبي، موسى الكوني، الذي أكد أن "بلاده تراقب بقلق شديد الأوضاع في تونس، وأن المجلس يدعو جميع الأطراف إلى الاحتكام للغة الحوار وحل الخلافات عبر التواصل، مشيرًا إلى أن "ما حدث هناك يمثل أهمية كبرى لليبيا، لكون تونس مثالًا وتجربة مهمة للديمقراطية في المنطقة".

وتأتي مخاوف الليبيين أساسًا من قدرة اللاعبين الدوليين، خاصة العرب، الذين يمثلون تحالف قوى الثورة المضادة، على استغلال انقلاب قيس سعيد لإعادة ترتيب أوضاع الداخل الليبي وفق المتغيرات الجديدة، فتونس ورقة جديدة على طاولة الأزمة الليبية، قد تُمكن المتحكمين فيها من تسجيل نقاط في أكثر من جبهة.

ترتيبات جديدة

من المؤكد أن تحالف الثورات المضادة، المتمثل في الإمارات ومصر والسعودية ومن ورائهم فرنسا، يعلمون جيدًا أن الوضع في تونس يختلف تمامًا عنه في ليبيا، كون البلد الأول قائم على مؤسسات متماسكة تحتكر فيها الدولة السلاح وسلطة إنفاذ القانون، ويحظى بمنسوب محترَم من الحريات والتعددية، وأنه نموذج الربيع العربي الناجح ولو نسبيًا، وإذا تم التحكم فيه وتوجيه مساره حسب أجندتهم سيُسهِل عليهم التحكم في الملف الليبي.

لذلك تخلص عرابو السلطة في العالم العربي (الإمارات) تدريجيًا من صفة المراقب للأوضاع في تونس، وانخرطوا في دعم الأحزاب ماليًا وإعلاميًا (الحزب الحر الدستوري)، ثم انتقلوا إلى مرحلة الفعل من خلال الدفع بقيس سعيد لتنفيذ انقلابه الأخير، وذلك في إطار المشروع الأكبر لهذه القوى، وهو التخلُص من الإسلام السياسي ومن الإخوان وتعميم النموذج المصري.

فالدعم الذي حصل عليه قيس سعيد من دول إقليمية، وعلى رأسها الإمارات ومصر والسعودية (إعلامي ومالي وتطعيمات)، مكنه من تحقيق مآربه الشخصية وأهداف محور الشر الموجه لتونس، كآخر موضع لثورات الربيع العربي.

 

وفي حال استقر الوضع وفق ما خُطِط له في تونس، فإن المرحلة الثانية ستكون ليبيا وبالتحديد في غربها، فمن المنتظر أن تدفع الإمارات ومصر وفرنسا آلتهم الإعلامية (ربط الأزمات بالإخوان) وأذرعهم في الداخل، لزعزعة الاستقرار في العاصمة طرابلس وتحريك الشارع ضد الإخوان من أجل إضعافهم، فهم يرون أن ضرب النهضة التونسية سيُخسر نظراءهم في ليبيا عمقهم الإستراتيجي، ويُقلِل من الدعم السياسي الذي يحظون به.

إستراتيجية المحور ظهرت جليًا من خلال تزامن ظهور نجل الرئيس الليبي الراحل سيف الإسلام القذافي، عبر صحيفة أمريكية مع انقلاب سعيد، وهي رسالة للقادة في عاصمة القرار الدولي مفادها الاستعداد للحوار والتعاون، وإشارة إلى استعداد البديل المنتظر وخروج خليفة حفتر، وهو أكثر المتربصين لاستغلال الأحداث في تونس، للترويج لعدم قبول الشارع للإخوان المسلمين، وأنهم غير مرغوب بهم في المنطقة، من خلال دعوات الخروج للتظاهر في عدة أنحاء من ليبيا ركز عليها الإعلام الإماراتي.

 

في السياق ذاته، يمكن اعتبار أن الانقلاب في تونس، الذي تقف ورائه أجندة إقليمية خليجية إماراتية سعودية مصرية بالتنسيق مع باريس، يأتي في سياق التغيير الجزئي في إطار الحسابات الإقليمية الكبرى، تهدف للتحكم في المشهد الليبي وتغيير خريطة القوى المتحكمة في الملف، فالإمارات التي فشل رهانها على حفتر، ترى أن أي تغيير في ليبيا ينطلق بالأساس من تونس.

الإمارات تعلم جيدًا أن الحدود التونسية الليبية تخضع الآن لسيطرة الليبيين الرافضين لوجود الإمارات ومصر بمساعدة خبراء أتراك، وأن الجنوب التونسي الذي أظهر منذ ثورة 17 من فبراير/شباط تعاطفًا غير مسبوق مع الغرب الليبي، الذي تربطه به علاقات اجتماعية واقتصادية ضاربة في القدم، يرفض هو الآخر أي وجود لمحور الثورة المضادة، ما يعني أن الغرب الليبي من العاصمة إلى زوارة لن يسقط إلا بوجود حليف قوي في العاصمة تونس.

الأتراك وإعادة الإعمار

بعيدًا عن نقطة إبعاد الإسلاميين عن الحكم والتخلُص من وجودهم في سلطة القرار، وهو أكبر أهداف الحلف الذي تقوده الإمارات، فإن انقلاب تونس سيمهِد لإعادة توزيع الأوراق وخلط الحسابات التي تتعلق بالمصالح الاقتصادية، المتمثلة أساسًا في مشاريع إعادة إعمار ليبيا.

فمعلوم أن تركيا هيمنت على المشهد الليبي، بعد أن نزلت إلى الأرض بكل ثقلها لوجستيًا وعسكريًا لدعم حكومة الوفاق ضد حملة حفتر العسكرية على العاصمة، ووضعت حدًا لمخططات جميع القوى التي كانت تقف ورائه، الروس والإماراتيين والفرنسيين، التي كانت جميعها في وقت ما تدعم حفتر عسكريًا.

وكان لتركيا أيضًا النصيب الأكبر في الاتفاقيات الاقتصادية متعددة المجالات بمقتضى عقود الإعمار، ما يعني أن الخطوة الجديدة للمحور تأتي في سياق محاولات إضعاف الأتراك وتحجيم دورهم المتصاعد في المنطقة العربية والإفريقية.

 

لذلك لم يبق للإمارات، التي دخلت في حرب الوكالة المكلفة في ليبيا وأنفقت ببذخ لتقوية مصر الداعم الرئيسي للواء المتقاعد خليفة حفتر، إلا تونس.

فبدخول تونس إلى "محور السعودية - مصر - فرنسا" سيُحشَر الإسلام السياسي في الزاوية، وسيصاب النفوذ التركي بمقتل، خاصة أن أنقرة تلقى منافسة شرسة في ليبيا من الروس والفرنسيين واليونانيين وتتشابك معهم في أكثر من ملفٍ اقتصادي وسياسي بدءًا من سوريا إلى النفط.

من المؤكد أن ليبيا ستتأثر بانقلاب تونس، إلا أن تداعيات الخطوة لن تظهر إلا بالوقوف على ما سيحققه قيس سعيد من نجاحات على أرض الواقع، ومدى قدرته على معالجة أزمات البلاد الصحية والاقتصادية والمالية والاجتماعية، ففي حال فشله ستتعرض القوى الداعمة للانقلاب لانتكاسة أخرى، ستكون أكثر مرارة من سقوط رهان الحسم العسكري.

تتماهى قرارات الرئيس قيس سعيد الأخيرة إلى حدٍ بعيد مع مشروع حلف الإمارات - مصر - فرنسا، الهادف إلى اقتلاع جذور الإسلام السياسي في المنطقة، وهو ما يُعزز مخاوف الليبيين الذين يرون في جارتهم تونس بوابة خلفية دعمت ثورتهم، رغم عدم انخراطها الفعلي في التسوية السياسية، فسقوط تجربتها الديمقراطية يُمثل ضربة في خصر ما تبقى من جهد مقاومتهم لمشروع قيام الأنظمة "السيسية" الجديدة.