يسعى سعيد لتثبيت انقلابه بطرق عدة

يسعى سعيد لتثبيت انقلابه بطرق عدة

غابت الإنجازات التي وعد بها قيس سعيد التونسيين المتحمسين له، رغم مرور أكثر من أسبوعين على انقلابه الدستوري وتعطيله مؤسسات الدولة، وحضرت في مقابل ذلك الإشاعات للحفاظ على حماسة الموالين له والسيطرة على الشارع في إطار خطوات سعيد لتنفيذ برنامجه السياسي الغامض.

غياب الإنجازات رغم الوعود

ليلة 25 من يوليو/تموز الماضي، قرر الرئيس التونسي الانقلاب على الدستور وتجميد البرلمان ورفع الحصانة عن النواب، فضلًا عن ترؤس النيابة العمومية وإعفاء رئيس الوزراء هشام المشيشي من منصبه، ووعد بإجراءات استثنائية أخرى لاستعادة الدولة ومحاربة الفساد على حد قوله.

مرت الأيام، لكن لم يسمع التونسيون إلا بعض القرارات البسيطة على غرار إقالة 4 وزراء - بعضهم من المحسوبين عليه - ومسؤولين آخرين بينهم مدير التليفزيون ومدير المخابرات، فضلًا عن التضييق على الصحفيين ووسائل الإعلام خاصة الأجنبية.

غابت الإنجازات لكن حضرت الإشاعات بقوة، فلا يمر يوم دون أن نسمع بحملة اعتقالات وإيقافات في صفوف النواب ورجال الأعمال الفاسدين

ادعى الرئيس محاربة الفساد، وقال في أكثر من مرة إنه يعلم الفاسدين ولمح إلى بعضهم على غرار النائب عن حزب تحيا تونس لطفي علي الذي يُتهم منذ سنوات بتعطيل إنتاج الفوسفات في ولاية قفصة جنوب البلاد، لكن لم يتم اتخاذ أي إجراء في حقه.

قال سعيد أيضًا إن 460 شخصًا سرقوا 13.5 مليار دينار (4.8 مليار دولار) من المال العام، مؤكدًا ضرورة استردادها من "الفاسدين"، مشيرًا إلى أن أموال الشعب يجب أن تعود للشعب، لكن إلى الآن لم يصدر أي شيء في هذه المسألة.

حتى الحكومة التي قال قيس سعيد إنه سيشكلها لإدارة البلاد، لم يُعرف تفاصيلها إلى حد الآن، إذ عين الرئيس مكلفين بتسيير بعض الوزارات لكنه لم يعلن بعد اسم "الوزير الأول"، وأيضًا لم يعلن بعد برنامج المرحلة المقبلة.

إشاعات

غابت الإنجازات لكن حضرت الإشاعات بقوة، فلا يمر يوم دون أن نسمع بحملة اعتقالات وإيقافات في صفوف النواب ورجال الأعمال الفاسدين الذين أهلكوا البلاد وعاثوا فيها الفساد، يقول الناشط السياسي سليم الهمامي في هذا الشأن: "منذ إعلان الرئيس قراراته المناهضة للدستور سمعنا بإيقافات غير موجودة في الواقع وتخفيضات وهمية وتعيينات لا أصل لها".

نشرت العديد من المواقع التي يشرف عليها أنصار قيس سعيد "إشاعات" مفادها وضع رئيس الحكومة هشام المشيشي قيد الإقامة الجبرية، ونشر بعضها أن رئيس البرلمان راشد الغنوشي استُدعي للتحقيق، وقالت أخرى إن العديد من نواب النهضة محل تتبعات عدلية.

ليس هذا فقط، فقد أوردت صفحات عديدة "إشاعات" تتمثل في القبض على رجال أعمال بصدد الهروب من الحدود وإداريين متلبسين بصدد حرق وثائق، لكن تبين فيما بعد أن كل هذا الكلام لا أساس له من الصحة، كما يروجون لمنطق المؤامرة.

 

يقول الهمامي لنون بوست: "منذ إعلان بداية العمل بالإجراءات اللادستورية وحتى قبلها كان النهج الذي ذهب إليه رئيس الجمهورية وجمهوره هو الارتكاز الكلي على جملة من التصريحات الشعبية التي غازل بها الشعب وراهن على الهبة التي قام بها من أجل مؤازرة هذه التصريحات".

يضيف الهمامي "بعد مضي أسبوعين بدأت الغشاوة تنقشع وذلك الالتفاف بدأ في الانفضاض رويدًا رويدًا، ولم يتبق للفريق العامل على التحشيد غير بث مئات الأخبار الزائفة وإغراق الفضاء الافتراضي بإجراءات لا أصل لها في الواقع".

من جهته قال المحلل السياسي التونسي يحي بن عبد الله لنون بوست: "الرئيس بعد مرور أكثر من 15 يومًا على الإجراءات التي اتخذها، لم يقم بما وعد به على الأقل حاليًّا، خاصة فيما يتعلق بالإيقافات في وسط الفاسدين كما أسماهم، رغم أنه يدعي امتلاكه للعديد من الملفات في هذا الصدد".

تثبيت الانقلاب

يؤكد سليم الهمامي أن النية من وراء بث هذه الإشاعات "المحافظة اليائسة على الزخم الشعبي الذي بدأ ينفض"، في ظل الحرب النفسية التي تدور رحاها في رحاب عالم المعلومات والمعطيات، وخاصة في مواقع التواصل الاجتماعي.

تمارس حاشية قيس مبدأ "التضليل الإعلامي" الذي لا يعد ظاهرة جديدة على الحقل الإعلامي، فهم يعمدون إلى توسيع مدى انتشار المعلومات المغلوطة والأخبار الزائفة، بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، إذ وضعوا التونسيين أمام الأمر الواقع.

يعتبر توظيف الإشاعات وسيلة وأداة للتلاعب بالرأي العام، فهم يستغلون ردود فعل الجمهور القديمة والمتكررة عن عمد، إذ يعلمون أن التونسيين يأملون في سماع أخبار تخص محاربة الفساد، وفي غياب الإنجازات تم الاعتماد على الإشاعات.

 

يرى سعيد وجماعته أن في هذه المرحلة كل شيء مشروع، فبعد الانقلاب على الدستور وجب توطيد الانقلاب على أرض الواقع وفي غياب الإنجازات تم اللجوء إلى الإشاعات

 

بدوره يرى يحي بن عبد الله أن الرئاسة اعتمدت سياسة الإشاعات كآلية لتثبيت الانقلاب على الشرعية الدستورية، وتقديم صورة قوية لرئيس الجمهورية الذي عطل مؤسسات الدولة في تجاوز لصلاحياته والدستور، وأوضح محدثنا أن هذه الإشاعات تأتي في سياق الإيحاء بثبات الرئيس على مواقفه وإرسال رسائل تحيل على قوته وجديته افتراضيًا طبعًا، ذلك أن هذه السياسة لا تعدو وفق يحي بن عبد الله إلا "مجرد إجراءات وقرارات افتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المؤسسات الإعلامية التي أعلنت ولاءها للرئيس قيس سعيد، سرعان ما سيتفطن لحقيقتها المتلقي التونسي".  

من هنا يتبين أن الإشاعة أصبحت ضمن ما يمكن أن نسميه منطق سعيد وجماعته للسيطرة على عقول التونسيين، إلى جانب ذلك يسعون لاستغلالها في حربهم ضد السياسيين وذلك لتحطيمهم وتأليب الرأي العام ضدهم.

تكريس النظام الجديد

عملت الرئاسة بمبدأ أنتم تريدون سماع أخبار تتعلق بالفساد فلكم ما تريدون سماعه، لكن واقعيًا الأمر مختلف، فالجماعات التي تتهم بالفساد أو حمايته، سبق أن طمأنها الرئيس سعيد مؤكدًا لهم أنه لن يقترب منهم، ما يعني أن هم سعيد ليس محاربة الفساد كما يدعي بل توطيد حكمه.

 

الرئيس يأمل من خلال هذه السياسة الظهور في مخيلة التونسيين في صورة المحارب للفساد، حتى يتمكن من إرساء دعائم النظام الذي يحمله في مخيلته، ويقوم على إقصاء الأحزاب وحل البرلمان وتغيير الدستور وتهميش المجتمع المدني وإقامة اللجان الشعبية، أي جمع كل السلطات تحت تصرفه.

يرى سعيد وجماعته أن في هذه المرحلة كل شيء مشروع، فبعد الانقلاب على الدستور وجب توطيد الانقلاب على أرض الواقع وفي غياب الإنجازات تم اللجوء إلى الإشاعات، خاصة أن هذه السياسة أعطت أكلها سابقًا في إطار تشويه البرلمان، ولا يهم إن علم التونسيين بصحتها أو لا المهم عنده أن تؤدي وظيفتها الآن.