بعد ظهور التنسيقيات الموالية للرئيس التونسي قيس سعيد التي كانت وراء قيادة حملته الانتخابية الرئاسية، ظهرت الأسبوع الماضي قيادات حراك 25 من يوليو/تموز التي قادت المظاهرات المساندة للانقلاب مع انعقاد أول جلسة لما سمي بالمجلس الأعلى للشباب، رغم ما شهده من خلافات، ولا تكاد تغيب مجموعة موالية للانقلاب حتى تظهر أخرى بشكل مفاجئ ومثير لاستغراب الذين لم يعتادوا مثل تلك التسميات، وقد ظهر هذه المرة إلى العيان ما يسمى "حراك الحشد الشعبي" في تونس دعمًا للانقلاب الدستوري.

ويصف المولود الجديد نفسه بحراك شعبي شبابي مدني، يقول إنه ضد منظومة الربيع العربي ويصفه بأنه "خراب"، ولا يخفي ولاءه لنظام الاستبداد في سوريا وليبيا وإعجابه بنظرية القذافي "من تحزب خان"، في مشهد يعيد إلى الأذهان صور الإعدامات التي قادتها تلك الأنظمة المتسلطة.

التيمن بالاستبداد

في تناقض تام اختار "الحشد الشعبي" تأسيس مجلس قيادة ثورة تيمنًا بأنظمة الحكم المستبدة من ليبيا إلى اليمن وسوريا، بينما بارك المنصف الوحيشي الناطق الرسمي باسمه انقلاب قيس سعيد، واصفًا الثورة الشعبية في 2011 بالمشروع الصهيوني لضرب الإسلام وكسر الوحدة العربية.

وعُرف توجه رموز الحشد الشعبي التونسي بمجرد الإعلان عن تأسيس تنظيمهم الجديد بالتوجهات القومية العروبية وكانوا من أنصار معمر القذافي، ويرفضون التحزب ولم تعرف عنهم مساندة الرئيس قيس سعيد إلا بعد الإجراءات الاستثنائية الأخيرة التي اتخذها.

تصفية بالدم

ومما يثير المخاوف فعلًا بعد عَقد من ثورة الحرية والكرامة والتجربة التعددية والانتخابات الحرة في تونس، هو تأسيس الحشد لمجلس قيادة تأسيًا بمجالس قيادة الثورة، التي هي عبارة عن ثلة من العسكر الانقلابيين في أكثر من بلد عربي، مجالس قامت بتصفيات ميدانية للخصوم والمعارضين وإعدامات في الساحات العامة في شهر رمضان وسط ترحيب الموالين كما فعل العقيد الليبي معمر القذافي، فقد كان الموالون له يرددون "صفيهم بالدم يا قائد" و"اشنق في الميدان يا قائد، لا ترحم من خان".

كذلك فإن عبارة "الحشد الشعبي ومجلس قيادة الحشد"، تحيل مباشرة إلى تسميات لتنظيمات ومليشيات مماثلة مثل الحشد الشعبي في العراق والحشد الشعبي في سوريا التي تقوم بعمليات تنكيل بالمتظاهرين ضد نظام بشار الأسد، واللجان الشعبية سابقًا في ليبيا عهد القذافي، وهي كلها ميليشيات مسلحة، بينما في تونس فالوضع مختلف، فلا سلاح إلا لسلاح الدولة، مما لا يبرر أسباب وجود هذه التشكيلات سواء مسلحة أم غير مسلحة في تونس، ناهيك بكونها متعصبة لفئة في الخارج للاستقواء بهم لصالح طرف بالداخل.

فرع تونس

على غرار الحشد الشعبي في العراق واليمن من حيث الشكل الدائري المضاعف والمضمون، اتخذ الحشد الشعبي فرع تونس شعاره ورسالته، إذ جمع شعاره بين مكان التسمية والتسمية نفسها ويشتركان في أربعة ألوان: الأسود والأبيض والأحمر والأخضر في إشارة إلى الطوائف في تلك البلدان، بينما تونس تخلو من جميع الفرق والطوائف، وعرف مؤسسو هذا الحراك بمساندتهم للعقيد الليبي معمر القذافي، بل إنهم معجبون بنهجه السياسي ولجانه الثورية وهو الأمين العام والناطق الرسمي للتكتل الشعبي من أجل تونس ذو التوجه القومي العروبي وما يسمى بسلطة الشعب والكتاب الأخضر.

اتهم الحشد الشعبي في العراق من خصومه خاصة من الطائفة السنية وبعض المعارضين للساسة الشيعة، بارتكاب مجازر وحشية يندى لها الجبين وحملات ترويع وعنف منظم من سحل في الشوارع واغتيالات في وضح النهار والإعدام دون محاكمات في الساحات العامة تقوم بها "فرق الموت" كما كان يسميها العراقيون أنفسهم.

تلك كلها منزلقات خفت حدتها في العراق، لكن الأنكى من ذلك هو أن يتم استلهامها في تونس من طرف البعض في مؤشر لا يبشر بالسلم الأهلي ومبدأ التعايش السلمي بين الجميع رغم الاختلافات في الرأي، ما قد يجر البلاد نحو مهاوي الإقصاء والتشفي والكفر بالديمقرطية والمدنية وترهيب الناس على آرائهم.

 

 

وبالتالي فإن تكوين فيالق الحشد الشعبي في تونس على طريقة العراق أو الحرس الثوري الإيراني يعد خطرًا داهمًا، فهو استنساخ لتجارب لم تعهدها تونس عبر تاريخها وفي أحلك حقباتها، فهل ثمة نية لإدخال تونس في معترك احتراب أهلي مختلق يدفع إليه البعض رغم أن القوى السياسية نجحت في عدم تجييش الشارع وحقن الدماء.

وعليه فإن كل ما سبق يطرح مدى نية هذا التنظيم المستورد والمستنسخ من بيئة غير البيئة المغاربية بخصوص إقحام تونس في دوامة المليشيات والتنظيمات الموازية للسلطة (حتى إن كانت تنظيمات سلمية)، وهنا يجدر التساؤل أين الذين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها عندما طالبوا بحل لجان وروابط  حماية الثورة؟

المأمول الآن أن تكون فكرة الحشد التونسي مجرد نزوة عابرة وموجة شعبوية لا تصل حد التهديد بنسف كيان الدولة والمجتمع  وإجهاض مكتسبات الحداثة والثورة الشعبية التي لا ثورة بعدها.