منذ منتصف الشهر الماضي، ومحافظة خوزستان الإيرانية تشتعل بالتظاهر بسبب ندرة المياه وانقطاعها بشكل مستمر منذ أسبوعين، في ظل درجات حرارة تصل إلى 50 درجة مئوية، الأمر الذي أجبر بعض المواطنين على التنافس على ماء البرك الصغيرة على الأرض، التي ترفض الحيوانات الشرب منها، في مشاهد مخزية للنظام الإيراني.

القمع هو الحل 

كعادتها لجأت السلطات الإيرانية إلى استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين "العطشى" في المقاطعة المنكوبة، بعد أن تسربت احتجاجاتهم إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وتزايدت مشاعر التضامن المحلي والعالمي معهم، لإصرارهم على الخروج يوميًا منذ 15 من يوليو/تموز الماضي في عشرات البلدات والمدن التي يسكنها عدد كبير من السكان العرب للاحتجاج في الشوارع، من أجل الحصول على المياه الكافية للمنطقة. 

 

 

قمع الدولة المفرط أدى إلى قتل ثمانية أشخاص على الأقل في احتجاجات ضد النظام، لم يعترف إلا بثلاثة فقط بحسب مواقع إيرانية محسوبة على المعارضة بجانب جرح المئات، ومع ذلك لا تتورع قوات الأمن حتى الآن عن استخدام الأسلحة النارية في الرد على المظاهرات، على حد قول تارا سبهري فار، الباحثة الإيرانية في منظمة هيومن رايتس ووتش.

ومن المعروف أن النظام الإيراني لديه سجل سيئ في استخدام السلاح الحي ردًا على التظاهر، فلا تفرق السلطات الإيرانية بين التظاهر من أجل الاحتجاج السياسي والتظاهر بسبب الصعوبات الاقتصادية المتزايدة وتدهور الظروف المعيشية، إذ يرفض نظام الملالي بالأساس الاعتراف بالحق في التجمع السلمي ويشرعن استخدام قوات الأمن للقوة المفرطة في التعامل مع أي رفض لسياساته. 

أزمة المياه

يعرف خبراء المياه في العالم، أن الملف واحد من أخطر الأزمات التي تهدد بفناء النظام، فالدولة قبل تولي الخميني الحكم كانت تعرف موارد مستدامة، واعتمدت طوال تاريخها على قنوات طبيعية عمرها آلاف السنين لمياه الشرب. 

لكن مع تزايد عدد السكان - عددهم يتجاوز الآن 83 مليون نسمة -، وعدم تجديد البنية التحتية المتهالكة، تدنت جودة مياه الشرب بشدة، وأصبحت جميع أنحاء البلاد تعاني من الفيضانات والجفاف بسبب التربة القاحلة، التي استنفدت موارد إيران المائية.

معالجة الدولة للأزمة تمضي من سيئ لأسوأ، فمن ناحية لم تتخل عن فكرة بناء السدود الكهرومائية، بل وأضافت المزيد على نهر كارون في خوزستان وهو الأكبر في إيران، ولم تتراجع عن هذه الفكرة رغم تجمع الماء في الخزانات وتبخرها سريعًا بسبب الحرارة الشديدة دون استفادة حقيقية.

واستمرت أيضًا في زراعة المنتجات كثيفة الاستهلاك للمياه مثل الأرز والقمح وقصب السكر، فقط من أجل مناطحة القوى الدولية، وإثبات قدرة النظام على الوصول للاكتفاء الذاتي رغم الضغوط القاتلة للعقوبات، ولهذا تذهب أكثر من 90% من مياه إيران للزراعة، ويعاني جميع المواطنين من مستوى غير مسبوق من ندرة المياه. 

تسببت هذه السياسات السيئة، بجانب الاعتماد على أنظمة قديمة للزراعة والري لم تتغير على الأقل خلال العقود الثلاث الماضية في نقص عام للمياه، وانعكس المردود مباشرة على المزارعين الذين فر الكثير منهم وانتقل للعيش في مستوطنات غير مستقرة بضواحي المدن، ولم يتبق إلا من لا يملك القدرة على المغادرة. 

صورة

مع تغير المناخ وتصاعد موجات الحر وحرائق الغابات، خلقت هذه الظواهر تأثيرات مضاعفة بشكل كارثي لم تعرفها البلاد منذ 50 عامًا، ما حفز المشكلة في بلد يعتمد بشكل أساسي على النفط، ولا يفكر في البيئة مطلقًا، إذ يستثمر النظام في قطاعي الصناعة والخدمات، ويتجاهل تمامًا تخفيف الضغط على بيئة بلاده الطبيعية.

أزمة خوزستان 

محافظة خوزستان بشكل عام لها قصة خاصة، حيث تتاخم حدودها مع العراق، وكانت خط المواجهة خلال الحرب العراقية الإيرانية من 1980 إلى 1988، ومع أن السكان معظمهم عرب ويشتكون دائمًا من التمييز وعدم الاستفادة من ثروة المحافظة التي تضم نحو 80% من حقول النفط الإيرانية و60% من احتياطيات الغاز الطبيعي في البلاد، لكنهم لم يستغلوا الحرب للانقلاب على الانظام الإيراني والمطالبة بالانفصال والاستقلال. 

مع ذلك ردت لهم الدولة الديّن بالتمييز والظلم، وتتعنت بشدة في إصلاح النظم البيئية بالمحافظة رغم الضغط عليها بقوة منذ ثمانينيات القرن الماضي، بإنشاء سدود المنابع، وإضافة المزيد من فتحات التنقيب عن النفط التي يتوسع فيها النظام دون أي التفات للتأثير الخطير على مصادر المياه. 

بحلول عام 2017 تفاقمت أزمة المياه، وضرب الجفاف المنطقة، وعرفت خوزستان المعروفة بالأحواز، أزمة لم تشهدها منذ خمسة عقود، فقد انخفضت معدلات هطول الأمطار وارتفعت درجات الحرارة والتصحر والطقس القاسي، ما أدى إلى زيادة الضغط على إمدادات المياه في المحافظة بشكل خاص وإيران بشكل عام، وساهم الاحتراق المكثف للوقود الأحفوري في التدهور العام بالتنوع البيولوجي وزيادة تلوث المياه وتعريض ما تبقى منها للخطر.

أدت الإدارة الفاسدة للموارد والنهج المنغلق في تتبع الحلول والتكبر على جماعات البيئة والمعارضين إلى استنفاد حاد لإمدادات المياه، وهي الأزمة التي حذر منها عيسى كالانتاري، وزير الزراعة السابق عام 2015 الذي أكد أن ندرة المياه ستجبر 50 مليون إيراني - 60% من السكان - على مغادرة البلاد. 

اشتكى كالانتاري في وسائل الإعلام من تجاهل المسؤولين في طهران المشكلة لفترة طويلة، وأكد أنهم لن يفهموها إلا بعد ضياع الوقت، ولم تمض سنوات قليلة حتى تحققت نبوءته، إذ أصبح الإصلاح مكلفًا للغاية بسبب تراكم المشكلات والعقوبات الدولية الصارمة. 

تصدير الأزمة للعراق

بدلًا من التوجه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، تحاول إيران تصدير الأزمة للعراق، وتستغل الخلافات التي تتصاعد بين البلدين على ملف المياه، في بناء سدود تعيد تحويل بعض المياه إليها، ما سيحدث نقصًا كبيرًا للمياه في العراق.

وكما يتعامل النظام الإيراني داخليًا ويهمش الرأي العام، يتعامل كذلك خارجيًا مع ملف بهذه الخطورة، إذ يفضل عدم العمل مع بغداد في مشاريع المياه، ويعتمد بناء سدود جديدة على طول الحدود الغربية مع العراق بهدف مضاعفة حجم المنتجات الزراعية الإيرانية أربع مرات.

يترجم النظام الإيراني عمليًا ما أعلنه عام 2019 من خطط لبناء 109 سدود على مدار عامين، يهدف من خلالهم إلى استمرار سياسته المناكفة للقوى الغربية سواء في الزراعة أم التعريض بالبيئة، وإعادة توجيه المياه الزائدة في خزانات السدود إلى المقاطعات الأخرى المعرضة للجفاف في جميع أنحاء البلاد، الأمر الذي سيؤثر بشدة على الأمن المائي العراقي. 

المخططات الإيرانية ردت عليها مباشرة حكومة إقليم كردستان والمتحدث باسم وزارة الموارد المائية العراقية واتهموا إيران بإعادة تحويل نهر دجلة في الشمال وانتهاك القانون الدولي الذي يحظر الاضطرابات الضارة في تدفقات الأنهار الطبيعية. 

لم تلتفت إيران لأي من هذه الاتهامات، إذ تعتبر نهري الزاب الصغير وسيروان اللذين يصبان في إقليم كردستان ثروة خاصة بها، لا سيما أنهما ينبعان من جبال زاغروس الشمالية الغربية لإيران، ولهذا تواصل استفزازها للعراق وتعمل على كسب الوقت من أجل تحويل نهر الزاب الصغير لإطعام بحيرة أورميا، بينما يتم تحويل نهر سيروان لخدمة المناطق المشتعلة على الحدود الإيرانية. 

ورغم الضرر الفادح للعراق، لكن الاستبداد والجشع الإيراني يرتد عليه أيضًا، إذ يؤدي تصريف المياه من السدود في الأحواز إلى تملح شديد في الأنهار، ما يمكن أن يؤدي لكارثة كبرى تعجل بالهجرة الجماعية من هذه المناطق، بسبب الإضرار بالأراضي الزراعية والحياة بشكل عام. 

ثورة دموية.. ممكن؟ 

يتوقع البعض أن تؤدي الاحتجاجات المستمرة التي تطالب بالحق في الحياة والرد عليها بالعنف المفرط إلى ثورة دموية، فلا سبيل أمام السكان إلا الموت، طالما لم يعد هناك خيار آخر، خاصة في ظل تصاعد أزمة فيروس كورونا التي تفتك بالبلاد وعجز الاقتصاد عن الوفاء بمتطلباته.

صورة

واستمرار محّن الأقليات العرقية مثل الأحواز والأذريين والتمييز المنهجي ضد الأقلية العربية، بجانب الإصرار على نهج الإدارة المتكبرة التي ترفض الاستماع للداخل والخارج، وتصر على قيادة البلاد والمنطقة للجحيم.