عرفت النهضة في السنوات الأخيرة، انتقادات كبيرة، زادت حدتها مؤخرًا، انتقادات صادرة عن قواعدها وناخبيها قبل خصومها ومنافسيها، إذ تُتهم الحركة التي فازت في أغلب المحطات الانتخابية التي عرفتها تونس بعد الثورة بارتكاب أخطاء عديدة ساهمت في تأزيم وضع البلاد ووصولها إلى المحطة التي وصلت إليها.

هذه الأخطاء من المنتظر أن تنظر فيها لجنة الأزمة السياسية التي شكلتها حركة النهضة مؤخرًا - ضمن تداعيات الإجراءات التي اتخذها الرئيس التونسي قيس سعيد ليلة 25 من يوليو/تموز الماضي - وذلك للخروج بالحلول الكفيلة بمعالجتها.

ضمن حواره مع رئيس اللجنة وعضو المكتب التنفيذي لحزب حركة النهضة، محمد القوماني، ارتأى "نون بوست" في الجزء الثاني من هذه المقابلة التي نشرنا جزءها الأول يوم أمس الإثنين، التطرق إلى هذه الأخطاء والحديث عنها أكثر، فضلًا عن التعرف على مستقبل الحركة والمراجعات التي يمكن القيام بها خلال مؤتمرها القادم الذي ينتظره التونسيين.

إلى الحوار..

هل أخطأت النهضة؟

القوماني: نعم، ارتكبت النهضة أخطاءً ليست بالقليلة بعد الثورة، لكن هذه الأخطاء لا يمكن أن تحجب أخطاء باقي الأطراف التي سقطت الثورة التونسية بين أيديها إلى أن انتكس مسار ما بعد 14 من يناير/كانون الثاني 2011 جزئيًا.

انهيار المسار إن حصل - لا قدر الله - فتلك مسؤولية مشتركة بين النهضة وبقية الفاعلين خاصة من تحمسوا للثورة ولم يحسنوا التفاعل مع تحقيق أهدافها.

متى بدأت أخطاء النهضة؟

القوماني: عقب الثورة مباشرة بدأت الأخطاء، فمن الأخطاء الكبيرة للنهضة، أنه لم يتم صياغة مشروع وطني واضح وجامع للتونسيين، فقد انحصرت المرحلة التأسيسية التي أعقبت انتخابات المجلس التأسيسي في أكتوبر/تشرين الأول 2011 في كتابة نص الدستور فقط. 

هذا الأمر لم يكن كافيًا، فقد كان من المفروض أن يقع جرد وتقويم للخيارات ما قبل الثورة وآثارها والوضعية الحقيقية للمالية والمؤسسات وإطلاع التونسيين على ما كان موجودًا قبل 14 من يناير/كانون الثاني، حتى نتفق على خيارات وطنية جديدة يتنافس عليها المتنافسون.

هذا لم يحصل بتقصير من النهضة التي كانت الفائز الأول في المجلس التأسيسي، دون أن ننسى مناكفات بقية خصوم النهضة الذين ضيعوا البوصلة، إلى أن وصلنا إلى هذه الحالة التي تعرفها البلاد.

أيضًا الدستور التونسي صيغ وفق شهوات وأهواء وقناعات الأطراف المؤسسة ولم يأخذ بعين الاعتبار لا الوضع الإقليمي ولا الدولي ولا توجهات عموم التونسيين، ليتبين الآن أن هناك أشياء في الدستور تستحق المراجعة لتقويمها.

ماذا عن أخطاء النهضة في الحكم؟

القوماني: الأخطاء تظهر في تعامل النهضة مع الحكومات التي كانت تساندها ولم تكن طرفًا محددًا فيها على غرار حكومة يوسف الشاهد والمهدي جمعة وهشام المشيشي، فقد كانت هناك أخطاء فادحة في دعم هذه الحكومات التي لم تجن منها النهضة إلا الصورة السلبية ولم تكن قادرة على تصويب بوصلتها أو التدخل في أدائها السيئ الذي كانت نتائجه كارثية على تونس خاصة من الناحية الاقتصادية واستمرار الفساد.

ضمن أخطاء النهضة أيضًا، مسألة التحالفات التي لم تبن على مراجعات صريحة وعميقة من الحركة، إذ وقعت النهضة في لبس كبير في علاقتها بمنظومة ما قبل الثورة، وأيضًا في علاقتها بالدوائر المتورطة في الفساد وخيارات لا وطنية أحيانًا، فالوضع لم يكن واضحًا عند النهضة من البداية.

هل صحيح أن النهضة اعتمدت سياسة "الأيدي المرتعشة"؟

القوماني: هناك إشارات واضحة من سنة 2012 إلى الآن، باعتماد النهضة ما يسمى سياسة "الأيادي المرتعشة"، فلم تكن الحركة صارمة في التعبير عن خياراتها، سواء في موقع الحكم أم إن لزم الأمر التموقع في المعارضة والتعبير بقوة عن أفكارها.

سياسة الترفق والتوافق التي اعتمدتها النهضة، الآن يتبين أنها أضرت بصورة الحركة التي كانت تشارك في اختيار الحاكمين ولكنها لم تكن تحكم فعليًا، وقد آثارت هذه المشكلة الكبيرة غضب قواعدها وناخبيها وكانت سببًا لانتقادات خصومها.

ماذا عن أخطاء النهضة الداخلية؟

القوماني: للنهضة مشاكل حقيقية في هويتها، كحزب سخر جهوده لمدة عقود في النضال من أجل الهوية والديمقراطية والحريات، لكن هذا الحزب يواجه الآن مشكلة جديدة اسمها التنمية والاقتصاد، خاصة أن التونسيين يبحثون عمن يساهم في تنمية البلاد.

النهضة الآن حركة غير مؤهلة لمثل هذا الدور وعليها أن تجدد أولوياتها وقيادتها وإطاراتها لتصبح حزبًا سياسيًا مناسبًا للمرحلة الجديدة وليس حزبًا يعيش من ريع عقود من النضال والسمعة الإيجابية التي جنتها من نضالها ضد أنظمة الاستبداد قبل الثورة.

ماذا يمكن أن يقدم المؤتمر القادم للنهضة؟

القوماني: المؤتمر الـ11 الذي سيعقد بعد فترة قصيرة، سيقف على أخطاء النهضة وسيصوب البوصلة وربما سيعتذر عن بعض تلك الأخطاء لقواعده وناخبيه.

إلى جانب ما تناولنا، هناك العديد من المسائل الأخرى ستكون موضوع المؤتمر في علاقة بالإدارة الداخلية للحزب والديمقراطية الداخلية.

أنا مقتنع أن المؤتمر 11 إن لزم الأمر يجب أن يتقدم عن موعده إذا تحسن الوضع الصحي، ويجب أن يكون محطة لتغيير جوهري في حركة النهضة يمس كل شيء دون استثناء ودون أي خطوط حمراء.