يسعى سعيد لمغازلة تبون

يسعى سعيد لمغازلة تبون

تتوالى سقطات قيس سعيد، فبعد انتهاك قانون بلاده ودستورها وتأويله وفق الرؤية التي تخدم مصلحته وبرنامجه الغامض، جاء الدور الآن على القانون والمعاهدات الدولية التي تمنع تسليم اللاجئين للدول التي تلاحقهم على أساس توجهاتهم السياسية.

انتهك الرئيس التونسي سعيد القانون الدولي وسلم لاجئ للجزائر في محاولة -على ما يبدو- للفوز بدعم نظام عبد المجيد تبون، فهو في أشد الحاجة لدعم الجزائر في أهدافه التي سطرها للتونسيين ولا أحد يعلم عنها شيئًا، حتى أقرب المقربين له.

تسليم لاجئ

في خطوة مفاجئة سلمت السلطات التونسية الناشط السياسي الجزائري سليمان بو حفص (54 عامًا) إلى سلطات بلاده التي تلاحقه على خلفية مواقفه السياسية، رغم أنه لاجئ متمتّع بالحماية الدولية.

وبوحفص هو ناشط سياسي ومدافع عن حقوق الإنسان، حكم عليه في الجزائر بالسجن خمسة أعوام، عام 2016، بعد إدانته بـ"الإساءة إلى الإسلام والنبي محمد".

وينتمي بوحفص إلى منظمة "الحركة من أجل تقرير المصير في منطقة القبائل" (ماك) التي تصنفها السلطات الجزائرية "بالإرهابية"، وتطالب الحركة باستقلال منطقة القبائل التي يسكنها الأمازيغ، ويرى النظام أنها حركة انفصالية.

بدأ مطلب حركة "ماك"، التي ترأسها فرحات مهني، بالدعوة إلى إقامة حكم ذاتي في المنطقة، قبل أن يتطور إلى مطلب انفصال تام عن الجزائر، لكن حضورها ضعيف في أوساط الجزائريين حتى في منطقة القبائل، وتشكل الحركة حكومةً مقرها باريس، وتضم إضافة إلى ما تصفه الحركة بالرئيس فرحات مهني، ورئيس حكومة زيدان لفضل، 18 وزيرًا، خمسة منهم لا تنشر صورهم لأسباب تقول إنها أمنية، وللحركة وكالة أنباء باسم "سيوال".

يرى قيس سعيد والمحيطون به، أن تسليم بو حفص يمكن أن يفتح لهم أبواب قصر المرادية ويجدوا الدعم هناك

كان بوحفص قد قدم إلى تونس، حيث منحته المفوضية السامية لشؤون اللاجئين صفة اللاجئ في سبتمبر/أيلول 2020، ما "يفرض على السلطات التونسية الموقّعة على معاهدة جنيف لسنة 1951 وبروتوكولها لسنة 1967 واتفاقية مناهضة التعذيب عام 1984 عدم إعادته القسرية واحترام تعهداتها الدولية في هذا الظرف الدقيق وضمان حماية حقوق الإنسان وحقوق اللاجئين".

ووفق منظمات تونسية من بينها "الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان" و"المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية"، عن شهود عيان، فقد قدمت سيارات بلوحات مجهولة يوم 25 من أغسطس/آب الحاليّ إلى المنزل الذي يقيم فيه بوحفص، واقتادته إلى جهة غير معلومة، وأعلنت تقارير إعلامية أن سليمان بوحفص جرى تسليمه للسلطات الجزائرية، استعدادًا لمثوله أمام المحكمة خلال الأيام المقبلة.

شراء دعم النظام الجزائري

العديد من المنظمات التونسية نددت بما حصل ورأت أن "إقامة علاقات صداقة مع الدولة الصديقة (الجزائر) لا ينبغي أن يكون على حساب احترام الالتزامات الدولية التي تحمي اللاجئين وطالبي اللجوء واحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية وعدم التّسليم"، لكن يبدو أن للرئيس سعيد وجماعته رأي آخر.

جاء تسليم بوحفص في وقت يسعى فيه الرئيس سعيد لكسب تأييد الجارة الغربية، خاصة أن موقفها مما حصل في تونس لا يصب في خانة قيس سعيد، فهي تخشى سقوط تونس في يد الحلف المصري الإماراتي، وقد ظهر هذا خاصة في تنسيقها الكبير مع تركيا في هذا الموضوع.

النظام الجزائري، يرى أن الحلف المصري الإماراتي ومعهم فرنسا - أكبر المساندين لتحركات قيس سعيد - يريدون لخبطة الأوضاع مجددًا في شمال إفريقيا بعد فشلهم في ليبيا، فهذا الحلف يسعى بما أوتي من جهد لزعزعة الوضع في المنطقة خدمة لمصالحهم وهو ما ترفضه الجزائر.

وكان نظام تبون قد كثف من اتصالاته مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان لتنسيق مواقفهم إزاء ما يحصل في تونس، خاصة أن النظاميين يرفضان قطعيًا أي تحركات من شأنها أن تقوض الاستقرار الهش الذي تشهده المنطقة بعد الاتفاق السياسي الذي حصل في ليبيا وأفرز حكومة وحدة وطنية.

 

ليلة 25 من يوليو/تموز الماضي، قرر الرئيس قيس سعيد تجميد عمل البرلمان وإقالة رئيس الحكومة ورفع الحصانة عن النواب وترؤس النيابة العمومية، وشملت الإجراءات التي أعقبت هذه القرارات إقالة العديد من المسؤولين والقبض على عدد من النواب ورجال الأعمال.

هذه الإجراءات لم تجد استحسانًا كبيرًا في الخارج خاصة عند الجزائر، لذلك يسعى قيس سعيد إلى مغازلة نظام عبد المجيد تبون عبر العديد من الآليات منها ما حصل مؤخرًا وتسليم الناشط سليمان بو حفص، رغم علم سعيد أن ذلك يخالف القانون والمعاهدات الدولية التي وقعتها تونس.

علم قيس سعيد أن الفعل ليس سهلًا كالكلام، فله أن يتكلم ويقول ما يريد لكن أن يفعل فذلك يتطلب حنكة كبيرة واطلاع أكبر على أوضاع البلاد للحفاظ على التوازنات

تفرض الحماية الدولية التي حصل عليها سلمان بو حفص على السلطات التونسية، الموقعة على معاهدة جينيف لسنة 1951 وبروتوكولها لسنة 1967 واتفاقية مناهضة التّعذيب عام 1984، عدم إعادته القسرية.

يسعى قيس سعيد والمحيطون به من خلال تسليم بو حفص إلى كسب صمت إن لم يكن دعم قصر المرادية.

تجاوز العزلة الخارجية

الفوز بدعم قصر المرادية لإجراءات سعيد، الهدف منه تجاوز العزلة الخارجية التي تهدد نظام الرئيس، فأغلب المواقف الخارجية دعت لضرورة عودة العمل بالدستور، وحذرت من خطورة الانزلاقات التي يمكن أن تشهدها تونس في حال تواصل تعطيل الدستور والمؤسسات الديمقراطية التي انتخبها الشعب التونسي.

كدليل على حالة العزلة، أوقفت المؤسسات المالية العالمية والدول المانحة التفاوض مع نظام سعيد وقراراها وقف التعاون المالي مع تونس في ظل غياب حكومة شرعية مستقرة صادق عليها البرلمان الشرعي الذي جمد سعيد عمله قبل شهر ونصف.

لم يكن سعيد يتوقع هذا الرفض الخارجي، فقد كان يمني النفس برؤية بيانات المساندة والتهليل لما أقدم عليه، لكن لم يحصل ذلك، وهو ما يفسر عدم إقدامه على أي خطوة جريئة إلى الآن، وسعيه لكسب ود الجزائر لما تملكه من مكانة كبيرة في المنطقة.

 

يظهر من خلال متابعة تحركات قيس سعيد بعد 25 من يوليو/تموز الماضي، تخبط كبير، إذ لم نشاهد إلا بعض المداهمات لما وصفوا بالمحتكرين لبعض السلع كالحديد والبطاطا وتبين في العديد من المرات أنها مداهمات غير قانونية، أما رجال الأعمال المعروف فسادهم فلم يقترب من أحدهم.

حتى الحكومة لم يعلنها بعد، كما لم يعلن الرئيس برنامجها المستقبلي، وهو الذي قال إن تحركاته وتجميد البرلمان جاءت لإنقاذ الدولة من السقوط، لكن مر نحو شهر ونصف ولم يقدم على شيء يذكر ما زاد الوضع تعقيدًا، وأثار مخاوف التونسيين من مستقبل غامض.