في العادة، يكون العام الأول بعد أي انقلاب، مثيرًا وحافلًا بالأحداث: مظاهرات، اعتقالات، تعيينات، دستور جديد.. إلخ، لكن في تونس يختلف المشهد تمامًا!

تكمن مشكلة تونس أن متوالية الانقلابات لم تكتمل فيها، تعم المظاهرات الشوارع عادة عقب الانقلابات، فيكون ذلك حجة مناسبة للانقلابيين للتخلص من خصومهم جميعًا، مرة واحدة وللأبد، ما يفتح المجال للذهاب بعيدًا في الاستيلاء على السلطة، حصل الأمر في رابعة بمصر وقبلها بزمان في سوريا، وكان متوقعًا أن يعيد السيناريو نفسه في تونس، لكنه لم يحصل، لأن القوى السياسية تقبلت الأمر ببساطة، لأسباب أخرى، قد يكون سعيد نفسه قد اكتشفها الآن!

النتيجة النهائية لكل هذا: انقلاب بارد خالٍ من الفرص الحقيقية لتدعيم سلطة الرئيس، الشعب نفسه لم يخرج مؤيدًا ولا معارضًا، فمشكلته أكبر من تفسيرات المادة 80 في الدستور، وممن يحق له تفسير الدستور ومن الدستور نفسه!

ما المشكلة إذن؟ الاقتصاد!

بالون يوشك على الانفجار

لو عدنا للأشهر الأخير قبل الانقلاب، كانت تونس على شفا انفجار بكل ما تعنيه الكلمة، نظرة بسيطة على موازنة العام 2021، تخبر بالطريقة والطريق الذي تمضي فيه تونس نحو الهاوية!

بلغت موازنة تونس الأخيرة 19.4 مليار دولار، يُلاحظ فيها التفاصيل الآتية:

- شهدت الموازنة زيادة في الإيرادات، بقيمة 4.4 مليار دولار، من مدخولات الضرائب "ضرائب الدخل والاستهلاك"، ما يعني أن الشعب دفع من جيبه ربع موازنة الدولة حرفيًا!

- يبلغ العجز 3.3 مليار دولار، أي 17% من حجم الموازنة، ستضطر معه الحكومة للاقتراض.

- كيف سيتم الإنفاق؟ ستذهب 6% من الموازنة للمشاريع التنموية، التي يُفترض أن تستقطب اليد العاملة، 30% من الموازنة لخدمة الديون السابقة، ويتم إنفاق الباقي - أكثر من 50% - على النفقات التشغيلية (رواتب ونفقات عامة).

ماذا يعني ذلك؟ يعني خللًا كبيرًا في إدارة الدولة، وللحق فإن تونس لا تختلف كثيرًا عن باقي الدول العربية في إدارة مواردها حالها حال مصر والعراق على سبيل المثال، وتدير هذه الدول اقتصادها بطريقة مركزية لا تتناسب مع حجم السكان نسبة للموارد والمتطلبات.

في تونس يزيد الأمر هناك على معضلتين: أولًا: اضطرار الحكومة لتعيين عناصر جديدة في القطاع العام سنويًا، لأنه القطاع الذي يدير الاقتصاد، ثانيًا: المطالبات المستمرة لزيادة رواتب موظفي الملاك الحكومي، وفي كلتا الحالتين، يتولى اتحاد الشغل تعطيل أحد القطاعات أو جميعها بإعلانه إضرابًا شاملًا في النقل أو الزراعة وغيرها لتنفيذ هذه المطالب، فتجد الحكومة نفسها مضطرة إما للانصياع وتحميل الاقتصاد ما لا يطيق وإما الرفض والدخول في فوضى سياسية، ونحن نعلم بالطبع، أن الحكومة اتخذت الخيار الأول.

يقول الزميل الأقدم في معهد واشنطن للدراسات أنتوني كوردسمان، إن الحكومة التونسية وجدت نفسها تحت ضغط دائم لتعزيز النمو الاقتصادي بسرعة للتخفيف من التحديات الاجتماعية والاقتصادية المزمنة، لا سيما المستويات المرتفعة لبطالة الشباب، التي استمرت منذ ثورة 2011.

أدت الهجمات الإرهابية المتتالية ضد قطاع السياحة والإضرابات العمالية في قطاع الفوسفات، التي تشكل مجتمعة ما يقرب من 15% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى تباطؤ النمو من 2015 إلى 2017، وتسعى تونس إلى زيادة الاستثمار الأجنبي والعمل مع صندوق النقد الدولي من خلال اتفاقية تسهيل الصندوق الموسع من أجل إصلاح أوجه القصور المالية، لكن كل ذلك لم يتحقق، لأسباب سياسية تتعلق بتقاسم السلطات بين الأحزاب، ليظل الحال كذلك حتى جائحة كورونا.

من المتوقع - بحسب البنك الدولي - أن يتزايد الفقر والضعف ويعكس الاتجاه الذي لوحظ في الحد من الفقر خلال السنوات القليلة الماضية

في تقريره السنوي لعام 2020 الذي أصدره قبل 3 أشهر من الآن، قال البنك الدولي إن عمق تأثير الوباء على الاقتصاد التونسي أصبح أكثر وضوحًا، فقد شهدت تونس انخفاضًا حادًا في النمو الاقتصادي مقارنة بمعظم أقرانها الإقليميين، إذ دخلت هذه الأزمة مع تباطؤ النمو وارتفاع مستويات الديون.

تقلص نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 8.8% عام 2020، وزادت البطالة من 15% قبل الوباء إلى 17.8% بنهاية الربع الأول من عام 2021، علاوة على ذلك، لا تزال تؤثر على النساء (24.9%) والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا (40.8%) على وجه الخصوص.

من المتوقع - بحسب البنك - أن يتزايد الفقر والضعف ويعكس الاتجاه الذي لوحظ في الحد من الفقر خلال السنوات القليلة الماضية، أظهرت سلسلة من المقابلات الهاتفية، التي أجراها المعهد الوطني للإحصاء (INS) والبنك الدولي، أدلة على أن الوباء أدى إلى تعديل عاداتهم الغذائية، فقد خفضت الأسر الفقيرة كميات الطعام التي استهلكتها أو بدأت في استهلاك كميات أقل من الأطعمة المفضلة، ولمواجهة ارتفاع أسعار المواد الغذائية أو للتعويض عن خسائر الوظائف، قامت الأسر إما بالاعتماد على مدخراتها وإما قبول المساعدة المالية.

هل يملك سعيد الحل؟

حتى إلى ما قبل الانقلاب، كانت الكتل السياسية جميعًا تتشارك - بنسب متفاوتة - المسؤولية عن هذا الوضع المتردي وعدم تغييره، ولم يبرز أي مشروع حقيقي يستعين بخبراء اقتصاديين وسياسيين لتحقيق نقلة حقيقة في تونس، بالطبع، لا أحد يريد تحمل ضريبة هذا التغيير الذي يتوجب على أقل تقدير التوقف عن توظيف التونسيين في السلك الحكومي عدة سنوات، ليتم فسح المجال لاستقطابهم في القطاع الخاص.

وعمومًا، كان الشعب يصب جام غضبه على الطبقة السياسية لأنها من كتبت الدستور وشكلت الحكومة منذ الثورة، والآن، تطوع أحدهم وقرر أن يكون المسؤول الوحيد أمام الشعب، ليتحمل هذا العبء كله!

مشكلة تونس أكبر من أن يحلها انقلاب شبه عسكري، وأكبر من يكون حلها بيد رجل واحد، وحتى لو لم تكن كذلك، فلا يمكن أن يكون ذلك الرجل قيس سعيد!

صحيح أن المسرحية كانت مضحكة في بعض فصولها، سخيفة في أغلبها الأعمّ، لكن النتيجة التي أفضت إليها هي وجود رجل جمع السلطات كلها بيده في بلد يوشك على الانفجار شعبيًا أو يكاد، يتساءل الناس الآن في تونس: ماذا بعد؟ هل لدى الرئيس مشروع واضح أو رؤية حتى لإنقاذ تونس مما هي فيه وما تتجه إليه؟

لا يبدو من شخصية الرجل أنه قادر على استيعاب المشكلة أصلًا فضلًا عن الحل، كما لا يبدو من شخصيته أنه ممن يستمع لرأي أو نصيحة، والخيارات الأخرى هي اتباع خطط البنك الدولي أو المانحين، وهي خطط تتضمن تقليصًا حادًا في عدد موظفي الدولة، ورفع الدعم عن السلع الأساسية والمحروقات، خطوة ستكون نتائجها كارثية على المستوى الشعبي وهي مستبعدة تمامًا.

مشكلة تونس إذن أكبر من أن يحلها انقلاب شبه عسكري وأكبر من يكون حلها بيد رجل واحد، وحتى لو لم تكن كذلك، فلا يمكن أن يكون ذلك الرجل قيس سعيد!