في رحيل المثقف والمؤرخ الفلسطيني الكبير الدكتور شفيق الغبرا، تجوب الحالة الفلسطينية أسئلة ما زالت تتعمق دون إجابات، أهمها: أي نخبة فلسطينية جديدة تمتلك وعيًا في الحالة الفلسطينية مثل النخب الراحلة؟ وكيف يمكننا أن نوثق تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية بتقاطعاتها بين الداخل والشتات مع من عايش محطاتها المفصلية وتعميقها في فكر الجيل الفلسطيني والعربي الجديد حفاظًا على سردية الصراع مع المحتل؟

بداية الحكاية عام 2016 حين دار حديث طويل بيني وبين الغبرا في مدينة الخميسات بالمملكة المغربية، تركز حول توثيق التاريخ الفلسطيني وأهميته في الصراع مع المحتل، وقتها كان يوزع على الحضور نسخًا من كتابه الصادر في مارس/آذار 2017 بعنوان "حياة غير آمنة.. الأحلام والإخفاقات" الذي رصد فيه سيرته الذاتية منذ ارتباطه بعائلته الحيفاوية في الكويت إلى عمله في التنظيم الطلابي لحركة فتح في أوائل السبعينيات، ثم مع "السرية الطلابية" و"كتيبة الجرمق" في تقاطع السيرة الشخصية مع الرواية الفلسطينية الكبرى، إذ لم يؤرخ أحد من السابقين للتجربتين السابقتين مثلما أرخ الراحل الغبرا.

في أثناء الحديث مع الراحل المثقف كان يعد لكتابه الجديد "النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت" الذي صدر عام 2018، وثق فيه جزءًا من حياة النخبة الفلسطينية المهجرة وحضور العائلة والهوية الفلسطينية في الشتات، وتحدثنا عن أهمية التوثيق والتأريخ للحالة الفلسطينية للأجيال القادمة، وقتها تبادلنا الأفكار بخصوص آلية إخراج الكتاب بطريقة قصصية محببة للقراء. 

لم يتوقف الغبرا عن الإنتاج، حتى مثلت سلسلة حلقاته في برنامج "الصندوق الأسود" لصالح تليفزيون القبس الإلكتروني مرحلةً مهمةً في توثيق التاريخ الفلسطيني الذي نشرت أولى حلقاته في يناير/كانون الثاني 2020، وفي أثناء فترة تلقيه العلاج بالولايات المتحدة الأمريكية أخبرني الغبرا أنه تحدث بكل صراحة في حلقات الصندوق الأسود الـ16 الذي ابتدأها بأثر النكبة عليه وعلى أسرته ونظرته تجاه بريطانيا والنكسة الفلسطينية والوجود الفلسطيني في الكويت مع نشأة حركة فتح، متنقلًا إلى توثيق محطات النضال الفلسطيني التي عايشها رفقة ثلة من القيادات الوطنية الفلسطينية والعربية. 

في الفترة الأخيرة لمرضه كان الغبرا يفكر جديًا في طرح مشروع فلسطيني توثيقي بمشاركة شخصيات فلسطينية إعلامية وسياسية شابة لتوثيق التاريخ الفلسطيني، وأعلم أن شدة المرض منعته من إكمال المشروع، إلا أن إصراره لتوثيق الحق الفلسطيني وهو دائم الحديث أن "القضية الفلسطينية هي قضية أخلاقية في الأساس" جعله يصدر برنامجه "أبجديات القضية الفلسطينية" الذي نُشرت أولى حلقاته قبل 10 أيام من وفاته في الـ24 من شهر أغسطس/آب 2021، وبعد أيام من نشر الحلقة الأولى تواصلت مع الغبرا واتصلت به لكنه لم يجب، علمت وقتها أن الدكتور في أيامه الأخيرة وهو الذي أجابني قبل أشهر من ذلك قائلًا: "تحياتي.. شكرًا لسؤالك، أنا في صراع جبابرة مع المرض، لكن الحمد لله على كل حال".

ظلت بعض الكلمات التي سمعتها منه حاضرةً في ذهني خلال حديثي المتواصل معه، أهمها "على النخبة الفلسطينية الحاليّة أن تسمح بنفاذ الشباب نحو مراكز صناعة القرار، حتى تظل حيوية القضية الفلسطينية حاضرة"

لقد كان الدكتور شفيق - رحمه الله - متمسكًا دائمًا بالأمل، ويطالب الأجيال الفلسطينية والعربية الجديدة بالاستمرار في الدفاع عن فلسطين باعتبارها القضية الجامعة لكل العرب، وظلت القضية الفلسطينية حاضرةً في وجدانه في كل مراحل حياته منذ أن شغل منصب الرئيس المؤسس للجامعة الأمريكية في الكويت 2003، وعمله مدير مركز الدراسات الإستراتيجية في جامعة الكويت 2002، وحتى في كل محاضراته في عشرات الجامعات ومراكز البحوث حول العالم، وهو الذي كرس حياته لخدمتها وتسليط الضوء على النظام الاستعماري الذي يتبعه الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين والمنطقة العربية.

حتى تكتمل الببلوغرافيا في حق هذا الرجل ظلت بعض الكلمات التي سمعتها منه حاضرةً في ذهني خلال حديثي المتواصل معه، أهمها "على النخبة الفلسطينية الحاليّة أن تسمح بنفاذ الشباب نحو مراكز صناعة القرار، حتى تظل حيوية القضية الفلسطينية حاضرة".

بينما أشار قائلًا: "علينا أن نزرع الأمل في هذا الجيل الجديد، وعليهم أن يعرفوا تاريخهم جيدًا حتى لا يكرروا أخطاء الماضي"، وذات نقاش تحدث قائلًا: "حين سمح العرب بأن يكون الاحتلال الإسرائيلي كيانًا طبيعيًا له حق في المنطقة العربية بدأت أول هزائمنا" في إشارة لاتفاقية كامب ديفيد بين مصر والاحتلال الإسرائيلي.

وحين سألته ذات يوم: "لماذا يتضاءل الخيال السياسي لدى النخبة الفلسطينية الحاكمة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي؟ أجابني بكل صراحة: الخيال السياسي الذي يأخذ الاحتلال الإسرائيلي لميادين قتال غير مباشرة لا يستطيع مواجهتها لا يتأتى من رفاهية حركة التحرر الفلسطيني، ولا من حصرها في بقاع جغرافية يسهل السيطرة عليها سواء بسلطة لا تمتلك سيادة أم مقاومة محاصرة، بل يتأتى أولًا من عودة المثقف الفلسطيني لواجهة الصراع مع المحتل ثم رفعه في سدة صناعة القرار الفلسطيني".