يعلو مستوى التوتر بين تركيا وفرنسا كلما ارتفعت حدة التصريحات وكثرت الاتهامات المتبادلة ثم تتدخل الدبلوماسية لتبريد الأزمات المشتعلة وإعادة الهدوء للطرفَين، كما حدث على هامش قمة "الناتو" الماضية في بروكسل، حينما التقى الرئيس أردوغان بنظيره ماكرون بعد جهود من القوى الأوروبية الراغبة في إعادة التعاون بين أعضاء "الناتو"، ومع ذلك لا تستقيم القِيَم والمصالح أبدًا بين البلدَين، حيث في كل قضية تدعمها تركيا ستجدُ فرنسا في المقعد المناوئ مباشرة أو العكس.

ضبط علاقات الناتو

الصدام بين تركيا وفرنسا والتوترات بينهما كان يزعج حلف شمال الأطلسي "الناتو" بشدة، وتدخلت المؤسسة لفتح ثغرات في جدار العلاقات المتكلِّسة بشدة بين البلدَين، فالتحدي الأهم الذي يواجه "الناتو" اليوم ليس من روسيا بل من الداخل بسبب تزايد عدد الخلافات بين تركيا وفرنسا والدول الحليفة للأخيرة والتي تمشي على وتيرتها في أوروبا، وبات هناك تخوف حقيقي من عدم إيجاد حلول جذرية لهذه التوترات، وتركها دون معالجة قد يتسبّب في أضرار جسيمة لأقوى تحالف في العالم.

حدثت انفراجة بعد تدبير لقاء بين أردوغان وماكرون خلال قمة "الناتو" ببروكسل في يونيو/ حزيران الماضي، وبدا واضحًا أن هناك حوارًا صريحًا جرى بينهما بعد أشهر طويلة من الصدام.

إثر ذلك أعلنَ وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان أن أنقرة وباريس تعيشان حاليًّا فترة تعافٍ في العلاقات بينهما، كما خرج قصر الإليزية ببيان مشترك يؤكد المعنى نفسه، وكذلك أعلن ماكرون على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي تويتر.

ورغم حالة الهدوء بين البلدَين بالفعل منذ يونيو/ حزيران الماضي، لكن لا يبدو أن صفحة الخلافات قد تطوى في ظل المصالح المتضاربة بين البلدَين في سوريا وشرق البحر المتوسط ​​وشمال إفريقيا والقوقاز والعراق مؤخرًا.

لهذا لم تجد فرنسا حرجًا في الترحيب الحار من وزيرة الجيوش الفرنسية فلورانس بارلي بعرض اليونان شراء 6 مقاتلات "رافال" تضاف إلى طلبية سابقة لشراء 18 مقاتلة فرنسية، رغم التوتر والصدام بين اليونان وتركيا الذي كاد أن يصل إلى حدود مواجهة عسكرية لحسم النزاع حول التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط العام الماضي.

ذاكرة الصدام

اتخذت كل من تركيا وفرنسا مواقف متعارضة، دعمت الأولى أذربيجان ضد أرمينيا، وأنهى الدعم التركي الصراع بانتصار كاسح لأذريبجان في منطقة ناغورنو كاراباخ، ولم يلتفت أردوغان للصراخ الفرنسي لإنقاذ الحليف الأرمني، ولجأ ماكرون في المقابل إلى استعراض علاقاته الوثيقة مع الميليشيات الكردية في سوريا التي تعتبرها تركيا إرهابية.

 

تطوّرَ ملف الصدام وانتقلَ إلى ليبيا، حيث يدعم كل منهما أطرافًا متعارضة كليًّا في بلاد عمر المختار، كما انعكس الصدام أيضًا على تداعيات الأحداث في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط والموقف من الصدام التركي اليوناني، الذي انحازت فيه فرنسا إلى الحليفة الأوروبية.

في المقابل عزّزت أنقرة من وجودها في إفريقيا داخل قلب المستعمرات الفرنسية السابقة مثل النيجر ومالي والجزائر، ووقّعت عددًا من اتفاقيات التعاون الاقتصادي والدفاع العسكري المشترَك مع هذه الدول في تحدٍّ واضح للنفوذ الفرنسي، الأمر الذي أثار دهشة باريس من قدرات تركيا على فتح جبهات جديدة ومستمرة ضدها.

كردستان العراق

طائر التنافس بين تركيا وفرنسا استقرَّ مؤخرًا في العراق، ذهب ماكرون على رأس وفد بلاده إلى واحدة من مناطق نفوذ تركيا وتوغّل في إقليم كردستان، ما أثار تساؤلات كبرى حول ما إذا كانت المنطقة الكردية قد تتحول إلى ساحة جديدة للصراع الشرس بين تركيا وفرنسا.

كان ماكرون الرئيس الأوروبي الوحيد الذي حضرَ القمة الإقليمية التي عُقدت في بغداد الشهر الماضي لتعزيز التعاون والشراكة، بينما اكتفت الكثير من البلدان الغربية وحتى تركيا بحضور وزراء الخارجية، ولم يتوقف ماكرون على القمة بل زار كل من الموصل وأربيل، وهما من أهم المدن العراقية المدوَّنة على خريطة المصالح التركية بالعراق.

تعهّد ماكرون بمواصلة دعم العراق، لكنه أشار إلى استمرار الوجود العسكري الفرنسي لمكافحة الإرهاب في البلاد، "حتى لو انسحبت الولايات المتحدة"، وهي تصريحات أوضحت أن باريس تريد لعب دورًا أكبر في القضايا الإقليمية، ومشاركة ماكرون وتحركاته في العراق تعدّ مؤشرًا واضحًا على نيته التحرك في هذا الاتجاه، وملء الفراغ الأميركي في العراق وإقليم كردستان.

في الزيارة الأخيرة التقى ماكرون برئيس حكومة إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، كما التقى بزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني واطمأنَّ على أوضاع الشركات الفرنسية في الإقليم.

يتأثر الرئيس الفرنسي بإرث أسلافه حتى لو نفى ذلك، إذ كانت فرنسا واحدة من القوتَين العالميتَين اللتين تصمِّمان وتوجّهان مصير جزء كبير من الشرق الأوسط طوال القرن العشرين، وكان العراق تقليديًّا بلدًا مهمًّا لفرنسا، كما كان لها دور قيادي في نقاط التحول الرئيسية خلال أزمة العراق عام 1991، ومؤخرًا في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

وبالتالي الاستراتيجية الفرنسية التي ينتهجها ماكرون في المنطقة ترتكز مستقبلًا على العراق وخاصة كردستان، حيث لعبت فرنسا دورًا واضحًا في ظهور الإقليم ككيان رسمي في العراق، علاوة على ذلك قدّمت في السنوات الأخيرة دعمًا سياسيًّا حاسمًا لأربيل في أعقاب استفتاء الاستقلال في أيلول/ سبتمبر 2017.

ومع ذلك حافظت على علاقة توازن مع بغداد ودعت رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني ورئيس الوزراء العراقي آنذاك حيدر العبادي إلى باريس، على اعتبار أنها تقف على مسافة واحدة من كل الأطراف المتصارعة، وإن كانت في الغرف المغلقة تمارس ضغوطًا شديدة على بغداد لصالح الأكراد.

في الزيارة الأخيرة التقى ماكرون برئيس حكومة إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، كما التقى بزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني واطمأنَّ على أوضاع الشركات الفرنسية في الإقليم -أكثر من 35 شركة-، التي تمثّل استثمارات تزيد عن 3 مليارات دولار في العراق، 30% إلى 35% منها في إقليم كردستان فقط.

الردع التركي

تعلم فرنسا جيدًا وضع تركيا الحالي، وتعرف أنها قوة إقليمية سياسيًّا وعسكريًّا هي الأكبر في الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا وشرق القارة الأوروبية، وتتحقق لها عوامل تميُّز على فرنسا في المنطقة وليس العراق فقط، منها القوة الاقتصادية والعسكرية والموقع الجغرافي الاستراتيجي.

كما تعرف فرنسا أن موقع تركيا بين دول متنوعة حضاريًّا وثقافيًّا ودينيًّا وإرثها العثماني، لن يجعلاها تترك الساحة بسهولة وتخلي هذا الفضاء الجيوسياسي المباشر في شرق البحر الأبيض المتوسط وغير المباشر، مثل غرب المتوسط ومنطقة الساحل الإفريقي وجنوب غرب آسيا.

تحاول فرنسا اللعب على وتر الصدام الحالي بين تركيا والعراق والأكراد، لكن تاريخ الصدامات التركية يؤكّد أنها اصطدمت بإيران و"إسرائيل" وأخيرًا مصر، لكنها تعرف كيف تبقي المواجهات تحت السيطرة، وفي عزّ الصراعات المشتعلة تعرف كيف تعيد صياغة العلاقات وتخرج منها بأُطُر أقوى.

حدث ذلك أيضًا عندما أسقطت أنقرة طائرة عسكرية روسية منذ سنوات في سوريا، وتوقّعت مراكز تفكير عالمية اندلاع حرب جديدة بين البلدَين، ومع ذلك استطاعت تركيا تبريد الأزمة بل حصلت على النظام الصاروخي الروسي إس-400 وسط اعتراضات غير مسبوقة من واشنطن.

تملك تركيا الآن علاقات وثيقة بدول محورية مثل المغرب وتونس والجزائر ومالي والنيجر، وهي أسلحة في يد أردوغان تقلِقُ ماكرون كثيرًا، وتجعله لا يطمئنَّ لترسيخ نفوذه في المتوسط والساحل الإفريقي، طالما تركيا بقيت بارزة في المواجهة ضده.

تجيد تركيا أيضًا التواجد داخل مناطق مصالح ونفوذ القوى الكبرى، كما تعرف كيف تستفيد من المعادين لها، وهو ما يحدث الآن مع فرنسا التي تفرّغت من سنوات طويلة لتأسيس عداء حقيقي لتركيا خلال العقدَين الأخيرَين.

وكانت وما زلت تتزعم الفيتو ضدّ انضمام أنقرة إلى الاتحاد الأوروبي، تلا ذلك الاعتراف الفرنسي بمزاعم الأرمن عن المساوئ التركية بحقهم، وتأييد باريس لأكراد سوريا ومساندتها لليونان في ملفّ التنقيب عن الغاز شرق المتوسط، والآن تلعب على ملف كردستان العراق.

يتوقع بعض المحلّلين أن حسم الصراع والتنافس بين فرنسا وتركيا في المنطقة بأكملها وليس العراق وكردستانه فقط، يتوقف على نجاح كل منهما في خلق استقطابات بارزة في البحر المتوسط والساحل الإفريقي، لكن التوقعات بخسارة فرنسا أكبر بكثير.

تملكُ تركيا الآن علاقات وثيقة بدول محورية مثل المغرب وتونس والجزائر ومالي والنيجر، وهي أسلحة في يد أردوغان تقلِقُ ماكرون كثيرًا، وتجعله لا يطمئنَّ لترسيخ نفوذه في المتوسط والساحل الإفريقي، طالما تركيا بقيت بارزة في المواجهة ضده.