أعلن المستشار الإعلامي للقائد العام للقوات المسلحة السودانية، العميد الطاهر أبو هاجة، عن إحباط محاولة للاستيلاء على السلطة في البلاد، فيما أكّد وزير الإعلام حمزة بلول، المتحدِّث باسم الحكومة، في كلمة متلفزة، إلقاء القبض على كافة المشاركين في تلك المحاولة من العسكريين والمدنيين (تشير مصادر إلى أن عدد الموقوفين حتى كتابة هذه السطور اكثر من 40 ضابطًا معظمهم من سلاح المدرعات).

كشفَ وزير الإعلام أن المحاولة الانقلابية قامَ بها مجموعة من ضبّاط القوات المسلحة هم "من فلول النظام البائد"، متعهّدًا بمواصلة ملاحقة كل من خطّطَ أو شاركَ فيها، متحدثًا عن استسلام آخر معاقل المحاولة الانقلابية في معسكر الشجرة بالخرطوم.

وكما نقلت المصادر الإعلامية عن مسؤولين حكوميين سودانيين، فإن عسكريين دخلوا فجر اليوم الثلاثاء 21 سبتمبر/ أيلول 2021 مقرَّ الإذاعة لبثِّ بيان الانقلاب، لكن المحاولة أُجهضت فورًا، مؤكّدين توفر المعلومات الخاصة بهذا المخطط مساء أمس الاثنين، ما ساعد في إجهاضها بتلك السرعة.

تتزامن تلك المحاولة الفاشلة مع تأجُّج الوضع في المنطقة الشرقية، حيث الاحتجاجات المندلعة منذ الجمعة 17 سبتمبر/ أيلول 2021، والتي عزلت العاصمة عن موانئ البلاد، وأغلقت العديد من الطرق الرئيسية ما أصاب ولايات الشرق بالشلل التام، وسط المطالبة بإقالة الحكومة وتحذيرات من التصعيد حال عدم الاستجابة.

ويعدّ السودان من الدول ذات السجلّ الهائل داخل إفريقيا في الانقلابات، حيث شهدت البلاد منذ استقلالها عام 1956 نحو 10 انقلابات، نجح منها 4 انقلابات خلال أعوام 1958 - 1969 - 1989 - 2019، فيما فشلت 7 محاولات في أعوام 1957 - 1971 - 1975 - 1976 - 1990 - 1992 - 2004.

أجواء انقلابية

رغم فشل المحاولة الانقلابية إلا أن الأجواء العامة في البلاد كانت تنبئ بهذا السيناريو، حتى إن لم يحدث بالشكل التقليدي، وهو ما دفع بالبعض إلى احتمالية أن يحظى أي انقلاب محتمَل بالترحيب من قبل تيار كبير من الشعب السوداني، بعضهم من المشاركين في ثورة ديسمبر/ كانون الأول 2018.

هناك عدة أسباب ربما تقف خلف الترحيب المتوقّع لأي محاولة انقلابية محتملة، أبرزها الوضع الاقتصادي المتردي، وتدنّي الحالة المعيشية للغالبية العظمى من السودانيين، مع ارتفاع مستمر في أسعار السلع الرئيسية، وقفزات جنونية في مستويات أسعار النفط والمحروقات، وزيادة في معدلات التضخُّم والبطالة، وفشل ذريع في حجم ومنسوب ومستوى الخدمات الصحية والتعليمية.

وعلى المستوى الأمني هناك تقصير واضح كان له كلمة السر في نشر الفوضى في بعض المناطق، فضلًا عن حالة التشرذم السياسي التي خيّمت على الأجواء داخل قوى الحرية والتغيير، المكوِّن الثوري المدني بالسلطة الانتقالية، ما دفع بعض القوى للانسحاب من التحالف، ما أسفر عن إضعافه في مواجهة المكوِّن العسكري.

الأجواء الإقليمية والدولية ربما تكون محفِّزًا لتمرير أي انقلاب محتمل، فانشغال الولايات المتحدة بأزماتها الداخلية والخارجية، والضغوط التي يتعرّض لها بايدن وإدارته بسبب الانسحاب من أفغانستان، ربما تبعد واشنطن نسبيًّا عمّا يدور في الداخل السوداني، كذلك عدم قدرة الاتحاد الإفريقي على ردع الانقلابات التي وقعت في مالي وغينيا مؤخرًا، كانت بمثابة رسالة طمأنة لقادة الانقلاب في السودان من أي تدخلات خارجية.

احتجاجات الشرق.. كلمة السر

لا يمكن قراءة تلك المحاولة الفاشلة بمعزل عن تطورات المشهد في ولايات الشرق، والتي تجاوزت كافة الخطوط الحمراء، حيث أُغلق الميناء الرئيسي للسودان بورتسودان، إضافة إلى ميناء سواكن المرتبط بالحركة البشرية والتجارية من وإلى المملكة السعودية وباقي دول الخليج، وكذلك ميناء بشاير الذي يصدّر بترول جنوب السودان إلى أنحاء العالم.

وتتواصل الاحتجاجات لليوم الخامس على التوالي تلبية لدعوة "المجلس الأعلى لنظارات قبيلة البجا" بإغلاق أكثر من 5 نقاط، وهي الشوارع المؤدّية من إقليم شرق السودان إلي باقي أنحاء البلاد، كما شمل الإغلاق 3 نقاط في ولاية البحر الأحمر، منها محطة "العقبة" المؤدية لموانئ البلاد في بورتسودان وسواكن على البحر الأحمر، ومحطة أوسيف على الطريق مع مصر، إضافة إلى منطقتَين في ولاية كسلا و3 مناطق في ولاية القضارف.

المطالب التي رفعها المحتجّون كانت تعزفُ على وتر "إقالة الحكومة" وتعيين أخرى، في ظل التهميش السياسي والاقتصادي الذي يعاني منه سكان هذا الإقليم، مع إعطاء الجنرالات اليد الطولى في تشكيل مبادرات التهدئة والتوسُّط مع القبائل الإقليمية لحلحلة الأزمة وتبريد حالة التوتر الحالية.

أسبوع كامل تعاني فيه تلك المنطقة من شلل تام، رغم أهميتها الاستراتيجية إذ تتحكم بأكثر من 70% من حركة التجارة الخارجية للبلاد، هذا بخلاف تأثيرها في حركة نقل المواد النفطية التي تشكّل المكوِّن الأبرز لموازنة جنوب السودان، الأمر الذي كان يتطلب تدخُّلًا فوريًّا وسريعًا لإنهاء تلك الفوضى، وهو ما لم يحدث.

تجاهُل الوضع في الشرق حتى الوصول إلى هذا المستوى الخطير من التصعيد، مقارنة بالتعامل مع أي خروج عن القانون في أي منطقة أخرى بالبلاد، أثار الكثير من التساؤلات حول الهدف من هذا الموقف السلبي، الذي ربما أغرى تيارات أخرى للانقضاض على السلطة، استغلالًا لتلك التطورات التي ربما تكون قوة دافعة لأي تحركات من هذا القبيل في ظلِّ تصاعد الاحتقان الشعبي ضد الحكومة التي فشلت في تلبية الحد الأدنى من المطالب الجماهيرية.

من يقف وراء تلك المحاولة؟

هناك عدة تفسيرات تكشف النقاب عمّن يقف خلف تلك المحاولة الفاشلة، أولها يتمحور حول فلول النظام السابق، نظام الإنقاذ البشيري الذي سقط في أبريل/ نيسان 2019، وهو ما أشار إليه وزير الإعلام في تصريحاته صباح اليوم، وأيّده فيه حزب الأمة القومي، أكبر أحزاب الائتلاف الحاكم في السودان، الثلاثاء، الذي اعتبرَ ما حدث "استمرارًا لمحاولات بائسة لإجهاض ثورة ديسمبر من قبل ضبّاط جيش يناصرون النظام السابق"، وفق بيان صادر عن قيادة الحزب.

التفسير الثاني يذهب إلى أن ما حدث هو مخطّط متّفق عليه داخل الجيش السوداني، كـ"كارت إرهاب" في مواجهة تصعيد قبائل الشرق، وهو ما ذهبت إليه خبيرة الشؤون الإفريقية بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، أماني الطويل، التي أشارت إلى أن ما شهدته شوارع الخرطوم صباح اليوم "من إعلان عن انقلاب عسكري فاشل يتم التعامل معه بهدف تخفيض مستوى التوتر في شرق السودان، ومحاولة السيطرة عليه من المركز"، إذ إن ما حدث ربما يعطي الجيش الضوء الأخضر لاستخدام أدوات القوة في ردع أي خروج عن النصّ في الولايات الشرقية، في الوقت الذي قد يدفع القبائل هناك للتراجُع خطوة للخلف خشية التصعيد في تلك الظروف الحرجة.

فيما يذهب التفسير الثالث إلى رغبة المكوِّن العسكري داخل السلطة الانتقالية بالبلاد في إحداث تغيير في موقع رئاسة المجلس الانتقالي، بما يمهّد نحو استمراره لفترة قادمة أطول، فوفق الوثيقة الدستورية التي تمَّ توقيعها في أغسطس/ آب 2019 بين تحالف قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري السوداني، ستؤول الرئاسة إلى المكوِّن المدني بعد انتهاء فترة المكوِّن العسكري المقرَّر لها بنهاية نوفمبر/ تشرين الثاني القادم.

ومن ثم إن الحديث عن محاولة انقلاب أو أزمة تهدِّد أمن واستقرار البلاد ربما تكون مسوّغًا نحو القفز على الوثيقة الدستورية وإجراء تعديلات جذرية بها، وهو ما حذّر منه القيادي في قوى الحرية والتغيير، عادل خلف الله، الذي لم يستبعد في حديثه لـ"القدس العربي" وجود علاقة بين حالة الانفلات الأمني التي تشهدها البلاد، لا سيما في المنطقة الشرقية، وموعد انتقال رئاسة مجلس السيادة إلى المدنيين في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، بعد انتهاء أجل فترة المكوِّن العسكري.

أثارت هذه التلميحات حفيظة بعض جنرالات الجيش، حيث نفى ضابط برتبة رفيعة أي نية بتنفيذ انقلاب عسكري، عقب أنباء انتشرت في هذا الصدد في البلاد، وأضاف: "ليس هناك انقلاب، وليس هناك عاقل يفكر بهذا، ولكن المشكلة بعض القوى المدنية تحاول الهروب للأمام بتسويق أن العسكريين يريدون الانقلاب على القوى المدنية، لكسب تعاطف الشارع وتجميعه خلفها".

أما التفسير الرابع والأخير فربما يكون نتاجًا منطقيًّا للتفسيرات الثلاث السابقة، والذي يتعلق بتفشّي حالة التذمر داخل المؤسسة العسكرية من قبل البعض بسبب الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتردية، والتي يدفع ثمنها العسكريون والمدنيون على حد سواء، ما دفعهم للتفكير في الانقلاب على السلطة الحالية التي فشلت في تقديم أي حلول عاجلة لإنقاذ الشعب من الوضع المتدنّي الممتد لسنوات، لكن هذا ما يمكن أن يكون دون تنسيق مع بعض القوى السياسية الأخرى.

ورغم عدم وجود معلومات كافية في هذا الشأن، إلا أن الحديث عن تورُّط أيادٍ خارجية في تلك المحاولة ليس بالمستبعد، لا سيما في ظل صراع النفوذ بين القوى الأجنبية الداعمة للمكوِّن العسكري الساعي إلى الاستئثار بالسلطة عبر تشويه الحكومة المدنية، مستغلًّا حالة الاحتقان الشعبي حيالها، في مواجهة القوى الداعمة للمكوِّن المدني، الذي يعتبره البعض أحد مخرجات الثورة رغم تغريده قي كثير من الأحيان خارج السرب الثوري، سواء من خلال الارتماء في أحضان العسكر أو الرضوخ للإملاءات الخارجية والتورُّط في مستنقع التطبيع مع الكيان المحتل.

وفي المجمل.. إن ما حدث -بكافة التفاصيل والسيناريوهات- يصبُّ في المقام الأول في صالح الجنرالات على حساب التكتُّل المدني الذي يفقد رصيده شعبيًّا يومًا تلو الآخر، ومن ثم إن تلك المحاولة -سواء كانت حقيقية أو مفتعلة- جرس إنذار شديد اللهجة ورسالة تحذيرية قوية للقوى الثورية السودانية، لإعادة النظر في مسارات تحركاتها، والسعي لاستعادة ثقة الشارع مرة أخرى، قبل سحب البساط من تحت الأقدام لصالح عسكرة الدولة مرة أخرى.. فهل يعي السودانيون الدرس؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.