نكبة جديدة تحل بمناطق شمال سوريا هذه الأيام، فقد عاد فيروس كورونا للانتشار بشكل هو الأوسع منذ بداية الجائحة عام 2020، ويأتي الانتشار في ظل ضعف واضح للقطاع الصحي في تلك المناطق وبالتحديد في منطقة إدلب التي تحكمها هيئة تحرير الشام وذراعها المدنية حكومة الإنقاذ، وريف حلب الشمالي الواقع تحت سيطرة فصائل الجيش الوطني ووجود لمراكز الحكومة المؤقتة المدعومة تركيًا.

مقاطع الفيديو الواردة من شمال سوريا تكشف حجم الكارثة، وكذا الصور والأخبار من المشافي تنبئ بمأساة حقيقة في ظل عجز طبي واضح عن التعامل مع الأمر، إلى ذلك فإن التحذيرات بتعاظم الكارثة تصدر تباعًا، إذ أعلنت المنظمات الإنسانية العاملة هناك عن "اقتراب انهيار القطاع الصحي" في المنطقة بسبب تفشي فيروس كورونا ووصول الجائحة إلى ذروتها.

أرقام

وفقًا لآخر الأرقام الصادرة عن المؤسسات الصحية المعنية فإنه تم الإبلاغ عن 7 وفيات جديدة في مناطق الشمال السوري خلال الـ24 ساعة الماضية، وجرى تصنيف 7 حالات من الوفيات السابقة كوفيات مرتبطة بمرض كوفيد19، إضافةً إلى ما يقرب من 1400 إصابة منهم 200 حالة داخل مخيمات النازحين و25 من الكوادر الطبية وكل ذلك خلال 24 ساعة.

مؤشر ارتفاع الوباء

مؤشر تصاعد تفشي الوباء في مناطق الشمال السوري "وحدة تنسيق الدعم"

أما عن الأرقام العمومية منذ بدء انتشار الفيروس في المنطقة، فقد سجلت شبكة الإنذار المبكر والاستجابة للأوبئة التابعة لوحدة التنسيق والدعم 60 ألف إصابة بالفيروس منذ بدء انتشاره، وذلك نتيجة لـ253 ألف تحليل مخبري، ونتيجة لذلك توفي 1010 أشخاص حتى ساعة إعداد هذا التقرير، وتتوزع هذه الأرقام على مناطق إدلب وريف حلب وفقًا للإحصاءات.

وفي الأثناء، ينتشر الفيروس بكثرة في مدن جرابلس وعفرين والباب وأريحا، فيما صنفت شبكة الإنذار المبكر هذه المدن ضمن قائمة الأعلى خطورة، وتأتي مدن مثل إدلب وحارم وجسر الشغور ضمن المدن الخطيرة نتيجة لتفشي الوباء بمتحوريه "ألفا" و"دلتا" بها، كما تحذر مديريات الصحة من سوء الوضع الصحي، إذ تفوق نسبة إشغال المشافي 98% من مصابي كورونا.

وحدة تنسيق الدعم

إحصاءات عن مصابي كورونا في مناطق شمال سوريا

اللقاحات

كغيرها من مناطق العالم شهدت مناطق شمال سوريا موجةً من رفض اللقاح لعدّة أسباب، على رأسها الإشاعات التي انتشرت بشكل خاطئ عن أضرار اللقاح وتم تداولها بين الناس، ونتيجة لقلة برامج التوعية في هذه المناطق وخاصة مناطق مخيمات النازحين التي يقطن بها أكثر من مليون نسمة يبدو أن نسبة رفض اللقاح كانت أكبر، لكن مع دخول هذه الموجة من تفشي المرض صدرت تقارير تفيد أن أرقام متلقي اللقاح بدأت بالارتفاع خوفًا مما رأوه أمامهم نتيجة للفيروس.

تواصلنا في "نون بوست" مع محمد سالم مدير برنامج اللقاح في وحدة التنسيق والدعم، وأفاد في مداخلته أن 100 ألف من سكان هذه المناطق تلقوا اللقاح، بمعدل مئوي لم يتجاوز 2.3% من تعداد السكان البالغ 4 ملايين و300 ألف، وفي إحصائية حصل عليها "نون بوست" من محمد سالم فإن 78 ألفًا و700 شخص فقط تلقوا الجرعة الأولى و21 ألفًا و400 شخص تلقوا الجرعتين.

اللقاحات في سوريا

في الأثناء تتواصل حملة التوعية بفايروس كوفيد-19 التي يقوم بها مسؤولو التعبئة المجتمعية من "فريق لقاح سوريا" وهو مجموعة تابع لوحدة تنسيق الدعم أيضًا، ويهدف هذا النشاط إلى توعية المجتمع بخطورة فيروس كورونا وضرورة تطعيم أصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن، ويتم إعطاء اللقاح عبر عدّة مشافٍ في مناطق متعددة من إدلب وريف حلب وعبر فرق جوالة أيضًا، ويعدّ فريق لقاح سوريا هو الجهة المخولة باستلام اللقاحات وإعطائها للناس وتنسيق أنشطة اللقاح في تلك المناطق، وفقًا لما ذكره سالم.

أما عن نوعيات اللقاح فيتحدث سالم عن وجود لقاحين: سينوفاك الصيني وأسترازينيكا البريطاني، وعن التعاون مع منظمة الدفاع المدني المعروفة باسم "الخوذ البيضاء" يقول سالم: "الدفاع المدني شاركنا بنقل المستفيدين من التجمعات السكنية لنقاط تقديم الخدمة".

بالتوازي مع ذلك، بدأ عدد من الناشطين والفنانين المشهورين بشن حملة للتشجيع على أخذ اللقاح والتوعية بخطورة فيروس كورونا، منهم الممثل عبد الحكيم قطيفان الذي وجّه نصائح للسوريين والمُهجّرين في الشمال، تحدث فيها عن ضرورة الالتزام بالحجر الصحي الطوعي، تفاديًا للإصابة بفيروس كورونا.

دعوات لمواجهة الوباء

بدورها أعلنت المنظمات الإنسانية العاملة في مناطق الشمال السوري "اقتراب انهيار القطاع الصحي" في المنطقة بسبب تفشي فيروس كورونا، وأضافت المنظمات أنهم بذلوا جهودهم لاحتواء الجائحة العام الفائت بالتعاون مع مديريات الصحة المحلية ومنظمة الصحة العالمية، كما أشاروا إلى أنهم "تمكنوا من تجاوز الأزمة الماضية بأقل الخسائر دون انهيار النظام الصحي".

بيان المنظمات حذر من أن الموجة الحاليّة لفيروس كورونا "وصلت إلى حد خطير"، وأضافت المنظمات في بيانها "الأمر الذي يزيد الوضع سوءًا هو إصابة عدد من الكوادر الصحية بالفيروس وتوقفهم عن العمل ما يتسبب في شلل النظام الصحي، وأن أبسط الأمراض سوف تصبح سببًا للوفاة بسبب عدم توافر الكوادر الطبية.

وتخوف بيان المنظمات من الحديث عن حملة عسكرية جديدة للنظام السوري وروسيا على المناطق هذه وفي حال "ثبتت الأنباء عن حملة عسكرية جديدة، ستتسبب في حركة نزوح الأهالي وهو ما يزيد الوضع سوءًا"، وناشد البيان السلطات المحلية بفرض جميع التدابير الوقائية في المنطقة وتحمل مسؤوليتها تجاه المجتمع وعدم تركه لمصيره المحتوم، مشيرًا إلى أن الدول التي فرضت التدابير الوقائية بحزم "نجحت في منع انهيار القطاع الصحي وإبقاء الجائحة تحت السيطرة".

بيان المنظمات السورية

إلى ذلك، أصدر فريق استجابة سوريا بيانًا قال فيه: "العاملون في القطاع الصحي مرهقون والمنطقة في طور الانهيار، يجب علينا جميعًا تحمل المسؤولية وتوحيد جهودنا، يجب أن يكون لنا وعي بحجم الكارثة، خاصةً مع عدد الإصابات المهول مقارنة بالوضع القائم وأعداد السكان في المنطقة"، مضيفًا: "المأساة التي نراها على أبواب المستشفيات والنقاط الطبية ومراكز العزل تتطلب إجراءات جذرية حتى نتمكن من تخفيف التبعات الكارثية لتفشي وباء كورونا".

وأشار فريق الاستجابة إلى أن "كل المؤشرات التي بين أيدينا بشأن تفشي وباء كورونا، تشير بوضوحٍ إلى أننا دخلنا مرحلة الخطر الشديد أو بالحد الأدنى، نحن على أبواب هذه المرحلة"، داعيًا جميع الفعاليات المدنية في المنطقة "لاتخاذ الدور المطلوب من خلال حث المواطنين على الالتزام بتعليمات السلطات الصحية للحد من انتشار الفيروس من خلال التوعية لارتداء الكمامات والالتزام بالتباعد الاجتماعي ومنع التجمعات بكل أشكالها".

حكومة الإنقاذ

من جهتها أصدرت "حكومة الإنقاذ" التي تنشط على أرض محافظة إدلب قرارًا بالإغلاق الجزئي للحد من حركة بعض المرافق في المدينة لمواجهة تفشي الفيروس، ويقضي القرار بإغلاق المدارس والمعاهد ورياض الأطفال العامة والخاصة، وإغلاق جميع الأسواق الشعبية، بسبب ارتفاع معدل الإصابات بفيروس كورونا.

وفي بيان صادر عن الحكومة يشمل القرار إغلاق البازارات وأسواق الدراجات النارية وأسواق الطيور والمواشي والمسابح والملاعب وصالات الأفراح ومدن الألعاب والملاهي، كما حدد القرار عمل المطاعم واقتصره على تقديم الوجبات الخارجية فقط، مع إجبار جميع العاملين بتلقي لقاح كورونا، وألزم البيان المسافرين عبر المعابر بأخذ اللقاح المضاد لكورونا.

وعلى الرغم من الإمكانات القليلة تعمل المنظمات بما لديها من إمكانات لمواجهة الوباء، إذ أطلقت متطوعات الدفاع المدني السوري مبادرة للرعاية المنزلية للمصابين بفيروس كورونا في منطقة أعزاز والمخيمات المحيطة بريف حلب الشمالي، وذلك لتقديم الرعاية الصحية لهم داخل منازلهم في ظل إشغال كل المشافي وعدم القدرة على استيعاب المزيد من الإصابات بعد الارتفاع الحاد بأعداد المصابين بفيروس كورونا في شمال غرب سوريا.

التفشي المتسارع للوباء في مناطق الشمال السوري يؤثر على أكثر من صعيد، لكن خطورته تتزايد في هذه المنطقة التي باتت على مشارف تصعيد عسكري جديد، فقد دمر نظام الأسد وروسيا، جزءًا كبيرًا من القدرات الصحية والطبية من مشافٍ ومراكز وعيادات، وفي ظل غياب التوعية المجتمعية ورفض اللقاح يبقى كورونا يخطف حياة الناس في تلك البقعة المنكوبة من كل الجوانب.