تشهد الساحة السودانية حالة من السيولة السياسية وخلط الأوراق منذ الانقلاب الذي قام به قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، الذي أطاح به بمكتسبات ثورة ديسمبر/كانون الأول، وضرب بالوثيقة الدستورية المقرة في أغسطس/آب 2019 عرض الحائط.

خلال الساعات القليلة الماضية دخلت "إسرائيل" على خط الأزمة، فقد أشارت هيئة البث الإسرائيلية إلى طلب أمريكي تقدمت به ممثلة واشنطن لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد، من تل أبيب التدخل في أزمة السودان من أجل العودة للمرحلة الانتقالية بقيادة مدنية.

وبحسب الهيئة فإن الممثلة الأممية الأمريكية دعت الدولة العبرية لأداء هذا الدور، خلال لقاء جمعها أول أمس الثلاثاء مع وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس، وهو الطلب الأمريكي الثاني في هذا الشأن بعد الرسالة السابقة التي نقلها وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، لمسؤولين إسرائيليين خلال محادثات جمعتهما مؤخرًا.

الطلب الأمريكي المكرر للحكومة العبرية للتوسط لدى جنرالات السودان لإعادة المسار الديمقراطي وفق وثيقة 2019، أعاد مجددًا ملف التطبيع بين البلدين وحجم ومدى النفوذ الإسرائيلي في الخرطوم التي كانت حتى وقت قريب عاصمة اللاءات الثلاث (لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع العدو الصهيوني).. ليبقى السؤال: ما علاقة تل أبيب بانقلاب البرهان؟ وهل يمكن لدولة الاحتلال نزع فتيل الأزمة في السودان حقًا؟

تنسيق ما قبل الانقلاب

سياسيًا، ما كان للبرهان (شأنه شأن كل الانقلابيين في العالم) أن يقدم على انقلابه دون تنتسيق محلي إقليمي دولي، لما قد يترتب على هذه الخطوة من مخاطر ربما تكلفه حياته قبل منصبه، ومن ثم فإن الحديث عن أصابع ما منحت الضوء الأخضر للجنرال للقيام بما قام به حديث موضوعي يتفق وأبجديات المنطق والعقل بعيدًا عن إشكالية المؤامرة وخيوطها المتشابكة.

الساعات التي سبقت إجراءات 25 أكتوبر/تشرين الأول شهدت لقاءات مكثفة جمعت بين الجنرالات وبعض القوى، في مقدمتهم الولايات المتحدة و"إسرائيل"، وهو ما دفع البعض للتلميح إلى تورط صهيوأمريكي في هذا الانقلاب، بصرف النظر عن ردود الفعل اللاحقة والشعارات المرفوعة بعد ذلك بشأن مدنية الدولة ومسارها الديمقراطي.

رغم الحديث عن بصمات إسرائيلية واضحة في الانقلاب السوداني، فإن ذلك لا يتعارض مع احتمالية أداء تل أبيب دور الوساطة بين العسكر والمدنيين

في نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أي بعد 5 أيام فقط من الانقلاب، ذكر موقع "Axios" الأمريكي أن وفدًا من الموساد الإسرائيلي زار الخرطوم، وبحث مع مسؤولين عسكريين سودانيين تطورات الوضع وسبل الوصول إلى التهدئة وتجنب التصعيد.

ورغم أن الموقع نقل عن المسؤولين الإسرائيليين أن الزيارة السريعة لم تكن إلا مهمة لتحديد الحقائق فقط، وأن المباحثات كانت مع مسؤولين أدنى من قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، ففي المقابل هناك من يشير إلى ضوء أخضر إسرائيلي لتمرير ما حدث.

فيلتمان والبرهان

هل دعمت تل أبيب انقلاب البرهان؟

الحضور الإسرائيلي في السودان زادت وتيرته خلال العام الماضي، في أعقاب سيطرة الجنرالات على الحكم بعدما سحبوا البساط من تحت المدنيين، وهو ما كشفته صحيفة "إسرائيل اليوم" نقلًا عن مراسل موقع "Axios" في "إسرائيل" باراك رافيد، حين كشف أن تل أبيب تلعب دورًا محوريًا في هذا البلد الإفريقي خلال الأشهر الماضية، وأن هناك نشاطًا ملحوظًا للموساد بل تعاون علني لمساعدة البرهان، على حد قوله.

رافيد أشار في تصريحاته إلى أن "إسرائيل" تدعم الجناح العسكري في مجلس السيادة، كما أنها لعبت دورًا كبيرًا في زيادة التوتر بين البرهان وحمدوك، وهو ما أدى في النهاية إلى عرقلة أداء الحكومة وتصدير صورة مشوهة لها لدى الشارع، ما مهد الطريق نحو زيادة ثقل ونفوذ العسكر، وهي الخطوة الأولى التي مهدت للانقلاب بحاضنته السياسية الراهنة، مضيفًا "الحوادث الجارية تثير علامات استفهام كبيرة عن دور "إسرائيل" في السياسة الداخلية للسودان وعما فعلته أخيرًا هناك ودورها في الانقلاب".

الصحيفة العبرية أومأت بشكل أو بآخر إلى وجود بصمات إسرائيلية واضحة في الانقلاب السوداني، ووجود توجه كبير لدى حكومة نفتالي بينيت لدعم البرهان، كونه أحد الأضلاع الأساسية في اتفاق التطبيع بين الدولتين، فيما نقلت عن مصدر إسرائيلي رفيع انتقاده لموقف موفد أمريكا للقرن الإفريقي جيفري فيلتمان، بسبب اعتراضه على خطوة الجنرال ووصفها بالانقلاب، مطالبًا الإدارة الأمريكية بالوقوف إلى جانب قائد الجيش وليس رئيس الحكومة ودعم المؤسسة العسكرية في مستقبلها السياسي في البلاد.

وساطة برغماتية

رغم الحديث عن بصمات إسرائيلية واضحة في الانقلاب السوداني، فإن ذلك لا يتعارض مع احتمالية أداء تل أبيب دور الوساطة بين العسكر والمدنيين، لا سيما أن حكومة الاحتلال تتحرك في هذا المسار وفق إستراتيجية برغماتية ميكافيللية بحتة، فالفرس المرشح فوزه سيكون عليه الرهان، أيًا كانت هويته.

بداية تجدر الإشارة إلى أن دولة الاحتلال دومًا ما تفضل أنظمة الحكم العسكرية في التعامل معها على المستوى السياسي، مستغلة مساعي تلك الأنظمة لترسيخ أركان حكمها بصرف النظر عن أي اعتبارات أخرى، على عكس الأنظمة المدنية التي تضع إرادة الشارع (الرافض في معظمه للتطبيع مع الاحتلال) نصب عينها، وهو ما يفسر هرولتها بجانب بعض أنظمة المنطقة، لوأد ثورات الربيع العربي وإجهاض إرادة الشعوب، والمجيء بأنظمة لديها نهم السلطة وعشق الكراسي.

الحالة السودانية ربما تكون استثنائية في التعاطي معها إسرائيليًا، فكلا المكونين، العسكري والمدني، كان داعمًا بقوة لاتفاق التطبيع، حتى إن خرجت بعض الأصوات القليلة من داخل تحالف قوى الحرية والتغيير منددة باللقاءات التي جمعت البرهان ومسؤولين إسرائيليين خارج البلاد، وهي الأصوات التي سرعان ما خفتت حين سُمح للمدنيين بالجلوس على مائدة المفاوضات وكانوا شركاء أساسيين في مباحثات إبرام الاتفاق.

استبعاد المدنيين من السلطة واستئثار العسكر بها، ربما يضع الجنرالات في مأزق شعبي خطير، حيث يتصدرون المشهد كونهم الفريق الوحيد المؤيد للتطبيع

السؤال هنا: هل يؤثر الانقلاب على مسار التطبيع؟ وقبل الإجابة لا بد من الإشارة إلى أن حمدوك أراد التوقيع على الاتفاق قبل وقوع الانقلاب، بحسب هيئة البث الإسرائيلية، غير أن تطورات الأحداث عرقلت هذه الخطوة، أو بالأحرى أجلتها بعض الوقت.

لكن هذا لا ينكر أن البرهان وحميدتي ورفاقهما يؤيدون التطبيع شكلًا ومضمونًا، الأمر كذلك مع قطاع كبير من المكون المدني المشارك في الحكومة المطاح بها، ومن ثم ففي كلتا الحالتين، الأمر لن يتغير بالنسبة لمستقبل الاتفاق مع الدولة العبرية، غير أن هناك مسألة أخرى ربما كانت الدافع وراء احتمالية قيام دولة الاحتلال بدور الوساطة.

استبعاد المدنيين من السلطة واستئثار العسكر بها، ربما يضع الجنرالات في مأزق شعبي خطير، حيث يتصدرون المشهد كونهم الفريق الوحيد المؤيد للتطبيع، وهذا ما يمكن استغلاله لتشويه الصورة وتصاعد وتيرة الانتقادات التي ربما تتطور إلى مشهد احتجاجي كبير، الأمر الذي ربما يدفع الدولة العبرية للتوسط من أجل منح المدنيين شراكة الحكم مع العسكريين، بحيث تعود الأمور شيئًا ما إلى ما كانت عليه، حتى إن مالت الكفة ناحية العسكر بصورة أو بأخرى.

وعليه ومن منهج برغماتي بحت، قد تجد تل أبيب نفسها مدفوعة لأداء هذا الدور الذي لا يتناغم مطلقًا مع مخططاتها التوسعية في المنطقة وأجندتها الاستعمارية على حساب الأراضي العربية، مستغلة نفوذها الاقتصادي والسياسي لدى البرهان وحميدتي، بدعم من بعض العواصم الخليجية الداعمة لعسكر السودان، والمنضوية مؤخرًا لركب التطبيع، وسواء كان الجنرال هو رجل المرحلة القادمة أم حمدوك فالنتيجة بالنسبة لهم واحد.

ومن ثم ففي حال نجاح تل أبيب في تلك المهمة وفتح الباب أمام التشاركية في الحكم والإيهام بإعادة العمل بالوثيقة الدستورية وتعزيز مسار الانتقال الديمقراطي، تكون "إسرائيل" قد ضربت أكثر من عصفور بحجر واحد، وهو ما يعزز حضورها سودانيًا، ويمرر اتفاق التطبيع بصورة أسهل مما كان يتوقع.. فهل تنجح في ذلك؟ وهل ينطلي هذا المخطط على الشعب السوداني؟