في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021، نفّذت القوات المشتركة (قوات يمنية مدعومة من التحالف العربي) إعادة تموضع وانسحبت من الحديدة، وقالت في بيان إن قرارها ذلك اتُّخذ في ضوء خطة إعادة الانتشار المحدَّدة في اتفاق ستوكهولم، الذي تتمسك الحكومة الشرعية بتنفيذه، رغم انتهاكات ميليشيا الحوثي للاتفاق من اليوم التالي لتوقيعه، وما زالت الميليشيا مستمرة في نسف الاتفاق حتى اليوم.

والاثنين 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021، قال التحالف العربي إن إعادة انتشار وتمركز القوات المشتركة بالساحل الغربي، قرار عسكري لقيادة القوات المشتركة للتحالف لمواءمة الاستراتيجية العسكرية في اليمن، معتبرًا أن ذلك تمَّ بانضباط ومرونة بحسب ما هو مخطَّط له، وبما يتماشى مع الخطط المستقبلية لقوات التحالف.

وبعد 18 يومًا من ذلك، لم نجد التحركات التي بدأتها القوات المشتركة والتحالف العربي في محيط الحديدة، وتراجعت بعض الشيء تلك الانتصارات السريعة التي حقّقتها القوات في 3 محافظات يمنية مشتركة (الحديدة، إب، تعز)، وسط انهيار كبير من قبل الحوثيين، ما يشير إلى شيئين اثنين، الأول أن الحوثي ضعيف وتوحُّد اليمنيين كفيل بالقضاء عليه، والثاني أن هناك اتفاقيات تجري من خلف الكواليس لا يعلم بها المتحاربون، في مؤشر خطير يحوِّل الصراع في اليمن من صراع وطني إلى صراع يخصّ المصالح الإقليمية.

لعبة إماراتية

تصاعد خلال الفترة الأخيرة الغزل الإيراني والإماراتي في ضوء التقارب بينهما، بعد أن أعلنت الإمارات العربية المتحدة انسحابها العسكري من اليمن عام 2019، وهي الدولة التي كانت تمثّل الطرف الثاني والأقوى بعد المملكة العربية السعودية في التحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن، ما يعني أن حكّام أبوظبي يسعون لإبقاء السعودية منشغلة في الحرب اليمنية، وربما قد ينقلوها إلى حرب داخلية، بالتزامن مع محاولة إماراتية لأن تصنع نفسها كقوة سياسية وعسكرية مؤثرة في المنطقة.

ذلك الهدف الإماراتي لن تصل إليه ما لم يكن هناك تقارب مع إيران وتركيا، والدول التي ساهمت في إشعال صراع سعودي معها، وسط مؤشرات تشير إلى رضوخ كُلّي إماراتي لإيران التي أصبحت تسرح وتمرح في الأراضي الإماراتية، وخصوصًا الجزر الإماراتية المحتلة في الخليج العربي، وهي طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى.

حينما أعلنت القوات المشتركة إعادة تموضعها وفقًا لاتفاق ستوكهولم، جاء بالتوقيت نفسه الاتصال الذي أُجري بين وزير خارجية إيران، حسين أمير عبد اللهيان، مع نظيره الإماراتي، الشيخ عبد الله بن زايد، وبعد أيام قليلة من زيارة الأخير إلى سوريا، ما يعني أن هناك علاقة بانسحاب القوات المشتركة من محافظة الحديدة وتسليمها للحوثيين المدعومين من إيران، وربما المحادثات الدولية مع إيران فيما يخصّ ملفها النووي.

ما يشير إلى ذلك هو التحركات العسكرية للقوات المشتركة في المحافظات الثلاث الحديدة (خارج نطاق ستوكهولم) وإب وتعز، وسط فرحة عارمة شعبية جرّاء رؤية ذلك أنه أمل في نهاية الحرب الطويلة، والتخلُّص من كابوس اسمه الحوثي الذي احتلَّ وأحلَّ له كل شيء في اليمن، ليتفاجأ اليمنيون بأن تلك التحركات قد خفَّت وتباطأ تقدُّمها، رغم انهيار الخطوط الدفاعية للحوثي في كل جبهة من تلك الجبهات.

تؤكد المعلومات الواردة إلى فريق "نون بوست" أن ضغوط إماراتية مورست على القوات المشتركة، بوقف تحركاتها في استكمال تحرير محافظتَي تعز وإب (وسط)، مهدِّدة إياها بقصف الطيران، بالتزامن مع اتصالات إيرانية للحوثيين تبلغهم بأهمية استكمال السيطرة على محافظة مأرب (شمال شرق)، والاطمئنان على محافظتَي إب وتعز، مؤكدين لهم أن القوات المشتركة لن تتقدم أكثر من ذلك.

في حال فشل الاتفاق النووي الذي يبدو أن محادثته ستكون طويلة، فإن تحركات عسكرية سنشهدها بهدف تقليم أظافر إيران، سواء بدعم حركات مسلحة داخل لبنان أو في العراق، أو دعم القوات المشتركة في اليمن.

هذه المعلومات تؤكد أن الإمارات العربية المتحدة تلعب وفقًا لسيناريوهَين اثنين، الأول مرتبط بالمحادثات الدولية مع إيران ونجاحها، والثاني وفقًا لخطة أعدّتها لما بعد المحادثات في حال فشلها، بعيدًا عن الرغبة السعودية في إعادة الشرعية في اليمن.

لا يبدو أن الاتصالات الإيرانية للحوثيين وطمأنتهم من التحركات العسكرية في المحافظات اليمنية ذات الكثافة السكانية، جاء من فراغ، وإنما بناءً على اتفاق إيراني إماراتي، وربما قد يكون بمشاركة المجتمع الدولي، كجزء من الإغراء الدولي لطهران بأهمية العودة إلى المفاوضات النووية مقابل تمكينها من الوطن العربي، وتحديدًا اليمن، في تهديد واضح للمملكة العربية السعودية بمساهمة إماراتية، ما يشير إلى التقدم السريع في إعداد صيغة توافقية بين إيران والغرب وصلت إلى 80% وفقًا لما نقلته "رويترز" عن مسؤول في تلك المفاوضات.

ففي حال نجحت المفاوضات النووية وانتزعت إيران نصرًا من الغرب في هذا الاتفاق، قد تكون المفاوضات الدولية مع إيران حول كيفية أدائها بمنطقة الشرق الأوسط، وربما تصل إلى اتفاق تقاسم النفوذ في المنطقة، وتجزئة الشرق الأوسط وفقًا للخطط التي تريدها بريطانيا وأمريكا، وبذلك تكون الإمارات أمنَت مَكر إيران مؤقتًا، ولكنها حتمًا ستكون أولى ثاني الدول المَكْوِية من هذه الأفعال بعد السعودية.

وفي حال فشل الاتفاق النووي الذي يبدو أن محادثته ستكون طويلة، فإن تحركات عسكرية سنشهدها بهدف تقليم أظافر إيران، سواء بدعم حركات مسلحة داخل لبنان ضد حزب الله، أو في العراق، أو دعم القوات المشتركة في اليمن لإنهاء تمرد الحوثيين، ومحاولة استمالة النظام السوري إلى الجبهة العربية بعد أن مال إلى إيران، ولو أنه يصعب استمالته بعد ما ناله من أمراء الخليج.

الموقف السعودي

في المقابل، نجدُ أن الموقف السعودي تجاه القضية اليمنية أصدق من الجانب الإماراتي، لكن يبدو أن القرار السعودي السياسي والعسكري مخترَق من قبل أعضاء في حزب الله - إيران، أو من الإمارات، ويتمثل ذلك بالتخبُّط المتواصل سواء من خلال أداء قنواته الإعلامية التي تحرص على اختيار وجوه مكرَّرة لأداء نفس الكلام والمعلومات التي ملَّ منها الشارع اليمني، أو من خلال الحرص على عدم تنفيذ اتفاق الرياض وإبقاء الجبهة اليمنية ممزَّقة أمام الحوثي.

المملكة العربية السعودية قارئة جيدة لما يجري حولها، لكنها تكابر، وتحاول أن تحتوي ذلك من خلال مجريات الأحداث، والإعلان بين الفينة والأخرى أنها تعمل من أجل إحلال السلام، ووفقًا للضغوطات الدولية عليها، ومن باب النَّفَس الطويل، تنفّذ الرياض تلك المطالب التي لن تستمر طويلًا على ما يبدو.

بدأت السعودية خلال الفترة الأخيرة محاولة لكبح تلك التحركات، وأعلنت من طرفها تصعيدًا عسكريًّا هو الأول من نوعه منذ سنوات، أي منذ اتفاق ستوكهولم في 13 ديسمبر/ كانون الأول 2018، وهذا قد يكون ناتجًا عن التحركات الإماراتية الأخيرة، أو ربما بالاتفاق معها، إضافة إلى رفض الحوثيين واستمرارهم بتنفيذ الأجندة الإيرانية بتدويل القضية اليمنية وربطها بالملف النووي الإيراني.

رغم التقلبات في المواقف الدولية والأحداث العسكرية، يبدو أن الأسباب مجتمعة وتؤسِّس لمرحلة جديدة من الحرب.

بدأت السعودية بعمليات نوعية في الفترة الأخيرة، وهناك أيضًا تناغم في المواقف الدولية تجاه الحوثيين بحالة من الجدّية على ما يبدو بعد سنوات من اللامبالاة أكثر منه التراخي تجاه ما يقوم به الحوثيون، سواء في تهديدهم للملاحة الدولية، أو إصرارهم على استمرار الحرب، وعدم التوقف.

ملف المفاوضات النووية الإيرانية ورفض إيران تفتيش منشآت نووية تابعة لها، ثم الموقف الأمريكي حيال ذلك، والذي هدّدَ باتخاذ إجراءات أكثر فاعلية وشدّدَ على أن طريق المفاوضات لن يكون إلى ما لا نهاية، وربما أمريكا هي الأخرى ربطت الملف اليمني بالملف النووي، وتأجيل مسألة الحوثيين إلى ما بعد الاتفاق مع إيران، وحينها ستتضح الملامح ما إن كانت اليمن هدية أمريكا لإيران.

ورغم التقلبات في المواقف الدولية والأحداث العسكرية، يبدو أن الأسباب مجتمعة وتؤسِّس لمرحلة جديدة من الحرب، مضاف إليها استدعاء القوات المشتركة إلى مسرح حربي جديد خارج ستوكهولم (إذا استبعدنا الغزل المتبادل بين طهران وأبوظبي)، ووصول شحنات أسلحة إلى مأرب.

يرافق ذلك تحركات أشبه ما يُقال إنها إعادة ترتيب أوراق الشطرنج، حينما دفعت السعودية برئيس هيئة الأركان اليمني إلى لقاء عدد من الملحقين العسكريين لدول الغرب، وخصوصًا دول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، ما يعني أنها تهيِّئ شخصية ترى أن لا سلام مع الحوثي وأن قتالهم واجتثاثهم هو الحل، مع البدء في إعادة تنظيم العمليات العسكرية في مأرب.

طريق مسدود

يبدو أن العملية السياسية وصلت إلى طريق مسدود، لكن المملكة العربية السعودية لا تريد الحديث عن أن السلام وصل إلى طريق مسدود، فوزير خارجيتها فيصل بن فرحان قال لـ"فرانس 24" إن الحوثيين يرفضون كل مبادرات السلام، لكنها تمضي قدمًا نحو إنهاء الحرب في اليمن، دون الحديث عن كيف ذلك.

 

 

لكن التصعيد الجوي للتحالف العربي، وتهديده بأن القيادات الحوثية أصبحت أهدافًا مشروعة له، يشير إلى أنه أصبح يزيد من الضغط على الحوثيين عسكريًّا، وبدا ذلك واضحًا من خلال إعادة قصف مطار صنعاء الدولي الذي ضغط المجتمع الدولي عليه لإعادة فتحه، إضافة إلى معسكرات دار الرئاسة في صنعاء ومناطق أخرى متفرقة كان قد توقف التحالف العربي عن قصفها لما يقارب العام.

الخلاصة

لا يزال قرار الحسم العسكري في اليمن متأخر كثيرًا، لأن قرار الحرب والسلم ليس بيد اليمنيين، فاليمن وقعت في حكم العصابات منذ عام 2011 التي جرّت البلد إلى الفقر والمجاعة والمزيد من التمزق والقتل والإرهاب.

ولا يمكن أن تتحرر اليمن طالما أن كل طرف يتحكم به أطراف دولية، ويحرك القوات وفقًا لأهوائه ومصالحه الذاتية، بينما اليمن ليست في حساباته.

سينتصر اليمن وينتصر اليمنيون، إذا تخلوا عن تلك الأعباء الدولية، ورموا كل الخلافات الداخلية خلف ظهورهم، وأغلقوا كل هواتفهم، وخاضوا معركة عسكرية مصيرية مع الحوثيين بعيدًا عن الإعلام، وإملاءات الدول التي تريد فرض مصالحها أولًا على حساب الشعب اليمني.

فلن يجدي الحوار مع الحوثي، ولن يجدي السلام معه، ومن يدعو لوقف الحرب والتشاور مع الحوثيين، يدعو لاستسلام كامل لليمن وتسليمها لطهران على طبق من ذهب، فقد نقضَ الحوثي من قبل ذلك نتائج الحوار الوطني الشامل، ورمى بكل الاتفاقيات عرض الحائط، وقتل حليفه علي عبد الله صالح بعد معاهدات.. فلا أمان له ولا سلام معه.