يعد رغيف الخبر في سوريا رفيق المائدة لكل الوجبات، ولا تستغني عائلة ميسورة أو فقيرة عنه، ولأجل ذلك عمدت الحكومات دائمًا إلى تأمين دعمه في الأفران الحكومية والخاصة، ولطالما كانت ربطة الخبز جيدة الجودة، رخيصة السعر، وفيرة الوزن.. لكنها اليوم ليست كذلك.

باتَ السوريون اليوم يُحارَبون في قوت يومهم، حتى بعض منهم أصبح يصعب عليه تأمين ثمن ربطة خبز في عموم الجغرافيا السورية على اختلاف الجهات المسيطِرة، في ظلّ انخفاض الأجور وفقدان الليرة السورية لقيمتها مقابل الدولار الأمريكي، وأيضًا الليرة التركية التي يتم تداولها شمال غرب البلاد.

جملةٌ من الأزمات تداعت آثارها على السوريين، الذين باتوا يكافحون لتأمين ربطة خبز، منهم من يقف لساعات في طوابير للحصول على واحدة، ومنهم من لا يجد ثمنها في حال توفرها في الأسواق، فهل أصبحت أزمة الخبز مفتعلة من قبل سلطات الأمر الواقع؟ أم أن عوامل أخرى سبّبت الأزمة؟

مناطق نظام الأسد: لا حلول في الأفق لأزمة الخبز

يشير تفاقم أزمة الخبز إلى فشل حكومة النظام في إيجاد الحلول للأزمة، لا سيما بعد إعلانها عن سعيها استيراد مليون طنّ من القمح للقضاء على الأزمة التي تعيشها البلاد، بينما هي فعليًّا غير قادرة على إيجاد حل لأزمة الخبز، حيث يضطر الأهالي الانتظار لساعات طويلة في سبيل الحصول على ربطة خبز واحدة، وفقًا لمخصصات وضعتها الحكومة لأفراد العائلة عبر البطاقة الذكية.

وسمّت وزارة الزراعة في حكومة نظام الأسد العام الحالي بـ"عام القمح"، في محاولة منها لتحقيق إنتاجية أفضل من محصول القمح لسدّ العجز الحاصل في أزمة الخبز، وفي أيار/ مايو الماضي قال وزير زراعة النظام، محمد حسان قطنا، إن الإنتاج المتوقَّع من القمح البعل لهذا العام يصل إلى 1200 مليون طن، بينما وصل الإنتاج الفعلي إلى 300 ألف طن وسط عجز في حلّ أزمة الخبز.

صورة
طوابير الخبز في دمشق الواقعة تحت سيطرة النظام السوري.

وفي وقت سابق أعلنت روسيا عن نيّتها تصدير القمح الروسي إلى سوريا على مدار العام لحلّ أزمة الخبز السورية، إلا أنها فعليًّا لم تستكمل شحن الكميات المطلوبة من القمح لسدّ عجز حكومة نظام الأسد عن توفير الطحين للمخابز السورية.

فعليًّا، حكومة النظام لا تستطيع تأمين الكمية المطلوبة من القمح لتوفير مادة الخبز، حيث تصل حاجة البلاد من القمح إلى مليون ونصف المليون طنّ من القمح سنويًّا، وفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) ومقرّها روما، والنظام فعليًّا غير قادر على شراء 1.2 مليون طن، ما يعني أن العجز محقَّق ولا يمكن أن تساعده الأوضاع العسكرية على تحقيق الاكتفاء من مادة الخبز للسوريين في مناطق سيطرته.

يقول الصحفي منار عبد الرزاق، خلال حديثه لـ"نون بوست": "يعتمد الأهالي على الخبز المدعوم بسبب انخفاض ثمنه لأنهم يعانون من وضع معيشي مزري مع انخفاض الأجور، حيث يصل سعر ربطة الخبز المدعوم إلى 500 ليرة سورية بينما تباع نظيرتها في السوق السوداء بـ1500 ليرة، في حين أن مخصصات الفرد من الخبز إذا حصل عليها رغيفان في اليوم".

ومن أبزر مصادر القمح التي يحصل عليها النظام هو محصول الأراضي الزراعية في مناطق سيطرته، والتي تشكّل نسبة قليلة جدًّا بسبب تركُّز القمح السوري في مناطق الجزيرة السورية الواقعة تحت سيطرة الإدارة الذاتية، ويحصل من قمحها على كميات قليلة عبر شبكات التهريب والتجّار، بالإضافة إلى الاستيراد من روسيا، إلا أنه واجه بعض العراقيل في الفترة الأخيرة بحسب ما أوضحَ عبد الزراق.

وبحسب تصريحات مسؤولين من حكومة النظام، تحتاج مناطق سيطرته إلى 180200 طن من القمح شهريًّا بتكلفة 400 مليون دولار أمريكي، ولا تستطيع حكومة نظام الأسد تغطية هذه المبالغ الضخمة في ظل تردّي الوضع الاقتصادي للحكومة.

الإدارة الذاتية: جودة خبز ضعيفة وتخفيض للمخصصات

بات مشهد وقوف طوابير من المواطنين أمام أبواب الأفران ومراكز التوزيع مألوفًا في منطقة شمال شرق سوريا، التي تحتوي على 80% من المخزون الاستراتيجي لمادة القمح، كما تعدّ أكبر منتج للنفط والغاز الطبيعي، وعلى الرغم من ذلك فإنها لم تسلم من أزمة الخبز.

أقرّت هيئة الاقتصاد والزراعة في الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، 1 ديسمبر/ كانون الأول، رفع سعر ربطة الخبز إلى 300 ليرة سورية، بوزن 1.250 غرامًا، وعدد الأرغفة 9، وسيبدأ تنفيذ القرار في الـ 8 من الشهر ذاته، في حين تحدّثت مصادر محلية عن وجود تلاعُب في أسعار الخبز حيث يشتري السكان ربطة الخبز بمبلغ يفوق الـ 1000 ليرة في بعض الأحيان، علمًا أن سعر الربطة بحسب الإدارة الذاتية كان 150 ليرة وارتفع إلى 300 للخبز المدعوم.

صورة
طوابير الخبز في شمال وشرق سوريا اللذين يشكّلان 80% من القمح السوري.

وتحصل الأفران الآلية في مختلف مناطق الإدارة الذاتية على الطحين المدعوم بنسبة 30%، وتتقاسم الإدارة الذاتية ونظام الأسد دعم تلك الأفران، في حين تبقى الإدارة الفعلية لملف الخبز في يد الإدارة الذاتية التي تضع القوانين والأسعار التي يتمُّ البيع من خلالها.

تحدثت مصادر محلية لـ"نون بوست" عن وجود مطاحن من قمح المنطقة ويتم توزيعها على الأفران، بينما يوجد طحين تركي متوفر أيضًا يتم شراؤه من قبل الأفران الخاصة، أو ما يُعرَف بالأفران السياحية.

ويشتكي الأهالي في مناطق الجزيرة السورية من سوء جودة الخبز المدعوم، ما يدفع الأهالي إلى شراء الخبز السياحي الذي يصل سعر الربطة الواحدة منه إلى 1200 ليرة سورية.

وأكّدت المصادر "أن أزمة الخبز في مناطق الإدارة الذاتية جاءت عقب قلّة المطاحن وكميات القمح، إلى جانب الأعطال المستمرة للأفران الآلية".

صورة
تظاهرة في دير الزور عقب إضراب الأفران عن العمل.

في السياق نفسه، عمدت الجهات المسؤولة في هيئة الاقتصاد والزراعة التابعة للإدارة الذاتية إلى تخفيض حصة عدة مدن في ريف دير الزور من الطحين المدعوم للأفران، ما دفع أصحابها إلى الإضراب حتى إلغاء القرار، لأن الكمية المخصصة من الطحين لا تسدُّ احتياجات المنطقة من الخبز لأسباب متعددة، أبرزها الكثافة السكانية واعتماد الأهالي بشكل رئيسي على الخبز.

وعلى خلفية توقف الأفران، خرجت مظاهرات احتجاجية في مدن البصيرة وأبريهة والصبحة، وعدد من القرى والبلدات في ريف دير الزور الشرقي، طالبَ فيها المحتجّون بإلغاء قرار تخفيض مخصصات الطحين وتحسين الواقع الخدمي والمعيشي للسكان.

وخلال الموسم الزراعي الفائت، اشترت الإدارة الذاتية نحو نصف مليون طن قمح من المزارعين، كما باعت الإدارة جزءًا من إنتاجها، ويقدَّر بنحو 300 ألف من كميات القمح، إلى شخصيات ومجموعات تجارية على صلة بنظام الأسد كالقاطرجي.

إدلب: انخفاض الليرة التركية.. وموارد ضعيفة

على نحو مماثل، شهدت مدينة إدلب التي تشرف على إدارتها حكومة الإنقاذ السورية التابعة لهيئة تحرير الشام، أزمة خبز جرّاء انخفاض قيمة الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي وخسارتها نحو 30% من قيمتها، بينما ارتفعت نسبة اعتماد الأهالي على مادة الخبز في ظلّ اتساع رقعة الفقر وانعدام مصادر الدخل، لذلك أصبحت جزءًا رئيسيًّا على الموائد السورية.

صورة
طابور للأهالي أمام أحد الأفران في مدينة الدانا بريف إدلب.

في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، اشتكى الأهالي من ارتفاع أسعار ربطة الخبز في محافظة إدلب شمال غربي البلاد، حيث وصل سعر ربطة الخبز التي تزن 400 غرام إلى 2.5 ليرة تركية، بينما تحتاج الأسرة المتوسطة نحو 4 ربطات بشكل يومي، في حين يصل سعر ربطة الخبز من الأفران الخاصة نحو 5 ليرات تركية.

وبعد استياء الأهالي من ارتفاع أسعار المواد الغذائية وأبرزها الخبز، خرج زعيم هيئة تحرير الشام الجولاني في اجتماع مجلس الشورى خلال 23 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أعلن خلاله عن توفير 3 ملايين دولار أمريكي لدعم مادة الخبز للأفران الحكومية، شريطة أن تزن الربطة 600 غرام بقيمة 2.5 ليرة تركية.

وقال الجولاني: "سيتم الآن دعم الخبز كإجراء طارئ تستفيد منه المخابز الحكومية"، وأضاف: "ليس لدينا أمن غذائي يلبّي احتياجات إدلب في الوقت الحالي"، وأكّد أن مناطق سيطرته خصبة وتعمل حكومة الإنقاذ منذ سنوات على العديد من الخطط للتغلُّب على الأزمات المعيشية.

وبالفعل استطاع قادة الهيئة استثمار مختلف المناطق الصالحة للزراعة، من خلال مشاركة أصحابها أو العمل معهم في سبيل دعم الواردات الاقتصادية للهيئة، مع حصولهم على تسهيلات حكومية برعاية حكومة الإنقاذ، بحسب ما أكّدت مصادر محلية لـ"نون بوست".

ومن أبزر مصادر الطحين في إدلب هو حصول الأفران الحكومية على دعم ضعيف من قبل بعض المنظمات غير الحكومية الموجودة في المنطقة، إلى جانب المطاحن المحلية، مع توفر الطحين التركي في الأسواق، بينما تبقى العديد من الأفران التي تخدم مئات الآلاف من الناس دون دعم، ما شكّل ارتفاعًا حادًّا في سعر ربطة الخبز.

ريف حلب: خبز مدعوم ومخصصات لعدد الأفراد

شهدت مناطق ريف حلب الشمالي، التي تديرها الولايات التركية الجنوبية بالتنسيق مع المجالس المحلية في كل منطقة، أزمة خبز بالتزامن مع الأزمات التي تضرب المناطق السورية، لكنها بنسبة أقل نوعًا ما، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن تأمين الخبز مسألةٌ سهلة.

تعتمد بعض المدن والبلدات في ريف حلب الشمالي والشرقي على نظام المعتمدين، حيث يوكل شخص في شراء الخبز بالتعاون مع المجلس المحلي، ويحصل على نسبة، ويتم بيعه للأهالي وفقًا لأسعار محدَّدة من قبل المجالس المحلية، ويصل سعر الربطة من الخبز المدعوم الذي يصل عبر المعتمدين إلى 1 ليرة تركية لكل 7 أرغفة، دون التقيُّد بالوزن المتعارَف عليه حيث يُعتمَد البيع بالدرجة الأولى على العدد.

صورة
طابور الخبز أمام أحد الأفران في أخترين بريف حلب.

وشهدت مدينة أخترين في ريف حلب الشمالي طوابير من الأهالي أمام الأفران عقب تخفيض أوقات البيع إلى 4 ساعات يوميًّا، ما سبّب ازدحامًا كبيرًا أمام الأفران، إلا أن المجلس المحلي استدركَ الأمر وقامَ بحل المشكلة، بحسب ما أفاد الناشط يونس النايف خلال حديثه لـ"نون بوست".

وقال النايف: "الخبز المدعوم من قبل الأفاد التركية متوفر في الأسواق، ويوجد مخصصات معيّنة لكل أسرة في ريف حلب يحصل عليها من الفرن أو من المعتمدين الذين يبيعون الخبز للأحياء".

وأضاف: "يوجد بعض الأفران التي لا تحصل على دعم من قبل الأفاد التركية، تكون فيها الأسعار مرتفعة ويضطر الأهالي إلى شرائها، حيث يصل سعر ربطة الخبز الواحدة في مدن الباب وعفرين وأعزاز إلى 3 أو 4 ليرات تركية، في حين يصل سعر ربطة الخبز المدعوم إلى 1 ليرة تركية".

ويقتصر دعم الحكومة السورية المؤقتة على بعض الأفران والمطاحن العامة، إلا أنها فعليًّا لا تغطّي كامل المنطقة ويضطرُّ آلاف السكان لشراء الخبز من الأسواق بأسعار مرتفعة جدًّا، ما يُعتبر مرهقًا للأهالي بسبب حاجتهم الضرورية لمادة الخبز.

عوامل مشترَكة في أزمة الخبز

ساهمت العديد من العوامل سواء الاقتصادية أو الجوية في احتدام أزمة الخبز في مختلف المناطق السورية، والتي عكست آثارها على السوريين، ومن أبرزها بحسب ما أوضح المحلل الاقتصادي يونس الكريم خلال حديثه لـ"نون بوست":

- انخفاض إنتاج القمح في مختلف المناطق السورية بسبب ندرة الهطولات المطرية التي أوقعت آثارها على الفلاحين.

- فشل الجهات المسيطرة، سواء نظام الأسد أو الإدارة الذاتية أو الإنقاذ، في دعم المزارعين لإنتاج كميات جيدة من القمح لصنع الخبز، باعتباره قوت السوريين ووقوعه في أيدي التجّار والمحتكرين.

- عدم قدرة المؤسسات الحكومية على توفير مادة الطحين، سواء المستورَد أو المحلي، بسبب دفعها أرقام قليلة جدًّا، ما يدفع الأهالي إلى بيعه إلى تجّار يعملون على تهريب القمح خارج البلاد.

- غياب البنى التحتية والتكلفة الباهظة اللازمة لتحسين واستصلاح الأراضي الزراعية.

- المناطق الزراعية في سوريا تحتاج لميزانية خاصة، وسوريا بشكل عام تحتاج لإزالة مخلّفات الحرب، وإعادة المزارعين المهجّرين لأراضيهم، وحل مشكلة انخفاض منسوب المياه وانتشار التصحُّر.

- أزمة المحروقات وتكلفة الحصول عليها مع ارتفاع أسعارها في مناطق النظام في الدرجة الأولى، وفي إدلب والجزيرة السورية وفي ريف حلب.

- انخفاض كمية الطحين المقدَّم من المنظمات غير الحكومية، حيث كان يغطي جزءًا كبيرًا من احتياج الأهالي.

خبز

في النهاية، تشكّل مادة الخبز أبرز ما تسعى إلى تأمينه الأسر السورية، ويبدو أن سلطات الأمر الواقع في مختلف المناطق السورية باتت تستثمر في قوت السوريين مع عدم قدرتها توفير مادة الخبز بجودة متميزة وأسعار رخيصة، إلا أنها غالبًا ما تبحث عن موارد تعينها في الكسب من قوت الناس لا البحث عن حلول لتوفير المادة بشكل دائم، إلى جانب جملة من العوامل الاقتصادية والطبيعية التي ساهمت في تردّي المحصول الإنتاجي في عموم الجغرافيا السورية.