على بعد خطوات من جامع ابن طولون الشهير، وبضعة أمتار قليلة من مسجد محمد علي ذي الطراز الهندسي الرفيع، وبجوار قلعة صلاح الدين الأيوبي، منارة الحربية المصرية في مواجهة الصليبيين، يقع متحف الفن الإسلامي، تلك اللوحة الفنية الرائعة التي تتوسط قلب العاصمة المصرية القاهرة.

يعد هذا المتحف الذي يضم أكثر من عشرة آلاف قطعة أثرية، وتعود فكرة إنشائه إلى عهد الخديوي إسماعيل عام 1869، أكبر متحف إسلامي في العالم، ويتضمن عشرات الأقسام التي توثق تاريخ العرب على مر العصور الإسلامية المختلفة، بحسب الموقع الإلكتروني الرسمي لوزارة السياحة والآثار المصرية.

يمثل هذا المعلم الأثري ملتقى العصور الإسلامية التي مرت بها الدولة المصرية (الأموي والعباسي والأيوبي والمملوكي والعثماني)، ورغم الاهتمام الذي بدأت الحكومة المصرية توليه للمتحف، فإن الإهمال ما زال يمثل معول الهدم الأبرز الذي يهدد هذا الكيان العالمي، وسط مناشدات دولية بوضعه تحت مجهر الاهتمام والرعاية.

150 عامًا من الإنارة

في عهد الخديوي إسماعيل (1830-1895) بدأ التفكير في إنشاء متحف يضم القطع الأثرية التي توثق الحضارة الإسلامية في مصر، وذلك باقتراح قدمه المهندس سالزمان، وعلى الفور كلف الخديوي مدير القسم الفني في وزارة الأوقاف، فرانتز باشا، باتخاذ الترتيبات اللازمة لتدشين هذا المتحف، وكانت البداية بجمع التحف الفنية من العمائر الإسلامية في مبنى حكومي.

وفي عهد الخديوي توفيق (1852-1892) وتحديدًا عام 1880، نُفذ المشروع وكان عبارة عن مبنى صغير في الإيوان الشرقي لجامع الحاكم بأمر الله الفاطمي في شارع المعز بوسط القاهرة، وأطلق عليه حينها اسم "المتحف العربي"، لكن مع مرور الوقت تبين أن هذا المبنى لا يتسع لهذا الكم الهائل من القطع الأثرية المجمعة، فكان لا بد من البحث عن مكان أكثر اتساعًا، فكان المبنى الحاليّ في ميدان باب الخلق الذي وضع حجر أساسه عام 1899 وانتهى بناؤه عام 1902.

يحتوي على ما يزيد على 10 آلاف قطعة أثرية متنوعة من الفنون الإسلامية من الصين وإيران والهند، مرورًا بفنون الجزيرة العربية والشام وشمال إفريقيا والأندلس

وفي 28 ديسمبر/كانون الأول عام 1903 افتتح الخديوي عباس حلمي الثاني المتحف بعد تطويره وتغيير اسمه إلى "دار الآثار العربية"، وظل المتحف على مسماه الجديد حتى نهاية عام 1951، حين قام العالم الأثري الكبير الدكتور زكي محمد حسن بتغييره إلى "متحف الفن الإسلامي" وهو الاسم الذي رآه أكثر ملاءمة لمقتنيات المتحف التي تجاوزت جغرافيا العروبة إلى الجغرافية الإسلامية الأكثر اتساعًا أفقيًا ورأسيًا.

ت

المتحف بحسب خبراء الآثار والتاريخ الأكبر عالميًا في قائمة المتاحف الإسلامية، إذ يحتوي على ما يزيد على 10 آلاف قطعة أثرية متنوعة من الفنون الإسلامية من الصين وإيران والهند، مرورًا بفنون الجزيرة العربية والشام وشمال إفريقيا والأندلس، هذا بخلاف تحوله فيما بعد إلى قبلة لدراسي الفن الإسلامي من مختلف دول العالم.

وكان المتحف منذ إطلاق مسماه الجديد عام 1951 يتألف من 23 قاعةً كبرى، مقسمة زمنيًا حسب العصور والمراحل التاريخية، فلكل عصر قاعات مخصصة تضم المقتنيات الأثرية التي توثقه وتعكس روحه وملامحه، كل هذا وسط أدوات شرح متطورة تيسر عملية التعلم للزوار والدارسين على حد سواء.

وخلال عامي 1983 و1984 أجريت على المتحف بعض العمليات الترميمية التوسعية فزادت أعداد قاعاته من 23 إلى 25 قاعةً، كما تغير نظام العرض المتحفي وفق أحدث التطورات التكنولوجية المعمول بها في أكبر متاحف العالم، ليعاد افتتاحه مجددًا خلال مرتين متتاليتين، عام 2003 و2010.

وفي 14 يناير/كانون الثاني 2014 تعرض المتحف لدمار كبير جراء التفجير الذي استهدف مديرية أمن القاهرة التي تقع بالجهة المقابلة له، فأحدث به تلفيات كثيرة، تطلبت الترميم وإعادة التأهيل مرة أخرى، وبالفعل كان البدء في علاج آثار التفجير عام 2015، من خلال منح ومساعدات قدمتها بعض الجهات الدولية ليعاد افتتاحه مرة أخرى في 2017.

لوحة فنية

الباحث في الآثار الإسلامية محمود النمر، يرى أن هذا المتحف فريد من نوعه لاحتوائه على هذا الكم الهائل من المقتنيات التي نادرًا ما تتوافر في مكان واحد، هذا بجانب أنه يعد وثيقة تاريخية مجسمة للعصور الإسلامية التي عايشتها الدولة المصرية، ومن ثم فهو ترمومتر حقيقي لتلك الحضارة الخالدة التي أثرت الإنسانية برمتها بإسهاماتها التي لا ينكرها منصف.

في الدور العلوي الذي يضم المخازن وقسم الترميم هناك مكتبة ضخمة تحتوي على العديد من المخطوطات والوثائق مكتوبة باللغة التركية والفارسية بجانب مجموعات مكتوبة باللغة الإنجليزية والألمانية والإيطالية

ويشير النمر في حديثه لـ"نون بوست" إلى أن المتحف يتكون من طابقين: الطابق الأول مخصص لقاعات العرض أما الثاني فهو عبارة عن مخازن وقسم لترميم الآثار، وتضم كل قاعة آلاف القطع الأثرية التي تنتمي إلى دول عدة وليس شرطًا أن تكون حكرًا على القطر المصري كما يظن البعض.

ت

وتضم قاعات العرض مجموعات نادرة من الزجاج والخزف العثماني والسجاد الإيراني والتركي بجانب مجموعة من أدوات الفلك والهندسة التي كانت تستخدم في العصور الوسطى، إضافة إلى المنسوجات والأختام وأدوات الفلك والهندسة التي كانت تستخدم في العصور الوسطى، فضلًا عن مجموعة متميزة من آلات الجراحة والحجامة التي كانت تستخدم في عهد العصور الإسلامية، ما يعكس حجم الازدهار التي كانت تشهده في مجالات الطب والهندسة والكيمياء.

الزائر للمتحف يجد أن هناك تقسيمًا مميزًا، زمنيًا وفنيًا، أقسام على أساس عصري كالأموي والعباسي والعثماني وخلافه، وأخرى على أساس فني كالمعادن والنسيج والأخشاب والسجاد والزخرف والزجاج والحلي والأحجار والرخام والسلاح.

أما على المستوى الجغرافي، فيضم المتحف قسمين جديدين: الأول في الجزء الشمالي ويوثق الفن الإسلامي في مصر، أما القسم الثاني فيتناول تاريخ الفن الإسلامي بإسبانيا والأناضول والأندلس، هذا بخلاف القاعات التي تم تخصيصها مؤخرًا لبيع الهدايا وأخرى لكبار الزوار، مخصصة وفق الطراز الإسلامي المميز.

وفي الدور العلوي الذي يضم المخازن وقسم الترميم هناك مكتبة ضخمة تحتوي على العديد من المخطوطات والوثائق مكتوبة باللغة التركية والفارسية بجانب مجموعات مكتوبة باللغة الإنجليزية والألمانية والإيطالية وعدد من كتب التاريخ والآثار الإسلامية بما يعادل 13 ألف كتاب.

أبرز المقتنيات

من أشهر المقتينات التي يحتويها المتحف "محراب السيدة رقيّة" وهو الذي أمرت بإنشائه زوجة الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله، في القرن الثاني عشر ميلاديًا (القرن السادس الهجري) لكن يُرجح أنه صنع في عهد الخليفة الفائز ووزيره الصالح طلائع بين عامي 549-555 هجرية/1154-1160 ميلادية، وهو من أشهر المحارب الخشبية المتنقلة في التاريخ الإسلامي.

وتتميز واجهة المحراب بنقش كتابي بالخط الكوفي المورق، فيما تزين واجهاته الأربعة زخارف نباتية متنوعة وفروع نباتية دقيقة وورقيات ثلاثية وخماسية وعناقيد العنب، هذا بخلاف الأشكال الهندسية نجمية الأضلاع، التي تعود للعصر الفاطمي، وتعرض معظمها للتلف في أعقاب انفجار 2014.

ت

المتحف يحتوي كذلك على أقدم مصحف من العصر الأموي، وهو المصحف المكتوب بالخط الكوفي على معدة الغزال، ويعود إلى بداية القرن الثاني الهجري، وتشتمل صفحاته على علامات التشكيل والإعجام، إلى جانب مصاحف أخرى مزخرفة وملونة.

رغم الجهود التي تبذلها الحكومة لتطوير هذا المعلم الأثري، فإنها لا تتناسب مطلقًا مع قيمته وقامته كأحد أهم التحف الأثرية في العالم

وتعود أهمية هذا المصحف، بجانب تاريخه العريق، إلى كونه أحد القطع النادرة التي توثق بالدليل أساليب التدوين والكتابة في العصر الأموري، من حيث الشكل أو المضمون، سواء رق الغزال (معدته) الذي كتب عليه والحبر المستخدم في ذلك أم الخط العربي بمراحل تطوره المختلفة، من النبطي القديم إلى الكوفي المربع والبسيط ثم الرقعة والنسخ.

ومن أشهر القطع الأثرية التي يحتضنها المتحف، مفتاح الكعبة المشرفة المطلي بالذهب والفضة باسم السلطان الأشرف زين الدين شعبان (كان ضمن التجهيزات التي ترسلها مصر للأراضي الحجازية في موسم الحج سنويًا) بجانب مجموعة من العملات المعدنية، من بينها أقدم دينار مُعرَّب يعود إلى عام 77 للهجرة، فضلًا عن أختام وأوزان من العصر الأموي والعباسي ونياشين وأنواط وقلائد من العصر العثماني.

وقد تحول المتحف في السنوات الأخيرة إلى جامعة لدراسة الفنون الإسلامية وقبلة للدراسين في مجالات العلوم والفنون بصفة عامة، وشهدت قاعاته عشرات الفعاليات والورش الفنية والتراثية التي خرجت المئات من الباحثين والمتخصصين في الفن الإسلامي، وإن تراجعت مؤخرًا بسبب تفشي وباء كورونا المستجد (كوفيد 19).

ورغم الجهود التي تبذلها الحكومة لتطوير هذا المعلم الأثري، فإنها لا تتناسب مطلقًا مع قيمته وقامته كأحد أهم التحف الأثرية في العالم، إن لم يكن أكثرها قيمة على الإطلاق في مجال الفن الإسلامي، الأمر الذي دفع الكثير من المتخصصين في الآثار والتاريخ الإسلامي لدق ناقوس الخطر لإنقاذ هذا المتحف قبل أن يلحق بغيره من المتاحف التي اندثرت بسبب الإهمال والتجاهل الرسمي.