لا صوت يعلو فوق صوت "قيم المجتمع العليا ومثله الرفيعة" التي أهانها القائمون على فيلم "أصحاب ولا أعز" المعروض حاليًّا على شاشة "نتفليكس" بمشاهدهم الجريئة وألفاظهم الخادشة للحياء وتمريرهم لبعض السلوكيات المرفوضة اجتماعيًا وأخلاقيًا ودينيًا".. هذا ملخص الساعات الـ48 الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر المحروسة.

وبعيدًا عن مضمون الجدل الذي أحدثه العمل الذي لا يمكن مشاهدته إلا بعد دفع اشتراك المنصة المشفرة، فإن توقيته والزخم المبالغ فيه واستئثارة بكل ردود الفعل تلك وسحبه البساط من تحت العديد من القضايا والأحداث المهمة كان مثار تساؤل وشك لدى شريحة كبيرة من رواد السوشيال ميديا.

"الحفلة" على الفيلم، كما يسميها البعض، تأتي قبل ساعات قليلة من الذكرى 11 لثورة يناير المجيدة، هذا الحدث الذي من المتوقع أن ينفرد بصدارة المشهد من حيث الاهتمام والزخم، في ضوء مؤشرات عدة تذهب إلى خصوصية ذكرى هذا العام عما سبقها في ضوء عدد من المؤشرات الخاصة بزيادة حالة الاحتقان الشعبي ضد سياسات نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي التي قصمت ظهر الشعب المصري وزجت بشريحة كبيرة منه إما إلى السجون وإما إلى أتون الفقر.

السنوات السبعة الماضية أثبتت بشكل واضح براعة النظام المصري في استخدام وتوظيف سلاح "الإلهاء" كأحد الأسلحة العشر الصامتة لخوض الحروب الهادئة التي تنسب للفيلسوف الأمريكي المعاصر نعوم تشومسكي.

الإلهاء.. إستراتيجية ممنهجة

ربما تعود إستراتيجيات الإلهاء إلى عصور قديمة، لكنها في التاريخ الحديث بدأت بشكل ممنهج مع الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر صاحب المقولة الشهيرة "إذا أردت السيطرة على الناس أخبرهم أنهم معرضون للخطر وأنهم تحت التهديد"، لتصبح مع مرور الوقت ركيزةً أساسيةً في منهجية حكم الأنظمة الديكتاتورية.

وقد برع النظام المصري في توظيف هذا الأسلوب الذي يطلق عليه المصريون تعبير "بص للعصفورة" منذ الجمهورية العسكرية في يوليو/تموز 1952، حين جمع الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر بيديه خيوط اللعبة الإعلامية والدينية والثقافية، وبات يتعامل مع الشعب من منطلق أبوي نصائحي بعيدًا عن فكرة التشاركية وواجبات الحكم ومتطلبات الإدارة، تلاه في ذلك خلفه أنور السادات ومن بعده حسني مبارك، وصولًا إلى عبد الفتاح السيسي الذي تفوق على الجميع في استخدام تلك الإستراتيجية.

وبالعودة إلى الفيلم المثير للجدل، يلاحظ أنه لم يكن عملًا مصريًا في الأساس، حتى يتسبب في كل تلك الضجة، فالإنتاج وطاقم العمل بالكامل (المؤلف والسيناريست والمخرج والممثلون وأماكن التصوير) كلها لبنانية في المقام الأول، وليس هناك أي ملمح مصري إلا الفنانة منى زكي و"الملوخية" كما يقول البرلماني مصطفى بكري.

كما أن مضمون الفيلم الذي يعتبره المصريون مسيئًا جرى تناوله بشكل أكثر فجاجة مما كان عليه في العمل في أفلام سابقة (وليس معنى ذلك تبرير ما جاء في الفيلم اللبناني)، تلك الأعمال التي صدرت صورة كارثية عن المجتمع المصري، من أبرزها "سوق المتعة" و"لحم رخيص" و"عمارة يعقوبيان" وغيرها من الأعمال التي تطرقت بشكل واضح لا لبس فيه لقضايا الدعارة والمثلية دون أن يتحرك أحد.

ومن ثم فإن الضجة التي صاحبت الفيلم بعد ساعات قليلة من عرضه على "نتفليكس" لم تكن بالشكل الطبيعي الذي يمكن تبريره وتمريره، حجم تفاعل غير مسبوق، كل أطياف المجتمع دخلت على خط الأزمة، إعلاميون وفنانون وأدباء وغيرهم، معركة حامية الوطيس فرضت نفسها بين ليلة وضحاها.. وهنا التساؤل: هل ما يحدث طبيعيًا ومنطقيًا؟

ذكرى يناير.. الخصم الأبرز

ذكريات يناير الماضية دومًا ما كانت تشهد حضورًا طاغيًا لمثل تلك الإستراتيجيات التي تهدف إلى إلهاء الرأي العام وتوجيه المجتمع إلى مسائل أخرى بعيدًا عن الأحداث الجسام التي يمر بها الشارع المصري، وإن كان ذلك ديدن السنوات الماضية فإن الوضع هذا العام ربما يكون أكثر تحفيزًا لتعزيز أدوات الإلهاء بشكل أكبر.

إذ تأتي ذكرى يناير هذا العام ولها خصوصية مميزة لها عما سبقها من السنوات الماضية، كونها الذكرى الأولى بعدما فقد السيسي حاضنته السياسية الإقليمية والدولية، بخروج دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو مع غلق صنبور المال الخليجي نسبيًا، هذا بجانب روشتة الإصلاح الاقتصادي القاسية التي أثقلت كاهل المصريين وزجت بهم في مستنقعات الفقر والحرمان.

كل هذا زاد من معدلات الاحتقان الشعبي وهو ما انعكس على شعبية السيسي التي تراجعت إلى 6% كما أشار رئيس المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام "تكامل مصر" مصطفى خضري، لافتًا في تقرير صادر عن المركز تراجع الكتل الشعبية التي كان يستند عليها السيسي منذ 2013، وعلى رأسها الأقباط، إذ كشف انخفاض نسب التأييد داخل الكتلة المسيحية بنسبة 68% وهو مؤشر له دلالته، كونها الكتلة الصلبة الوحيدة الموجهة والقابلة للحشد لدعم السيسي منذ أحداث 30 يونيو/حزيران 2013.

كل تلك المؤشرات أعطت يناير هذا العام زخمًا كبيرًا، تمثل في التفاعل الكبير بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، ليتصدر وسم #ارحل_ياسيسي قائمة التريند المصري طيلة الأيام الماضية، رغم جهود اللجان الإلكترونية التابعة للجيش والإعلام الداعم للنظام لتدشين هاشتاغات مناهضة داعمة للسيسي، لكنها لم تصمد كثيرًا أمام الجموع الغفيرة المتفاعلة مع هاشتاغ الرحيل.

معركة التريند

في نظرة سريعة على قائمة الهاشتاغات المتصدرة التريند في مصر يلاحظ أن من بين أول عشرة هاشتاغات هناك ثلاثة تتعلق بالفيلم "#مني_زكي، #أصحاب_ولا_أعز، #أحمد_حلمي، هذا بجانب اثنين خاصين بالرياضة #غزل_المحلة و#الزمالك، وبينهما هاشتاغات الثورة #أرحل_ياسيسي و #يناير بجانب هاشتاغ #عيد_الشرطة.

حرب الهاشتاغات ومزاحمة الهاشتاغ الرئيسي لثورة يناير كان الهدف الأبرز من وراء هذا الزخم الذي فرض نفسه على مسائل وقضايا ما كان لها أن تحتل هذه المكانة في الأوقات العادية، لتبرهن على صدق شكوك الكثيرين بأن هذه "الحفلة" لها أصحاب وممولين لتحقيق أهداف ما بعيدًا عن مضمونها.

وبرع النظام الحاليّ في التعامل باحترافية في معارك التريندات التي خاضها طيلة السنوات الماضية، ونجحت في معظمها في تحقيق الهدف منها، إلهاء الرأي العام عن القضايا الأبرز، فبينما كان يئن المصريون من ارتفاع الأسعار وزيادة التضخم والبطالة وتراجع المستوى المعيشي وتهديد مستقبلهم المائي بسبب سد النهضة والمخاطر المحتملة من التورط في الملف الليبي والسوري والرضوخ لأجندة المال الخليجي وتفاقم الوضع الحقوقي وتراجع الحريات، كان النظام بإعلامه ولجانه يدير معارك افتراضية على منصات التواصل الاجتماعي، معارك سما المصري ومرتضى منصور، الأهلي وتركي آل الشيخ، سيدة القطار، سيدة المحكمة وبائع الفريسكا، إضافة إلى التصريحات الفقاعية التي تزيد انقسام الشارع بشأنها، وهو المطلوب إثباته.

ومن المتوقع أن تنتهي حرب فيلم نتفليكس والضجة التي أحدثها صبيحة اليوم التالي لذكرى الثورة بعدما يكون حقق الهدف منه وشتت الانتباه وحول الدفة إلى مسارات متفرقة، ليأتي وغيره ضمن أدوات الهيمنة والسيطرة للحكام الفاشيين على خريطة الرأي العام للشعوب.