يحاول سعيد منذ فترة السيطرة على القضاء

يحاول سعيد منذ فترة السيطرة على القضاء

من التهديد والوعيد إلى التطبيق والتنفيذ دون أن يسمع لأحد، هذا حال الرئيس التونسي قيس سعيد منذ وصوله قصر قرطاج، فقد جاء الدور هذه المرة على المجلس الأعلى للقضاء الذي يعتبر إحدى المؤسسات التي تفتخر بها تونس بعد الثورة، لكن لسعيد رأي آخر، فقد رأى وجوب حله بعد أشهر من التنكيل به وتشويهه أسوة بما حصل مع البرلمان، فأي دلالات لقرار حل مجلس القضاء في تونس؟ وأي سيناريوهات في هذا الخصوص؟

حل المجلس

تفاجأ موظفو المجلس الأعلى للقضاء صباح اليوم، بغلق الشرطة أبواب المجلس أمامهم تنفيذًا لقرارات الرئيس قيس سعيد في هذا الصدد، إذ أغلقت الشرطة اليوم الإثنين مقر المجلس بالعاصمة التونسية بأقفال حديدية ومنعت دخول الموظفين إليه، وذلك بعد إعلان قيس سعيد اعتزامه حل المجلس.

وكان قيس سعيد قد قال في ساعة مبكرة من يوم أمس الأحد من مقر وزارة الداخلية، إنه قرر حل المجلس الأعلى للقضاء، معتبرًا أن المجلس أصبح من الماضي، على أن يصدر مرسومًا مؤقتًا للمجلس، ويأتي هذا القرار بعد أيام من إلغاء كل الامتيازات المالية لأعضاء المجلس.

يتشاور القضاة حاليًّا لاتخاذ الخطوات اللازمة لحماية القضاء وحرمة المحاكم، في ظل تأكدهم من أن قيس سعيد لا نية له للإصلاح

المجلس الأعلى للقضاء مؤسسة دستورية تتمتع بالاستقلال، ومن صلاحياتها حسن سير القضاء وضمان استقلاليته طبق أحكام الدستور والمعاهدات الدولية المصادق عليها، إضافة إلى تأديب القضاة ومنحهم الترقيات المهنية.

عُرف عن سعيد في الأشهر الماضية انتقاداته الكثيرة للقضاء، إذ يشكك في عمل الجهاز وما فتئ يشوهه، كما يتهم العديد من القضاة بالفساد والتستر على الإرهاب وخدمة أطراف سياسية، ويقول الرئيس التونسي إن مجلس القضاء يخدم أطرافًا معينةً بعيدًا عن الصالح العام، وإن المناصب فيه تباع والحركة القضائية يتم وضعها بناءً على الولاءات.

تطويع القضاء

يرى المحامي التونسي سلمان الصغير، أن حل المجلس الأعلى للقضاء يعتبر من الناحية الرمزية ضربًا لمؤسسة تمثل السلطة القضائية المستقلة، ويضيف سلمان في حديثه لـ"نون بوست"، أن هذا الأمر يعتبر استهدافًا مباشرًا لمنظومة العدالة ككل باعتبار أن دور المجلس محوري في تسيير الشأن القضائي على غرار سلطة التأديب، إضافة إلى الحركة السنوية للقضاة.

حل المجلس الأعلى للقضاء المنتخب بطريقة ديمقراطية أشرفت عليه هيئة دستورية هي الهيئة العليا للانتخابات، الهدف من ورائه تطويع القضاء من أجل استغلاله للتنكيل بخصوم قيس سعيد السياسيين وتوظيفه لخدمة أجنداتها السياسية، خاصة أن سعيد يرى في القضاء المستقل حجر عثرة أمامه في سبيل تكريس مشروعه الغامض.

يعتبر ضرب القضاء جزءًا مهمًا من خطة قيس سعيد للاستئثار بالحكم في تونس، فسعيد يحاول إنتاج منظومة عدالة على المقاس كما فعل في السابق بن علي الذي طوع القضاء لشد أركان سلطته، ويعلم سعيد يقينًا أنه لا يستطيع التقدم خطوة واحدة في تنزيل مشروعه الغامض على أرض الواقع، دون وضع يديه على القضاء.

لا يُعتبر استغلال القضاء التونسي لأغراض سياسية وليد اليوم، فقد بدأ مع دولة الاستقلال، إذ عمل الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة على إخضاع القضاء لسلطته بهدف الانفراد بالحكم وإضعاف خصومه الذين تعددت توجهاتهم، نفس الأمر بالنسبة للرئيس الراحل زين العابدين بن علي الذي كرس القضاء لضرب خصومه السياسيين على رأسهم الإسلاميون.

محاولة سعيد تطويع القضاء لم تقتصر على حل مجلسه الأعلى، فقد سبق ذلك قراره ترؤس النيابة العمومية، كما أصدر أوامر بفرض الإقامة الجبرية ومنع السفر للقضاة وإخضاعهم للاستشارة الحدودية (S17).

سيناريوهات المواجهة

قرار سعيد حل المجلس الأعلى للقضاء قابله رفض كبير، إذ قال رئيس المجلس يوسف بوزاخر إنه لا وجود لأي آلية قانونية أو دستورية مشروعة تسمح للرئيس بحل المجلس، واتهم بوزاخر سعيد بالتحريض على القضاة بدعوة المواطنين للتظاهر، وأضاف "الرئيس يريد أن يستبدل القضاء بمؤسسة غير منتخبة من قبله".

بدورها أعلنت جمعية القضاة التونسيين - في بيان - رفضها الشديد لكل محاولات سعيد المساس بالسلطة القضائية وبالمجلس الأعلى للقضاء، وهو الموقف نفسه الصادر عن جمعية القضاة التونسيين الشبان، إذ عبرت الجمعية عن إدانتها لإعلان سعيد بشأن المجلس الأعلى للقضاء.

كما نددت أحزاب على غرار حركة النهضة وشخصيات سياسية على غرار الرئيس الأسبق محمد المنصف المرزوقي بإعلان سعيد، ورأت فيه خطوة لتقويض استقلالية القضاء وإخضاعه للسلطة التنفيذية بعد أن انقض على السلطة التشريعية.

قرارات سعيد وآخرها حل المجلس الأعلى للقضاء، ستعجل بانهيار التجربة الديمقراطية التونسية وانزلاقها إلى هاوية الاستبداد والحكم الفردي

يتشاور القضاة حاليًّا لاتخاذ الخطوات اللازمة لحماية القضاء وحرمة المحاكم، في ظل تأكدهم من أن قيس سعيد لا نية له للإصلاح، وإنما هدفه السيطرة على السلطة القضائية كما فعل مع باقي مؤسسات الدولة التونسية بعد انقلابه الدستوري ليلة 25 يوليو/تموز الماضي.

يرى المحامي سلمان الصغير أن أمام السلطة القضائية سيناريوهات عديدة محتملة لموجهة قرار سعيد، منها "انتفاضة قضائية شاملة تنادي بفرض الاستقلالية عن أي سلطة أخرى، فالقاضي لا سلطان على إرادته إلا بالقانون"، وفق قوله.

وأوضح الصغير أن "الحديث عن انتفاضة قضائية يعني مشاركة العائلة القضائية كاملة ممثلة في القضاة والمحامين على الأقل على مستوى القواعد، إضافة إلى جميع المتدخلين في الشأن القضائي الذي يعلمون أكثر من أي طرف آخر حجم الكارثة التي من الممكن أن تحصل في حالة الحل القانوني لهذا المجلس وإعادة تركيز مجلس جديد بهيكلة ونظام قانوني لا يراعي الاستقلالية، ويفرض على القضاة تبعية تامة للسلطة التنفيذية القائمة".

من سيناريوهات المواجهة المطروحة أيضًا تدويل القضية، ويقول الصغير في هذا الخصوص: "الشأن القضائي التونسي لن يكون شأنًا وطنيًا فقط، بل سيتم تدويل الملف ليصل إلى المقرر الخاص المعني باستقلالية القضاة والمحامين بالأمم المتحدة الذي سيعاين قيام النظام الحاليّ بحل مجلس قضائي منتخب بهدف تركيز جهاز قضائي تابع يأتمر بأوامر الرئيس".

يرى الصغير أن من شأن إصرار سعيد على المس من استقلالية القضاء، التأثير على صورة تونس خارجيًا، باعتبار أن مقومات الدول الديمقراطية ترتكز على استقلالية القضاء، كما أن هذا الأمر سيؤثر على مناخ الاستثمار باعتبار أن رأس المال الأجنبي وحتى الوطني لن يتجرأ على المغامرة بمشروع استثماري في ظل وجود سلطة قضائية تابعة قد لا تعطي الحقوق لأصحابها إلا بإشارة من الآمر الناهي الجالس على أنقاض الدولة.

انهيار الدولة التونسية

في حال لم يتم التصدي لقرارات قيس سعيد، فإننا سنكون أمام انهيار حتمي للدولة التونسية، ذلك أن سعيد سيطر على كل المؤسسات في البلاد ووضع يده على كل السلطات دون استثناء، ما يجعل الأمل الأخير في ديمقراطية عربية ناجحة يتلاشى شيئًا فشيئًا.

قال سعيد ليلة 25 يوليو/تموز الماضي إنه قرر تعطيل عمل البرلمان وإقالة الحكومة ورفع الحصانة عن النواب حتى يحمي البلاد من خطر جاثم وإن هدفه إصلاح تونس والذود عن حرمتها أمام الفاسدين، لكن بعد 7 أشهر من ذلك يتبين أن هدفه كان الاستحواذ على السلطة فقط.

قرارات سعيد وآخرها حل المجلس الأعلى للقضاء، ستعجل بانهيار التجربة الديمقراطية التونسية وانزلاقها إلى هاوية الاستبداد والحكم الفردي الذي انتفض ضده ملايين التونسيين بشجاعة قبل عقد من الزمان.