شغل باشاغا منصب وزير الداخلية في حكومة السراج

شغل باشاغا منصب وزير الداخلية في حكومة السراج

تتسارع التطورات السياسية في ليبيا، ففي الوقت الذي يصرّ فيه رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، على مواصلة ترؤّس الحكومة لحين الانتخابات القادمة، اختار البرلمان المنعقد في طبرق وزير الداخلية في حكومة فايز السراج رئيسًا جديدًا للحكومة.

يمكن اعتبار اختيار فتحي باشاغا، المحسوب على الغرب، رئيسًا للحكومة، بداية توافق بين الغرب والشرق، وإحدى ركائز مصالحة قادمة في هذا البلد العربي الغارق في الصراعات منذ سنوات، فيما تذهب بعض القراءات الأخرى إلى تأكيد وجود مصالح شخصية ضيّقة وراء ما حصل في برلمان طبرق.

باشاغا رئيسًا للحكومة

ينحدر باشاغا من مدينة مصراتة غربي البلاد، تخرّج سنة 1984 من الكلية الجوية مصراتة برتبة ملازم ثانٍ طيار مقاتل، بعدها بـ 9 سنوات استقال من سلاح الجو الليبي، ليمارس التجارة ويصبح من التجّار المعروفين في مسقط رأسه.

ترأّس بعد اندلاع الثورة الليبية ضد نظام معمر القذافي في فبراير/ شباط 2011 قسم المعلومات والإحداثيات، كما انضمَّ إلى المجلس العسكري بمصراتة وأصبح المتحدث الرسمي باسم المجلس، وعمل كذلك كعضو بمجلس الشورى في مصراتة سنة 2012، كما انضمَّ إلى اللجنة الاستشارية في هيئة المصالحة الوطنية.

تمرّ ليبيا بمرحلة جديدة قوامها التوافق بين أغلب الأطراف المتدخلة لإنهاء الانسداد في المسار السياسي.

اُنتخب باشاغا لعضوية مجلس النواب عن مدينة مصراتة في انتخابات يونيو/ حزيران 2014، إلا أنه قاطع المجلس ضمن مجموعة من نواب المدينة، بعد الانقسام الذي حصل في ليبيا وتشكُّل مجلسَين، واحد في طبرق وآخر في طرابلس.

شارك رئيس الحكومة الجديد في عملية فجر ليبيا العسكرية التي انطلقت لمواجهة مشروع خليفة حفتر العسكري غرب ليبيا، وكان له دور بارز في هذه العملية، كما كان له دور هام في توقيع اتفاق الصخيرات المغربية الذي أُبرم في ديسمبر/ كانون الأول 2015، ما زاد من رصيده في مصراتة وغرب البلاد عمومًا.

 

شغل باشاغا منصب وزير الداخلية، خلفًا للعميد عبد السلام عاشور، في حكومة فايز السراج منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2018، وكان له دور مهم في عملية عاصفة السلام لصدِّ هجوم خليفة حفتر ضد العاصمة طرابلس.

 

ترشّح باشاغا في فبراير/ شباط 2021 لانتخابات رئاسة السلطة التنفيذية لقيادة مهام الفترة الانتقالية بالبلاد، التي أجراها ملتقى الحوار السياسي في جنيف على رأس قائمة تضمُّ رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، لكنه هُزم في الانتخابات أمام رئيس الوزراء المعترف به دوليًّا عبد الحميد الدبيبة، وقدّم في وقت لاحق دعمه للإدارة الجديدة.

بداية المصالحة والتوافق؟

يُفهَم من اختيار باشاغا رئيسًا للحكومة خلفًا للدبيبة وجود توافق بين مجلس النواب ومجلس الدولة، وهي المرة الأولى التي يتوافق فيها المجلسان على أمر ما، وكان مجلس الدولة قد أرسل توقيعات 52 عضوًا يزكّون باشاغا، وإبقاء المجلس الرئاسي المكوَّن من 3 أعضاء، هم محمد المنفي وموسى الكوني وعبد الله اللافي، في السلطة التنفيذية.

كدليل على هذا التوافق بين عقيلة صالح وخالد المشري، اعتمد مجلس النواب إلى جانب انتخاب باشاغا رئيسًا للحكومة، تعديلًا دستوريًّا بالتوافق مع المجلس الأعلى للدولة بخصوص خريطة الطريق للمرحلة المقبلة يتضمّن عدة نقاط، أبرزها تشكيل لجنة لبحث المواد الخلافية في مشروع الدستور.

وينص المقترح المعتمد على تعديل الفقرة 12 من المادة 30 من الإعلان الدستوري، بحيث تشكّل لجنة من 24 شخصًا من الخبراء والمختصين يمثّلون الأقاليم الثلاثة، يتم اختيارهم مناصفة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى الدولة، وتتولى اللجنة مراجعة المواد محل الخلاف في مسودة الدستور المنجَز وإجراء التعديلات الممكنة.

كما ينصّ أيضًا على أن انتهاء اللجنة من إجراء التعديلات المطلوبة خلال 45 يومًا، ويُحال مشروع الدستور المعدل مباشرة إلى المفوضية العليا للانتخابات للاستفتاء عليه، وإذا تعذّر إجراء التعديلات بعد انتهاء هذه المدة، تتولى لجنة مشكّلة من مجلسَي النواب والدولة خلال شهر إعداد قاعدة دستورية وقوانين انتخابية ملزمة.

التوافقات والتحالفات الأخيرة عبارة عن تبادل مصلحة بين هذه الأطراف بعيدًا عن مصلحة ليبيا.

يمثل التوافق بين المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب، خطوة مهمة نحو عودة الشراكة السياسية بين المجلسَين لإنهاء المرحلة الانتقالية في البلاد، خاصة أن تجربة انفراد مجلس النواب بوضع قوانين الانتخابات والإشراف على العملية الانتخابية، باءت بالفشل.

التوافق والمصالحة لم تكُونا بين صالح والمشري فقط، وإنما بين حفتر وباشاغا أيضًا، إذ سارع الأخير إلى الترحيب باختيار باشاغا رئيسًا للحكومة القادمة، وهي المرة الأولى التي يعترف بها حفتر برئيس حكومة، إذ كان دائمًا ما يرفض الاعتراف بهم ويصرّ على مهاجمتهم.

يتبيّن من هنا أن ليبيا تمرُّ بمرحلة جديدة قوامها التوافق بين أغلب الأطراف المتدخلة لإنهاء الانسداد في المسار السياسي، ومن شأن هذا التقارب في وجهات النظر أن يفتح الطريق أمام تفاهمات أخرى قادمة، لها أن ترجع بالفائدة على ليبيا وتساهم بإحلال السلام في البلاد.

كما يمكن لهذه التوافقات والتنازلات أن تخلق بيئة مواتية للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، لتمكينها من إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في جوّ يسوده الهدوء والتوافق، بعيدًا عن الفوضى والاقتتال اللذين عُرفت بهما البلاد في السنوات الأخيرة.

مصالح شخصية وراء التوافقات الأخيرة

في مقابل ذلك، يمكن فهم هذا التوافق الحاصل بين صالح والمشري وباشاغا وحفتر بوجود مصالح شخصية، يسعى كل طرف إلى تحقيقها بعيدًا عن مصلحة البلاد، خاصة أن هؤلاء الأربعة لم يكن هناك أي رابط بينهم، فباشاغا مثلًا كان يشغل منصب وزير الداخلية في حكومة الوفاق السابقة، وكان من أشد أعداء حفتر.

ظهرت بوادر هذا التحالف جليًّا قبل موعد الانتخابات التي كان يُنتظر إجراؤها في ديسمبر/ كانون الأول الماضي بـ 3 أيام، عندما زار باشاغا بنغازي، والتقى حفتر الذي يسيطر بحكم الأمر الواقع على الشرق وجزء من الجنوب، وقد مثّلت تلك الزيارة حدثًا غير مسبوق في ليبيا.

تنصُّ الصفقة بين هذه الأطراف على ضمان مصالح كل طرف فيها، فباشاغا سيَرأَس الحكومة الانتقالية لمدة تزيد عن السنة، وسيعمل خلالها على تلميع صورته والخروج من الغرب ومصراتة، بعد أن تمكّن من نيل رضا جماعة الشرق.

 

فيما يضمن حفتر من وراء هذه الصفقة البقاء على رأس القيادة العسكرية في ليبيا، وإمكانية تنصيبه وزيرًا للدفاع في حكومة باشاغا، ما من شأنه أن يعيده إلى الساحة بعد فشله في تحقيق مكاسب على الأرض، وفقدانه جزء من الدعم الخارجي الذي كان يحظى به، وأيضًا عودة سيف الإسلام القذافي للمشهد السياسي.

أما عقيلة صالح، فسيضمن من وراء هذا الاتفاق البقاء لفترة أطول على رأس البرلمان الليبي، والحصول على اعتراف من مجلس الدولة به وبأهميته، ويعلم صالح أن أي انتخابات في المدى القريب ستؤدي إلى رحيله عن الساحة السياسية الليبية، فليس هناك أجسام قوية تدعمه، لذلك رأى أهمية الاستجابة لمطلب مجلس الدولة وتأجيل الانتخابات إلى السنة القادمة.

في خصوص خالد المشري، فإنه يعلم أن بإمكان عقيلة صالح المضيّ لوحده في تشكيل المشهد السياسي المستقبلي لليبيا إن أراد ذلك، خاصة أن البرلمان سبق أن استفرد بالقرار دون أن يولي اهتمامًا بأي أحد، لذلك من مصلحة المشري الاتفاق مع صالح ودعم باشاغا بعد فشل الدبيبة في مهامه، وذلك حتى يضمن المشاركة في صياغة مستقبل ليبيا.

يتبيّن من تلك المعطيات أن التوافقات والتحالفات الأخيرة عبارة عن تبادل مصالح بين هذه الأطراف بعيدًا عن مصلحة ليبيا، مع ذلك يمكن البناء عليها والوصول إلى توافقات حقيقية تنهي الانقسام الحاصل في البلاد، ويؤسِّس لدولة ديمقراطية عمادها المؤسسات والقانون.