يصر سعيد على اتباع نهج القذافي في ضرب مؤسسات الدولة

يصر سعيد على اتباع نهج القذافي في ضرب مؤسسات الدولة

ليلة 25 يوليو/تموز الماضي، أطل قيس سعيد على التونسيين من وراء شاشات التليفزيون، معلنًا تجميد عمل البرلمان المنتخب ورفع الحصانة عن النواب، بالإضافة إلى إجراءات أخرى، بعد شهر أمر بغلق مقر هيئة مكافحة الفساد، وها هو الآن يحل المجلس الأعلى للقضاء، ما جعلنا نتساءل عن الخطوات القادمة لسعيد وأي أسلوب سيتبع لتنزيل برنامجه على أرض الواقع؟

التدرج في فرض برنامجه

تجميد عمل البرلمان لم يكن مباشرةً، فقد عمد سعيد والمحيطون به في البداية إلى ترذيل عمله لأشهر عدة وإظهار كل النواقص فيه وتحميله مسؤولية كل الأزمات التي تمر بها البلاد سواء الصحية أم الاقتصادية والمالية أم الاجتماعية في خطة محكمة.

كان سعيد يرى المعارك داخل البرلمان ويعلم المتسبب بها، ومع ذلك لم يتدخل للحد منها، ففي كل مرة كان يتوعد بإطلاق صواريخه الموضوعة على أهبة الاستعداد، كان الاعتقاد أن وجهة هذه "الصواريخ" ستكون المتسببين في عرقلة عمل البرلمان، لكن كانت وجهتها البرلمان كله.

اتبع سعيد نفس الطريقة مع هيئة مكافحة الفساد التي تم بعثها سنة 2011 خلفًا للجنة تقصي الحقائق عن الفساد والرشوة التي أنشئت مباشرة بعد الثورة التي أطاحت ببن علي، فشكك في طريقة عملها وتعاملها مع ملفات الفساد التي بين يديها.

في مشروع سعيد الذي يعمل على تنزيله أرض الواقع خطوة بخطوة لا وجود للأحزاب

بعد ذلك، جرى إخلاء مقر الهيئة من موظفيها ووضع رئيسها السابق شوقي الطبيب قيد الإقامة الجبرية، كما أُقيل سعيد أنور بن حسن، الكاتب العام للهيئة من منصبه، ومن ذلك الوقت هيئة مكافحة الفساد مشلولة، لا تفعل شيئًا.

نفس الشيء تكرر مع سلك القضاء، إذ عمد قيس سعيد في البداية إلى التشكيك في نزاهة جزء كبير من القضاة بعد أن فشل في ترؤس النيابة العمومية وفق ما أعلنه ليلة 25 يوليو/تموز بسبب الرفض الكبير الذي واجهه.

شكك سعيد فيهم واتهمهم بالفساد والتغطية على الفاسدين والإرهابيين، وحمّلهم جزءًا كبيرًا من مسؤولية ما تعرفه تونس من أزمات، فأصدر في البداية أوامر بفرض الإقامة الجبرية ومنع سفر القضاة وإخضاعهم للاستشارة الحدودية (S17)، وطلب إعداد مشروع يتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء ومنح الضوء الأخضر للتنسيقيات العاملة معه للتظاهر ضد القضاة وشن حملة كبيرة ضدهم في الشارع ومواقع التواصل الاجتماعي.

إلى أن جاءت اللحظة المنتظرة وحل المجلس الأعلى للقضاء، وأعلن بالتوازي مع ذلك تشكيل مجلس مؤقت، ويحق للرئيس "طلب إعفاء كل قاض يخل بواجباته المهنية"، ويحظر المرسوم الجديد للمجلس المؤقت على القضاة "الإضراب وكل عمل جماعي منظم من شأنه إدخال اضطراب أو تعطيل في سير العمل العادي بالمحاكم"، ويحق للرئيس الاعتراض على ترقية القضاة أو تسميتهم، أي أننا أصبحنا أمام مجلسٍ على المقاس.

قبل ذلك، قرر سعيد إلغاء هيئة مراقبة دستورية القوانين (قضائية مستقلة تأسست سنة 2014)"، بالتزامن مع اعلان الرئاسة تولي سعيد "إعداد مشاريع التعديلات المتعلقة بالإصلاحات السياسية بالاستعانة بلجنة يتم تنظيمها بأمر رئاسي".

نلاحظ من هنا أن سعيد يتبع سياسة التدرج، فله خطة واضحة يتحرك وفقًا لها، إذ يبدأ بالتشويه وكيل الاتهامات وتحميل المسؤوليات ومن ثم الانقضاض، فهو لا يتحرك مباشرة إلا بعد أن يتيقن أن ضربته ستكون في المقتل.

الدور على هيئة الانتخابات

لن يتوقف قيس سعيد عند تجميد البرلمان وحل المجلس الأعلى للقضاء، فالقائمة أمامه طويلة وربما المؤسسة القادمة هي الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ويتوقع حلها في شهر مارس/آذار القادم مع إعلان نتائج الاستشارة الإلكترونية التي ينظمها نظام سعيد.

يُريد سعيد استفتاءً وانتخابات على المقاس، ذلك أن النتائج جاهزة مسبقًا ولا يُريد لهيئة الانتخابات أن تكون مشرفةً على أي عمل يقوم به، وهو ما يفسر عدم التشاور معها بخصوص الاستشارة التي انطلقت في منتصف يناير/كانون الثاني الماضي، كما أن الهيئة لم تبدأ تحضيراتها بعد للاستفتاء المقرر في يوليو/تموز القادم ولا للانتخابات المبرمجة نهاية السنة، فلم ترصد لها أموال إضافية لذلك ولم يتم الحديث معها في المسألة.

إعلان سعيد المواعيد الانتخابية دون الرجوع للهيئة، يؤكد نيته تغييرها خاصة أن الأمر الرئاسي 117 جعل الهيئات الدستورية من أنظار رئيس الجمهورية، ويمكنه النظر في إعادة تنظيمها وفق نص الأمر الرئاسي.

في سبتمبر/أيلول الماضي شكك سعيد، خلال لقائه رئيس محكمة المحاسبات نجيب القطاري، في استقلالية هيئة الانتخابات، منتقدًا بطريقة غير مباشرة تصريحات رئيسها نبيل بفون، الذي اعتبر قرارات 25 يوليو/تموز غير دستورية، وقال سعيد: "لا بد أن أؤكد أن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، أو التي توصف كذلك، عليها أن تكون بالفعل مستقلة".

كما أن سعيد لم يلتق رئيس الهيئة ولا أعضائها منذ وصوله قصر قرطاج، ما يوضح أن له موقف مسبق منها، يذكر أن هيئة الانتخابات نظمت منذ سنة 2011، 4 محطات انتخابية، تم الإشادة بها رغم النواقص والاختلالات البسيطة التي عرفتها.

الأحزاب والمنظمات في قائمة الانتظار

في قائمة الانتظار نجد الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية، فمنذ توليه رئاسة البلاد فرض سعيد تمشيًا يقصي من خلاله الأحزاب وظهر ذلك في اختيار رئيس حكومة بعيدًا عن الأحزاب الفائزة في الانتخابات بالمرة الأولى وفي مرة ثانية اختيار رئيس حكومة لا ينتمي لأي حزب وكلاهما أثبت فشله.

حتى بعد الإطاحة بالبرلمان والحكومة وإعلان نيته بدء الإصلاح لإخراج تونس من أزماتها، تجاهل قيس سعيد الأحزاب السياسية في إمكانية مشاركتها من عدمها في الحوار الوطني الذي أعلن اعتزامه إطلاقه للخروج بالبلاد من أزمتها الراهنة.

شهدت تونس منذ انقلاب سعيد تضييقات كثيرة على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية

في مشروع سعيد الذي يعمل على تنزيله أرض الواقع خطوة بخطوة لا وجود للأحزاب، فالأحزاب ستتحلل من تلقاء نفسها عندما لا تجد مكانًا في منظومته المعادية لها، وسبق أن وضح سعيد في أكثر من مرة أنه لا يؤمن بالأحزاب كأداة للفعل السياسي، وأنه يسعى للقضاء عليها.

الرفض غير موجه للأحزاب فقط وإنما للمنظمات الوطنية والجمعيات أيضًا على غرار اتحاد الشغل واتحاد الفلاحين، فسعيد لا يُخفي رفضه وامتعاضه من عمل هذه المنظمات وقد أقدم في الكثير من المرات على إذلال قياداتها، حتى إن بعض أنصاره سمحوا لأنفسهم بالمطالبة بحل اتحاد الفلاحين.

ويرى سعيد أن لا جدوى لوجود الأجسام الوسيطة كالأحزاب والمنظمات والجمعيات، فهو يرى جسمين فقط الرئيس والشعب، في تكرار لتجربة جماهيرية القذافي التي ثار عليها الليبيون في فبراير/شباط 2011 نتيجة التخلف الذي أوصلت البلاد إليه.

ماذا عن الإعلام؟

موضوع الإعلام في أجندة قيس سعيد أيضًا، فرغم تحول كل وسائل الإعلام التونسية تقريبًا بخلاف الحزبية منها، إلى أبواق مساندة لانقلاب سعيد على دستور البلاد ومؤسساتها الشرعية، في مشهد شبيه بما حدث في انقلاب 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987، فإنه إلى الآن غير راضٍ عليها.

يتبين موقفه المريب من الإعلام في العديد من المناسبات والتحركات، من ذلك مثلًا إغلاق أبواب القصر أمام الصحفيين ووسائل الإعلام، وفتحه فقط أمام مريديه وأغلب من عمل معه خلال حملته التفسيرية التي قدم بها نفسه للتونسيين، لذلك أصبحت الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية والصفحات الموالية له تقريبًا هي مصدر المعلومة الوحيد.

شهدت تونس منذ انقلاب سعيد تضييقات كثيرة على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، جعلت العديد منهم يعبرون عن خشيتهم من خسارة حرية التعبير - إحدى أبرز مكاسب الثورة التونسية إن لم تكن الوحيدة - خاصة أن الرئيس سعيد أظهر عداءً للإعلام منذ توليه السلطة، ويتوقع أن يحل الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي البصري.

لا وجود ضمن برنامج سعيد لمصطلح استقلالية الإعلام، فتمشيه في هذا الموضوع يؤكد وجود توجه واضح لإرساء إعلام السلطة وتحول السلطة الرابعة إلى خادم مطيع يسير في فلك الرئيس، يحرص على التحكم في أفكار الناس وتوجيههم وفق أهواء الرئيس.

ترسيخ الديكتاتورية

في حال بقيت الأمور على ما هي عليه ولم يُتَصدّى في أقرب وقت لانقلاب قيس سعيد وعودة المسار الدستوري للبلاد، فإن تونس ستكون على موعد مع ديكتاتورية جديدة أشد وطأة -ربما- على التونسيين من ديكتاتورية بن علي وبورقيبة.

يدعي سعيد سعيه لإنقاذ تونس من أزماتها الكثيرة، لكنه في الحقيقة يسعى لمجد شخصي خاص، لذلك على مختلف الفعاليات تدارك الأمر وعدم إضاعة المزيد من الوقت والجلوس على طاولة الحوار دون إقصاء إلا لمن أراد أن يقصي نفسه، لبحث السبل الكفيلة باللتصدي لمشروع سعيد الخطير على البلاد وعلى تجربتها الديمقراطية الناشئة.