يقول سعيد إن الصلح الجزائي سيوفر لتونس 10 مليارات دينار

قبل 7 سنوات من الآن، تحديدًا في ذكرى الاحتفال بعيد الاستقلال، اقترح رئيس الجمهورية التونسية الراحل الباجي قائد السبسي مشروع قانون للمصالحة الاقتصادية والمالية، لكنه لقي معارضةً كبيرةً من مختلف الأطياف في البلاد، فعمت المظاهرات الشوارع وتعالت الأصوات الرافضة له، ذلك لأنه عُدّ مدخلًا لتبييض الفاسدين وتكريسًا لإفلاتهم من العقاب، وفق المعارضين له.

طوي مشروع القانون وأحيل للأرشيف، إلى أن جاء الرئيس الحاليّ قيس سعيد ونفض عنه الغبار وأعطاه تسمية أخرى حتى يستطيع التغطية على أهدافه، فأسماه "صلح جزائي"، ومنحه الشرعية يوم عيد الاستقلال دون الرجوع للبرلمان.

الصلح الجزائي

صادق قيس سعيد، أمس الأحد، على 3 مراسيم، بينها مرسوم للصلح الجزائي بين الدولة ورجال الأعمال المتورطين في قضايا فساد مالي مقابل مشاريع تنموية، وقال سعيد في كلمة له إنه يريد أن يصنع ما وصفها "جمهورية جديدة" تقوم على الحرية والعدل، مضيفًا "تونس لديها كل المقدرات والإمكانات لصناعة المستقبل".

وتابع سعيد في كلمته "اخترنا هذا اليوم للنظر في مشروع متميز وأردته أن يكون يوم عيد الاستقلال، لنضع مشاريع مراسيم تتعلق أولًا بمشروع مرسوم يتعلق بالصلح الجبائي، حتى يسترد الشعب أمواله التي نهبت منه عوض القضايا المنشورة أمام المحاكم ولم يسترجع منها شعبنا العظيم إلا النزر اليسير".

من المتوقع أن يرتفع العجز خلال هذه السنة مع استمرار الأزمة السياسية الناتجة عن انقلاب قيس سعيد الدستوري

مضيفًا "الصلح الجزائي إجراء معروف في القانون، فعوض الزج بالمتهم الذي تمت إدانته في السجن، يدفع هذا المتهم المدان الأموال التي انتفع بها بصفة غير مشروعة"، وأردف "هذه الأموال التي سنسترجعها كما تم الإعلان عن ذلك سابقًا، سنقدمها للفقراء والمعتمديات (المناطق) الفقيرة بعد ترتيبها ترتيبًا تنازليًا من الأكثر فقرًا إلى الأقل فقرًا"، وأشار إلى وضع الإجراءات واتخاذ عدة احتياطات لتذهب هذه الأموال لأصحابها الحقيقيين.

ويضبط المرسوم إطارًا مرجعيًا للصلح الجزائي مع الذين تورطوا في جرائم اقتصادية ومالية، سواء الأشخاص الواردة أسماؤهم في تقرير اللجنة الوطنية حول الفساد والرشوة، أم كل من تتعلق به قضايا فساد مالي واقتصادي لدى القطب القضائي الاقتصادي والمالي.

ويقوم المرسوم على إنشاء هیكل قضائي ملحق بمحكمة الاستئناف في تونس، "القطب القضائي للصلح الجزائي"، تتكون تركيبته من 21 قاضيًا من ذوي الاختصاص من بين القضاة المباشرين في المحاكم من الصنف العدلي والإداري والمالي.

رهان سعيد

يراهن الرئيس التونسي قيس سعيد كثيرًا على مشروع الصلح الجزائي للتغطية على عدم الإنجاز الاقتصادي، فهو يرى أن هذا المشروع سيمكن الدولة من استعادة الأموال المنهوبة من رجال الأعمال المتورطين في الفساد، ما من شأنه المساهمة في معالجة أزمة المالية العمومية التي تعيشها تونس.

في نظر سعيد فإن كل من نهب المال سيقوم بإنجاز مشاريع استثمارية وتنموية في البلاد، وسبق أن قال الرئيس التونسي إن على رجال الأعمال المتورطين في نهب ثروات تونس أن ينجزوا مشاريع تنموية داخل المناطق المفقرة والأقل حظًا في التنمية، بحسب جدول يرتبهم تنازليًا، بحيث يتكفل الأكثر فسادًا بالمناطق الأكثر فقرًا، حتى تتم المصالحة مع الدولة.

ويقوم المشروع الذي بدأ سعيد الترويج له منذ عام 2021 على قيام المتورطين ببناء مدارس ومستشفيات ومصحات عمومية ومرافق خدمات حكومية وخلق موارد رزق للعاطلين عن العمل في مختلف مناطق البلاد، وذلك باستثمار الأموال المنهوبة لفائدة المحليات التي تشكل لجانًا لتحديد حاجياتها ومطالبها التنموية، وليس من حقهم تحقيق مكاسب وأرباح منها.

يهدف مشروع الصلح الجزائي إلى تحصيل نحو 13 مليار دينار أي نحو 4.6 مليار دولار من أموال مشكوك في أن 460 رجل أعمال اكتسبوها بطرق غير قانونية، قبل اندلاع الثورة سنة 2011، واستند سعيّد في تحديد قيمة الأموال إلى تقرير أصدرته لجنة تقصي الحقائق حول الرشوة والفساد عقب الثورة.

ووفقًا لتقرير "اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الفساد والرشوة" الصادر في سنة 2011، استغلت عائلة الرئيس الراحل زين العابدين بن علي وأصدقاؤه أموال الدولة وأراضيها لصالحهم، واعتمدوا على مؤسسات الدولة - مثل البنوك العامة وجهاز القضاء والشرطة - لتحقيق مصالحهم الشخصية، وعاقبوا كل من عارض مشاريعهم الاقتصادية.

وسجلت تونس خلال سنة 2021 عجزًا في ميزانية الدولة قدر بنحو 10.4 مليار دينار (3.72 مليارات دولار)، نزولًا بنسبة 7.2% على أساس سنوي، مع استمرار عدم قدرة البلاد على تحقيق ميزانية صفرية (تعادل الإيرادات والنفقات)، وفق البنك المركزي التونسي.

ومن المتوقع أن يرتفع العجز خلال هذه السنة مع استمرار الأزمة السياسية الناتجة عن انقلاب قيس سعيد الدستوري، وتنامي الأزمة الاقتصادية في ظل عجز مسؤولي الدولة عن توفير الإيرادات المالية الكافية لتسيير البلاد.

صعوبة التطبيق على أرض الواقع

تبدو الأرقام المعلنة مشجعة لدعم هذا المشروع، عند بعض المساندين لقيس سعيد، لكن عراقيل عديدة من شأنها أن تحول دون تطبيق المشروع على أرض الواقع، وفق المحلل السياسي التونسي سعيد عطية، الذي أكد في حديث لـ"نون بوست" أن "هذا المشروع ضرب من ضروب الشعبوية ومجرد قفزة هوائية عملاقة لتسجيل نقاط شعبوية في شباك خصوم الرئيس لا أكثر".

ويرى عطية استحالة تطبيق المشروع في ظل عدم وجود إمكانات قانونية وإدارية لتحديد قائمة الفاسدين والمستفيدين من هذه الأموال، خاصة أن الرئيس اعتمد على تقرير هيئة تقصي الحقائق حول الفساد، وتلك القائمة فيها الكثير ممن هاجر أو سجن أو توفي أو عقد صلحًا ماليًا مع الدولة.

وتساءل محدثنا عن الأولويات المطروحة الآن، هل تونس بحق في حاجة لهذا المرسوم أم في حاجة لتغيير القوانين المنظمة لمنوال التنمية وللصفقات العمومية وتغيير النظام الجبائي، خاصة أنها أحد المداخل الكبرى للفساد؟

إلى جانب ذلك، يقلل خبراء من قيمة المبلغ المالي الذي يتطلع سعيد إلى تحصيله من الصلح الجزائي، فحجم السيولة المالية والأصول لدى رجال الأعمال المعنيين بالمصالحة لا يمكن أن تقدر بـ13 مليار دينار، وفق تقارير غير رسمية.

أراد سعيد مغازلة رجال الأعمال الفاسدين عبر تحويل المسار القضائي إلى صلح خارج القوانين الجزائية وهياكل القطب القضائي والمالي

إلى جانب ذلك من شأن هذا المرسوم أن يزيد من متاعب قطاع الأعمال في تونس ويقلل من فرص الاستثمار في البلاد، فالبيئة الاستثمارية أصبحت هشةً وغير مشجعة ولا تحمي المستثمرين، ما سيؤثر على الاقتصاد والأمن الاجتماعي لتونس.

إلى جانب ذلك، من الصعب جدًا أن يستجيب رجال الأعمال المتهمين بالفساد لنداءات الرئيس، فأغلبية من لديهم قضايا منشورة لدى دوائر القضاء المالي يفضلون مواصلة مسار التقاضي على إبرام صلح مع الدولة وضخ الأموال لفائدة الموازنة.

وسبق أن قالت منظمة "مجموعة الأزمات الدولية" في تقرير لها عن تونس، إنّ نحو 300 رجل ظل يتحكمون في أجهزة الدولة بتونس ويعرقلون الإصلاحات، وبعضهم يعطل تنفيذ مشاريع تنموية بالمناطق الداخلية ويحرك الاحتجاجات الاجتماعية فيها.

تكريس الإفلات من العقاب

بعيدًا عن إمكانية تطبيق هذا المرسوم من عدمه، كما قلنا في البداية، فإن مشروع سعيد مماثل لما طرحه الرئيس الراحل الباقي قائد السبسي سنة 2015، في تلك الفترة لقي المشروع رفضًا كبيرًا من مكونات المجتمع المدني التونسي والأحزاب السياسية وفئات شعبية عدة.

برأي معارضيه، من شأن هذا المشروع أن يكرس الإفلات من العقاب ويُعطي انطباعًا بتواصل منظومة الفساد التي كانت تحكم البلاد وخياراتها السياسية والاقتصادية الفاشلة، ومحاولة الالتفاف على المحاسبة كحلقة رئيسية ضمن مسار العدالة الانتقالية وتشريع الإفلات من المحاسبة والتطبيع مع الفاسدين.

جاءت المصادقة على هذا المرسوم في الوقت الذي يشدد فيه قيس سعيد على المحاسبة ومكافحة الفساد، وهو ما يُعتبر تناقضًا كبيرًا بين ما يقوله سعيد وما يفعله على أرض الواقع، فهو بهذا المرسوم يسعى لحماية رجال الأعمال الفاسدين والتشجيع على الفساد.

سيوقف مرسوم سعيد المتعلق بالصلح الجزائي أي ملاحقات حاليّة ومستقبلية لرجال الأعمال المتورطين في قضايا فساد وسوء تصرف في المال العام، وسيُسمح لهؤلاء بالتفاوض بخصوص صفقة "صلح" لإرجاع الأموال التي حصلوا عليها بطريقة غير مشروعة لخزينة الدولة.

أراد سعيد مغازلة رجال الأعمال الفاسدين عبر تحويل المسار القضائي إلى صلح خارج القوانين الجزائية وهياكل القطب القضائي والمالي، ما يُفسر صراعه مع مجلس القضاء وحل المجلس في وقت سابق واستبداله بمجلس جديد يتلقى التعليمات من قصر قرطاج مباشرة.

وسبق أن أعلن المجلس الأعلى للقضاء رفضه لمشروع قانون الصلح الجزائي، مؤكدًا أنه لا يمكن إجراء إصلاحات جوهرية للمنظومة القضائية وللقانون المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء في أثناء سريان الحالة الاستثنائية، معتذرًا عن إبداء الرأي في الوثيقة برمتها.

يمثل مرسوم سعيد المتعلق بالصلح الجزائي خرقًا واضحًا لقانون العدالة الانتقالية ومنظومة كشف الحقيقة التي تقتضي فضح منظومة الفساد والاستبداد والتفريط في مصالح البلاد، وكشف خيوطها كاملة ومحاسبة المتورطين فيها بهدف منع تكرارها ومنع أي محاولة للإفلات من العقاب وتأسيسًا للمنظومة الديمقراطية المنشودة التي تقتضي المحاسبة والاعتذار قبل المصالحة والتجاوز.