تمثل قضية "ماكنزي" امتحانًا كبيرًا لماكرون الطامح في ولاية رئاسية ثانية

تمثل قضية "ماكنزي" امتحانًا كبيرًا لماكرون الطامح في ولاية رئاسية ثانية

في فبراير/شباط 2017، رجحت استطلاعات الرأي وصول رئيس الوزراء الأسبق فرانسوا فيون إلى الدور الثاني إلى جانب مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، وأوضحت الاستطلاعات حينها أن فيون سيتمكن بسهولة من هزيمة لوبان إذا وصل أمامها إلى جولة الإعادة، لكن حدث ما ليس في الحسبان.

قبل أسابيع قليلة من الموعد الانتخابي المقرر في العاشر من أبريل/ نيسان الجاري، برزت فضيحة حصول بينيلوب زوجة فيون على ما يزيد على 831 ألف يورو، مقابل عملها كمساعدة برلمانية لزوجها في الفترة من 1998 وحتى 2012، فضلًا عن استعانة فيون باثنين من أبنائه للعمل كمحامين، ودفع لهما 84 ألف يورو، في الفترة من 2005 وحتى 2007، رغم أنهما في ذلك الوقت كانا طالبين.

هذه الفضيحة أثرت على حظوظ فيون، إذ مني مرشح اليمين التقليدي بهزيمة مذلة، وحل في المرتبة الثالثة بحصوله على 19.91% من الأصوات، وهي نتيجة لم تمكنه من دخول غمار الدور الثاني من الانتخابات، كما عكست نفور الناخب الفرنسي من هذا الرجل الذي تورط في قضايا فساد.

تذكرنا هذه الحادثة التي حدثت قبل 5 سنوات للحديث عن أخرى مماثلة لها وإن اختلفت بعض التفاصيل، فقبل أيام قليلة من موعد الاستحقاق الانتخابي الأبرز في فرنسا برزت فضيحة جديدة تمس الرئيس الحاليّ إيمانويل ماكرون الطامح في ولاية رئاسية ثانية، فهل يكون وقع هذه الفضيحة مماثلًا لما حدث مع فيون؟

قضية ماكنزي

تهرب ضريبي

نشر مجلس الشيوخ الفرنسي يوم 16 مارس/آذار الماضي تقريرًا كشف فيه اعتماد الرئيس ماكرون وحكومته على شركات استشارية خاصة، من بينها شركة "ماكنزي" الأمريكية المتخصصة في تقديم الاستشارة للحكومات والشركات الخاصة.

اتهمت ماكنزي بـ"تحقيق أقصى استفادة ضريبية" في فرنسا و"عدم دفع الضرائب المترتبة عليها بشكل كامل"، إذ أظهر التقرير أن النفقات التي خصصتها بعض الوزارات الفرنسية في مجال الاستشارة ارتفعت من 379.1 مليون يورو في 2018 إلى 893.9 مليون يورو في 2021.

صحيح أن شركة "ماكنزي" الاستشارية تنتشر في نحو 60 بلدًا حول العالم منهم فرنسا، لكن وفق تقرير مجلس الشيوخ، فإن "حكومة جان كاستكس أفرطت كثيرًا في الاستعانة بخدمات مكتب ماكنزي"، وارتبطت المجموعة الأمريكية ببعض أهم المشاريع في فترة الخمس سنوات الماضية، فنفذت ما لا يقل عن 40 مهمة نيابةً عن الحكومة أو الرئاسة أو وكالات الدولة بين عامي 2018 و2021.

يعود أول اجتماع بين ماكرون وأعضاء من الشركة الأمريكية "ماكنزي" إلى سنة 2007

شملت الاستشارات التي قدمتها "ماكنزي" عدة قطاعات، كقطاع السكن (3.8 مليون يورو) والصحة (12.3 مليون يورو) إضافة إلى تنظيم منتدى دولي بطلب من وزارة التربية كلف 496.800 يورو (تم إلغاؤه) وهو ما يثير العديد من الشكوك.

ما يُعاب على هذه الشركة أنها لم تعد بالنفع على الاقتصاد الفرنسي، إذ لم تدفع ولو يورو واحد على مدى عشر سنوات (ما بين 2011 و2020)، علمًا بأن المعاملات المالية الإجمالية لهذا المكتب بلغت 329 مليون يورو بما في ذلك 5% في القطاع العام في 2020 فيما بلغ عدد الموظفين 600 موظف.

تنفي الشركة هروبها من دفع الضرائب وتؤكد احترامها جميع القواعد الضريبية والاجتماعية المعمول بها في فرنسا، إلا أن ذلك لم يمنع مجلس الشيوخ الفرنسي من رفع دعوى قضائية في 25 فبراير/شباط ضدها بتهمة "التشكيك في شهادة التزوير".

التدخل في مسائل داخلية حساسة

فضلًا عن السماح للشركة بالتهرب الضريبي وعدم متابعتها، تُتهم حكومة ماكرون أيضًا بالسماح للمجموعة الأمريكية بالتدخل في ملفات عديدة حساسة في فرنسا يُمنع أن يطلع عليها أي أحد نظرًا لخصوصيتها.

من ذلك تحكم الشركة شبه الكلي في إدارة حملة التطعيم ضد كوفيد 19 في فرنسا، فقد تم تفويض مجالات معينة من إستراتيجية اللقاح التي وضعتها الحكومة الفرنسية إلى شركة الاستشارات الأمريكية ماكنزي، وفقًا لتقارير إعلامية فرنسية.

فضلًا عن ذلك، قدمت ماكنزي بعض الخدمات لرئاسة الجمهورية، لكن بالمجان، ففي سنة 2018، أشرفت الشركة على تحضير المناقشات ومراقبة الامتثال للالتزامات خلال قمة تيك فور غود التي عقدت بين ماكرون وعدد كبير من عمالقة العالم الرقمي مثل غوغل وفيسبوك.

إلى جانب ذلك، قدمت الشركة الأمريكية خدمات إلى وزارة القوات المسلحة الفرنسية، وعندما نتحدث عن وزارة القوات المسلحة، يجب أن نتحدث أيضًا عن الصناعات الدفاعية، وهي إحدى القضايا الرئيسية في اقتصاد فرنسا وإستراتيجية الدولة، خاصة في أوقات الأزمات.

علاقات كبيرة بين ماكرون وماكنزي

يعود أول اجتماع بين ماكرون وأعضاء من الشركة الأمريكية إلى سنة 2007، ففي تلك السنة انعقد اجتماع جمع إريك لاباي، المكلف، حينها، بتطوير مركز الشركة في باريس مع 350 شريكًا، مع إيمانويل ماكرون، الذي كان، عندئذ، يشارك فيما كان يعرف حينها بـ"لجنة أتالي" التي أسسها الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي لـ"تحرير النمو الفرنسي".

وتنقل مجلة "ماريان" الفرنسية عن الاقتصادي الفرنسي ورئيس اللجنة جاك أتالي قوله: "من أجل دعمنا، ومن منطلق الرغبة في الصالح العام، وضعت شركتا "ماكنزي" و"أكسونتور" تحت تصرفنا ثلاثة أو أربعة موظفين"، وكان ماكرون قد صاغ بشكل خاص مع كريم تاج الدين، الرئيس المشارك الحاليّ لنشاط القطاع العام في مكتب "ماكنزي"، 316 اقتراحًا "حياديًا وغير منتمٍ إلى أي إيديولوجيا سياسية".

دعمت شركة الاستشارات الأمريكية إيمانويل ماكرون حتى قبل توليه رئاسة البلاد وتدخلت في العديد من الملفات الحساسة

تقول "ماريان" إن برنامج ماكرون خلال حملته الانتخابية لسنة 2017 كان مستوحى من توصيات وعمل "لجنة أتالي"، وتشير المجلة، إلى أن ماكرون تبنى، بشكل أساسي، ملاحظة قدمتها "ماكنزي" عام 2012 تقترح أن تقوم الدولة بـ"تحسين" تكلفة العمالة من خلال ما وصفته "ماكنزي" المرونة في سياسات التشغيل والتسريح.

بعد فوز ماكرون بالانتخابات سرعان ما طورت الشركة عملها في فرنسا، فأصبحت تعمل مع كبرى الشركات الفرنسية مثل "طومسون-هيوستن" و"رون بولينك" و"لافارج" و"بيشيني" و"كريدي ليونيه" و"إلف إراب" و"لوريال" و"رينو" و"أوسينور" و"إير فرانس"، بالإضافة إلى وزارات عديدة.

تأثير القضية على حظوظ ماكرون

حتى كتابة هذه الأسطر، يبدو أن طريق ماكرون مفتوح للوصول للدور الثاني من الانتخابات الرئاسية المقررة يوم 10 أبريل/نيسان الحاليّ، لكن من المتوقع أن توثر هذه القضية على حظوظه، خاصة أن استطلاعات الرأي أظهرت أن عددًا مهمًا من الفرنسيين لم يحسموا أمرهم بعد بخصوص مرشحهم المفضل في الانتخابات.

وأظهر آخر استطلاع للرأي أعده مركز "IFOP" أن تقدم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على منافسته مارين لوبان بدأ بالتقلص، وبلغت نسبة تأييد ماكرون 27%، بعد أن كانت 29.5% في استطلاع مماثل أجري قبل أسبوعين، فيما احتلت لوبان المركز الثاني بنسبة 22%، بزيادة 3.5 نقطة.

بالرجوع إلى التحقيقات التي حصلت في الموضوع نلاحظ وجود علاقة كبيرة بين ماكرون وشركة "ماكنزي" الأمريكية، فوفقًا ليومية "لوموند" فإن عددًا كبيرًا من المستشارين الذين كانوا يعملون في "ماكنزي" شاركوا مجانًا في حملة ماكرون الانتخابية في 2017.

بعد فوز ماكرون بالانتخابات الرئاسية، تم تعيينهم في مناصب إدارية وحكومية عدة، على غرار كريم تاج الدين وأريان كومورن وماثيو موكورت، وجميعهم أصبح لهم تأثير كبير في وضع سياسات الحكومة الفرنسية.

يُتهم ماكرون بمحاباة الشركة الأمريكية للحصول على عقود أكثر خلال فترة ولايته الرئاسية، مقارنة بالآخرين، كتعويض عن الدور الذي لعبه بعض مستشاريها خلال حملة ماكرون الانتخابية وحتى قبلها في أثناء شغله منصب وزير الاقتصاد.

خلاصة القول، يتبين دعمت شركة الاستشارات الأمريكية القوية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حتى قبل توليه رئاسة البلاد وتدخلها في العديد من الملفات الحساسة، لكن هل يؤثر ذلك فعليًا على حظوظه أم لا، سنعرف الإجابة السبت القادم.