تتّجه أنظار العالم صوب مدينة إسطنبول، التي تحتضن مباحثات السلام بين وفدَي روسيا وأوكرانيا بعد أكثر من شهر من الصراع الدامي، والتي تأتي محصلة لجهود تركيا التي سعت منذ بداية الحرب إلى دعوة طرفَي الصراع إلى طاولة الحوار.

غير أن تركيا في المقابل كان لها دور آخر في التأثير على سير المعارك على الأرض، من خلال طائرات "بيرقدار" التي لعبت دورًا هامًّا في استراتيجية الاستنزاف التي تتّبعها أوكرانيا، ما حمل مجلة "تايم" الأمريكية على وصفها بالسلاح السرّي للجيش الأوكراني.

يفتح التبايُن في الموقف التركي المجالَ للتساؤل عن طبيعة علاقة أنقرة بموسكو وكييف، ونظرتها الجيوسياسية إلى الحرب، وإذا ما كانت هناك حسابات ومآرب أخرى تصبو إلى تحقيقها من خلال المباحثات تذهب إلى ما هو أبعد من صناعة السلام.

معضلة العلاقات التركية الروسية

خلال السنوات الماضية شهدت العلاقات التركية الروسية فترات من المد والجزر في أحيان والازدواجية في أحيان أخرى، ما يجعلها بالغة التعقيد، حيث تلتقي مصالح أنقرة وموسكو في العديد من الملفات الاقتصادية والأمنية.

إذ تستورد تركيا أكثر من ثلثي احتياجاتها من موارد الطاقة من روسيا، في الوقت الذي تمنح فيه لروسيا منفذًا لتصدير الغاز، وعلى صعيد آخر يشكّل الروس أكثر من ربع إجمالي السياح الوافدين إلى تركيا، بينما تعدّ روسيا سوقًا نشطًا للصادرات الزراعية التركية.

اقترن تقارب أنقرة مع موسكو بتوتر علاقتها مع واشنطن، بسبب ما تنظر إليه على أنه تهديد مباشر لأمنها القومي، حيث تدعم الولايات المتحدة المقاتلين الأكراد في شمال سوريا الذين ترى فيهم تركيا تهديدًا لوحدة أراضيها، وازداد الطين بلة بعد اتهام وزير الدفاع التركي لأمريكا بتدبير محاولة الانقلاب على الرئيس أردوغان عام 2016.

بدا أن تركيا تبحث في روسيا عن حليف استراتيجي يمكن أن يعوِّض الولايات المتحدة وحلف الناتو، وتجلّى ذلك بعد توقيع الطرفين عام 2017 صفقة تزويد تركيا بمنظومة بطاريات إس-400، ما عدّته واشنطن تهديدًا مباشرًا بنصب صواريخ روسية على أرض تحلق عليها طائرات الناتو، خاصة أن تركيا في حينها كانت ضمن برنامج تصنيع وتشغيل طائرات إف-35، ما قد يمنح الروس فرصةً لمعرفة آلية عمل الطائرة النفاثة أمريكية المنشأ.

يبدو انفصال تركيا عن الناتو أمرًا مستبعدًا، ما يعني أن التقارب مع النظير الروسي في جوهره خطوة تكتيكية للاستجابة لتهديد طارئ

في المقابل، اتّسمت العلاقات التركية الروسية بالازدواجية بين التعاون المعلَن والخلاف المبطَن، ففي الوقت الذي كان فيه الرئيسان أردوغان وبوتين يلتقيان في قمة سوتشي، كانت القوات التركية تشنّ هجومًا في إدلب ضد قوات الأسد المدعوم روسيًّا.

وعلى المنوال نفسه يحتدم التنافس التركي الروسي في مناطق الصراع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والقوقاز التي تدعم فيها الدولتان أطرافًا متناقضة، ويتراوح الخلاف بين تباين المواقف الدبلوماسية مرورًا بحروب الوكالة، وحتى التدخل العسكري في بعض الأحيان.

يحدّ التباين الشديد بين الحليفَين المحتملَين من فرص ارتقاء تقاربهما إلى مرتبة الحلف الاستراتيجي، ويجعلهما -في ملفات مختلفة- مصدر تهديد متبادل.

فبتقييم الموقف التركي بين روسيا والناتو وفق مبدأ توازن التهديد (Balance of Threat)، والذي ينص على أن الدول تتحالف ضد مصدر التهديد الأكبر وفق معايير فارق القوة، القرب الجغرافي لمصدر التهديد، وخطور/ جدّية التهديد؛ فإن روسيا -بسبب القرب الجغرافي- تمثّل تهديدًا أكبر لتركيا من الناتو الذي يعدّ -وفق هذا الميزان- الحليف الأقرب.

تتطابق المعطيات التاريخية مع نتائج الفرضية، فيحفظ التاريخ خوض الدولتين 12 حربًا في الفترة ما بين عام 1568 والحرب العالمية الأولى عام 1914 -أي بمعدل حرب كل 29 عامًا تقريبًا-، وطوال هذه الفترة كان التهديد الروسي عنصرًا حاسمًا في رسم خارطة تحالفات تركيا، على غرار التحالف مع بريطانيا وفرنسا في حرب القرم، وألمانيا في الحرب العالمية الأولى، والناتو في الحرب الباردة.

وعليه يبدو انفصال تركيا عن الناتو أمرًا مستبعدًا، ما يعني أن التقارب مع النظير الروسي في جوهره خطوة تكتيكية للاستجابة لتهديد طارئ، وربما ورقة ضغط يستخدمها أردوغان ضد الناتو والولايات المتحدة على وجه الخصوص.

فأردوغان من ناحية يسعى إلى انتزاع امتيازات إضافية تتناسب مع مساهمة تركيا في الحلف، ومن ناحية أخرى يصبو إلى إيصال رسالة قوية مفادها أن تركيا أيضاً تستطيع الإضرار بمصالح واشنطن الاستراتيجية، في حال ظلت الأخيرة متمسّكة بمواقفها تجاه المصالح التركية.

الميزان الأوكراني

وحدها الخرائط تحكي القصة الحقيقية -كما يشير المؤرخ فرناند بروديل-، والتي تظهر المعضلة الأمنية (Security Dilemma) بين تركيا وروسيا وأهمية أوكرانيا في حسابات أنقرة لتوازن القوى في البحر الأسود.

في الوقت الذي كانت فيه السلطنة العثمانية وروسيا القيصرية قطبَين كبيرَين في النظام الدولي، كان طبيعيًّا أن تتحول الأقاليم المائية والبرّية الفاصلة والواصلة بينهما إلى مناطق نزاع. 

بالنسبة إلى تركيا -السلطنة العثمانية حينها-، كان توازن القوة مع روسيا في البحر الأسود مفتاح ازدهار وانهيار الإمبراطورية، فيعزو جمع من المؤرِّخين انهيار الدولة العلية إلى خسارة الحرب أمام روسيا القيصرية عام 1774، وما تضمّنته معاهدة "كيتشوك كاينارجي" من سقوط شبه جزيرة القرم وتعاظم الحضور الروسي في البحر الأسود.

ظهور الجمهورية التركية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وترسيم حدودها الجديدة في معاهدة لوزان عام 1923، أحال البحر الأسود إلى ميدان التنافس الأكبر بينها وروسيا، لا سيما مع ضمّ جمهورية أوكرانيا الاشتراكية إلى الاتحاد السوفيتي في العام ذاته.

في منتصف الأربعينيات، وبعد اتّساع نفوذه وحضوره العسكري في كل من رومانيا وبلغاريا، أصبح الاتحاد السوفيتي القوة الأكبر في البحر الأسود، ما دفعه عام 1952 إلى مطالبة تركيا بمدينة قارص شرق الأناضول وامتيازات العبور في مضيقَي البوسفور والدردنيل، ما دفع الأخيرة للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، وأُعيد تدوير عجلة المعضلة الأمنية التركية الروسية، فغدا كل تحرك لإحدى الدولتين في البحر الأسود تهديدًا أمنيًّا مباشرًا للأخرى وجزءًا من حسابات أمنها القومي.

خلق انهيار الاتحاد السوفيتي فراغًا جيوسياسيًّا أعطى لتركيا فرصة تاريخية للعب دور أكبر في البحر الأسود، وإعادة ضبط كفة ميزان القوة فيه، لا سيما مع استقلال أوكرانيا التي شكّلت كيانًا حاجزًا يحول دون وصول روسيا إلى البلقان ويحدّ من نفوذها في البحر الأسود، فكان بديهيًّا أن تكون أنقرة في طليعة الدول التي اعترفت بأوكرانيا، وسعت إلى تجسير العلاقات معها وتوقيع جملة من بروتوكولات التعاون في الجوانب الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية عام 1992.

مع بدء العمليات العسكرية الروسية على الأراضي الأوكرانية اتخذت أنقرة موقفًا متحفظًا، فرغم محاولتها المبكرة للدخول كطرف لحلّ النزاع، لم تغب الإدانات للحراك الروسي عن تصريحات المسؤولين الأتراك

على المنوال نفسه، ومنذ تولّيه دفة الحكم في تركيا، حرص حزب العدالة والتنمية على تنمية العلاقات مع أوكرانيا، فكانت زيارة الرئيس أردوغان -رئيس الوزراء حينها- إلى كييف عام 2004، والتي أسفرت عن توقيع خطة عمل مشتركة.

غير أن العلاقات شهدت قفزة ملحوظة بعد غزو روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014، والذي أعطى لموسكو السيطرة على ميناء سيفاستوبول الاستراتيجي، ودقّ ناقوس الخطر في أنقرة تحت وطأة ذكريات "كيتشوك كاينارجي".

بالإضافة إلى الرفض المعلَن للغزو الروسي، سعى الرئيس أردوغان إلى تعزيز الموقف الأوكراني -التركي من الناحية الأخرى- عبر دعم ملف انضمام أوكرانيا إلى الناتو، وتقديم الدعم العسكري المباشر بتوقيع صفقة شراء طائرات "بيرقدار" المسيَّرة، والتي أثبتت نجاعتها ضد حلفاء موسكو في ليبيا والقوقاز.

وبالفعل شرعت كييف باستخدام الطائرات لضرب الانفصاليين المدعومين من روسيا في الدونباس، ما أثار حفيظة الرئيس بوتين ووزير خارجيته لافروف، ودفعهما إلى انتقاد تركيا ودعوتها إلى مراجعة سياستها.

لم يقتصر الدعم التركي لأوكرانيا على الجوانب العسكرية والسياسية وحسب، بل تخطّاها إلى محاولة زعزعة النفوذ الجيوثقافي لروسيا في أوكرانيا، فدعمَ الرئيس أردوغان مساعي كييف في الانفصال عن الكنيسة الروسية وتأسيس كنيسة أرثوذكسية موحّدة للبلاد.

كما أصدر بطريريك القسطنطينية المسكوني برثلماوس الأول -ومقرّه إسطنبول- مرسومًا بالاعتراف بالكنيسة الأوكرانية عام 2018، ما نجم عنه غضب روسي شديد لما وصفته الكنيسة الروسية بأكبر انفصال للمسيحية منذ 1000 عام، وردّت عليه بقطع علاقاتها مع القسطنطينية، وفي عام 2019، وعلى خلفية زيارته لتركيا، تمَّ الترتيب لاجتماع بين الرئيس الأوكراني وبطريريك القسطنطينية، لكن دون أن يتمَّ التوقيع على البيان المشترك.

مع بدء العمليات العسكرية الروسية على الأراضي الأوكرانية اتخذت أنقرة موقفًا متحفّظًا، فرغم محاولتها المبكرة للدخول كطرف لحلّ النزاع، لم تغب الإدانات للحراك الروسي عن تصريحات المسؤولين الأتراك، ولم تغب معها المصلحة التركية في إيقاف تمدُّد النفوذ الروسي والمطالبة الملحّة بردّة فعل دولية لإيقافه، فانتقد أردوغان حلفاءه في الناتو واصفًا مواقفهم بالمترددة والخرقاء، وهو ما يجلي أهمية أوكرانيا في اللعبة الجيوسياسية التركية الروسية والمعضلة الأمنية فيما بينهما.

ما وراء السلام

تربط تركيا وروسيا علاقة متعددة الأبعاد، وتلتقي خطوط مصالحهما في ملفات الاقتصاد والطاقة وبعض القضايا الأمنية المشتركة، غير أنه من الصعب وصف العلاقة بالاستراتيجية، حيث تتضارب مصالحهما في عدة صراعات تدعمان فيها أطراف متناقضة، كما تقفان على كفّتَي ميزان القوة في البحر الأسود الذي شكّل حلبة تنافس تاريخية فيما بينهما.

بالنظر إلى أوكرانيا، فقد مثلت منذ استقلالها كيانًا حاجزًا وحليفًا مهمًّا لتركيا لموازنة التهديد الروسي في البحر الأسود، وعليه تخشى أنقرة في الحرب أن تنجح موسكو في خلق واقع جديد وتوازن قوى يعيد الوضع الإقليمي في البحر الأسود إلى ما قبل سقوط الاتحاد السوفيتي، في وقت تشهد فيه علاقتها بالناتو حالة من التوتر.

وفي الوقت الذي تنتهي فيه الحروب بتوقيع اتفاقيات سلام وفق موازين القوة على الأرض، فإن تركيا بالتأكيد ستكون حريصة أن يكون السلام الوليد غير مهدِّد لمصالحها.

ختامًا.. يمكن استقراء هدفَين تسعى أنقرة إلى تحقيقهما من مفاوضات إسطنبول، يتمثّل الأول في إيقاف التمدد الروسي والخروج بأقل الأضرار الممكنة على الصعيد الجيوسياسي، بينما يكمن الهدف الثاني في محاولة صياغة واقع ما بعد السلام بإيجاد أرض مشتركة بين طرفَي الحرب ولتركيا كطرف ثالث.