تأتي الجولة الإقليمية التي يقوم بها رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، والتي تشمل السعودية وإيران، في ضوء حراك إقليمي متصاعد بدأت تشهده منطقة الشرق الأوسط قبل الزيارة المرتقبة للرئيس الأمريكي جو بايدن لفترة 13-16 يوليو/ تموز المقبل.

وما لا شكّ فيه أن الكاظمي يدرك جيدًا أهمية الحفاظ على حالة الوفاق السعودي الإيراني، بعد 5 جولات حوارية احتضنتها العاصمة بغداد في الفترة الماضية، وألّا يكون هناك أي انعكاسات سلبية لأي مقررات قد تخرج عنها قمة الرياض المرتقبة، خصوصًا أن الكاظمي يحاول اليوم النأي بالعراق عن أي استحقاقات مستقبلية في ضوء الأزمة السياسية التي يعيشها العراق اليوم.

إذ يواجه الكاظمي اليوم تحديات كبيرة من قبل قوى الإطار التنسيقي الشيعي، التي أصبحت تمتلك أغلبية برلمانية مريحة، بعد استحواذها على أغلب مقاعد نواب الكتلة الصدرية المنسحبة من البرلمان، فقبل زيارته للسعودية اجتمعت قوى الإطار مع الكاظمي محذّرة إياه من أي التزامات سياسية يمكن أن يقدم عليها في حال مشاركته في القمة المرتقبة.

كما لوّحت بإمكانية محاسبته برلمانيًّا فيما لو أقدمَ على أي خطوة دون التشاور معها، محذّرة إياه بأن حكومته لا تمتلك الصفة الدستورية الكاملة للدخول في أي التزامات أو اتفاقات دولية دون الرجوع لمجلس النواب، وعلى ما يبدو لا تريد قوى الإطار خسارة الدعم الإيراني في المرحلة المقبلة، وتحديدًا بعد تصاعد الخلافات بين أقطاب قوى الإطار حول شكل الحكومة المقبلة ومن يرأسها.

يريد الكاظمي ترسيخ قناعة مهمة لدى المسؤولين السعوديين والإيرانيين، بأن عملية التوازن بين الرغبات الإيرانية والمخاوف السعودية لا يمكن لأي رئيس وزراء مقبل القيام بها دونه

فخلال جولته الإقليمية الحالية، يحاول الكاظمي الحصول على حصانة إقليمية وتقديم نفسه لدول الإقليم، تحديدًا السعودية وإيران، بأنه الشخصية الأبرز للحفاظ على التوازنات في العراق، فبعد انسحاب زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر من العملية السياسية، وتعثُّر المفاوضات بين قوى الإطار والكتلة الكردية والسنّية، لم يعد هناك من ضامن لاستمرار التوافق السعودي الإيراني في العراق، دون أن تكون هناك شخصية يمكن التعويل عليها.

يريد الكاظمي ترسيخ قناعة مهمة لدى المسؤولين السعوديين والإيرانيين، بأن عملية التوازن بين الرغبات الإيرانية والمخاوف السعودية لا يمكن لأي رئيس وزراء مقبل القيام بها دونه، فرغم الترشيحات التي بدأت تظهر تباعًا من داخل غرف قوى الإطار، حول اسم رئيس الوزراء المقبل، ليست هناك شخصية قادرة على الحصول على الدعم العربي والإقليمي، تحديدًا الأردن ومصر وتركيا والسعودية والإمارات، أكثر من الكاظمي.

ويسعى الكاظمي من خلال هذه الخطوة إقناع إيران أيضًا بالضغط على قوى الإطار التخلي عن ترشيحاتهم، والتفكير بموضوع التجديد له مرة أخرى، رغم رفض أغلب قوى الإطار لهذه الفكرة.

وفي هذا الإطار أيضًا يبرز الدور الإيراني والسعودي على مستوى الكتل الأخرى، وتحديدًا الكتلة الكردية والسنّية التي دخلت مؤخرًا في محادثات مع قوى الإطار لتشكيل الحكومة المقبلة، إذ يبرز الدور السعودي في إمكانية إقناع الكتلتَين بالتجديد للكاظمي، مستثمرةً في ذلك علاقاتها الجيدة مع تركيا والإمارات اللتين نجحتا في دفعهما للتموضع مع التيار الصدري مشكّلين تحالفًا ثلاثيًّا، إلا أنه لم يُكتب له الاستمرار بعد انسحاب الصدر مؤخرًا.

ابن سلمان والكاظمي

حراك إقليمي ودولي متسارع

شهدت المنطقة في الأيام الماضية حراكًا متسارعًا يأتي بالتوافق مع زيارة الكاظمي لكل من السعودية وإيران، فقبل زيارة الكاظمي كانت هناك جولة إقليمية قام بها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، شملت مصر والأردن وتركيا، إلى جانب زيارة رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد للأردن.

وقبل زيارة الكاظمي بساعات إلى طهران، زارَ منسق السياسات الأوروبية، جوزيف بوريل، إيران، والتقى مع الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي في إيران الجنرال علي شمخاني، وتمَّ الاتفاق على موعد جديد لاستئناف المحادثات النووية بين إيران والقوى الكبرى في فيينا، بعد أن توقّفت في مارس/ آذار الماضي بسبب الإصرار الإيراني على عدم السماح لمفتّشي الوكالة الدولية للطاقة الذرّية بالوصول لأشرطة التسجيلات الخاصة بالمفاعلات النووية.

يدرك الكاظمي أن الحفاظ على سياسة الحياد هو أفضل ما تتمنّاه الدول العربية، تحديدًا السعودية

وفيما يتعلق بالسياق العراقي، يدرك الكاظمي أن زيارة بايدن المرتقبة للمنطقة ستحمل رؤية أمريكية للتعامل مع إيران، في حال فشلت المحادثات النووية مرة أخرى، كما أن تصريحات ملك الأردن عبد الله الثاني في مقابلة له مع قناة "سي إن بي سي" الأمريكية يوم السبت الماضي، تدعم ولادة تحالف عسكري في الشرق الأوسط على غرار حلف الشمال الأطلسي، والسعي الإسرائيلي لدفع مسار التطبيع مع دول الخليج على شكل مظلة أمنية تشمل الجميع للوقوف بوجه التهديدات الإيرانية، تجعل الكاظمي يفكّر مليًّا بأنه الحلقة الأضعف في المعادلة الإقليمية الحالية، خصوصًا أن العراق سيكون ساحة مرشحة لأي ردّ فعل إيراني على الترتيبات الإقليمية الجديدة.

إن خشية الكاظمي الرئيسية نابعة من الجانب الإيراني، فهو في زيارته الحالية لطهران يحاول على ما يبدو أن يشرح للجانب الإيراني الضرورات العراقية وراء الاشتراك في قمة الرياض المرتقبة، كما أنه يحاول إفهام الجانب الإيراني أن العراق لن يكون مع أي محور بالضدّ من المحور الآخر.

حيث يدرك الكاظمي أن الحفاظ على سياسة الحياد هو أفضل ما تتمنّاه الدول العربية، تحديدًا السعودية التي على ما يبدو بدأت تعوّل على زيارة بايدن المرتقبة، في إعطائها دعمًا سياسيًّا وعسكريًّا بالضدّ من إيران، والمراهنة على نجاح الجانب الإسرائيلي في نقل المعركة إلى الداخل الإيراني، واستنزاف إيران عسكريًّا واستخباراتيًّا، والتموضع التركي الجديد معها لموازنة الدور الإيراني في العراق وسوريا، دون أن تُجبَر على الانخراط المباشر في تصعيد مع إيران في أي ساحة ومنها العراق، وكذلك توفِّر فرصة لإنجاح مهمة الكاظمي في الحصول على ولاية ثانية بدعم ورضا إيرانيَّين واضحَين.