يأمل ماكرون في إقناع الجزائريين بمضاعفة إمدادات الغاز نحو أوروبا.

يزور الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، اليوم الخميس، الجزائر، في ثاني زيارة رسمية له لهذا البلد العربي، ومن المنتظر أن يركّز ماكرون في هذه الزيارة على ملف الطاقة، خاصة أن شتاءً باردًا على الأبواب في ظل تواصُل الحرب الروسية الأوكرانية، دون أن يغفل الملف الأمني وتطورات الوضع في منطقة الساحل والصحراء، فضلًا عن بعض الملفات الثنائية الأخرى.

زيارة متأخرة

تأتي زيارة ماكرون للجزائر استجابةً لدعوة من نظيره الجزائري، عبد المجيد تبون، لزيارة بلاده في فترة 25-27 أغسطس/ آب، وفي 25 أبريل/ نيسان الماضي وجّه تبون تهنئة لماكرون بمناسبة إعادة انتخابه لولاية ثانية ودعاه لزيارة الجزائر، قائلًا: "لنطلق سوية ديناميكية تدفع إلى التقدم في معالجة ملفات كبرى".

إلا أن هذه الزيارة تُعتبر متأخرة وفق الخبير في الشأن الاقتصادي والأستاذ في الجامعة الجزائرية، مراد كواشي، ويرى كواشي أن ماكرون تأخر في الاستجابة لدعوة تبون، وأن التغييرات الحاصلة على المستوى الدولي والإقليمي هي ما دفعه لهذه الزيارة.

يقول مراد كواشي في حديثه مع "نون بوست"، إن الهدف من الزيارة "فتح فرنسا صفحة جديدة مع الجزائر، بعد الخسائر التي مُنيت بها باريس في السنوات الأخيرة، وتزحزح مكانتها في الجزائر لفائدة قوى إقليمية أخرى على غرار روسيا والصين وتركيا وإيطاليا".

يأمل ماكرون من خلال هذه الزيارة إعادة العلاقات السياسية والاقتصادية مع الجزائر إلى طبيعتها.

يضيف محدّثنا: "تخسر فرنسا الكثير نتيجة خسارتها في الجزائر التي تعدّ البوابة الأبرز نحو أفريقيا، إذ خسرت على المستوى الاقتصادي وتراجعت معاملاتها التجارية مع الجزائر، وخسرت أيضًا على المستوى الأمني وتضاءلَ نفوذها الاستراتيجي في جنوب الصحراء".

تراجُع مكانة فرنسا في الجزائر جاء نتيجة التوترات السياسية بين البلدَين والإساءة الفرنسية للجزائر، وفق كواشي، وعرفت العلاقات الثنائية في السنوات الأخيرة تراجعًا كبيرًا ظهرت مؤشراته في العديد من القرارات والتحركات من هذا الطرف وذاك.

بداية التوتر كانت إثر تشديد فرنسا، في سبتمبر/ أيلول الماضي، شروط منح تأشيرات الدخول للجزائريين، بذريعة عدم تعاون الجزائر في إعادة مهاجريها غير النظاميين، بعدها بيوم استدعت الخارجية الجزائرية سفير فرنسا فرانسوا غويات.

 

في الشهر نفسه، شكّك ماكرون خلال لقاء له مع مجموعة من أحفاد "حركي" (عملاء جزائريون عملوا مع فرنسا) في وجود أمّة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي للبلاد عام 1830، كما اتّهم النظام الجزائري باستغلال ملف الذاكرة لأغراض سياسية.

الردّ الجزائري كان سريعًا، إذ قام نظام تبون باستدعاء سفيره لدى باريس، محمد عنتر داود، للتشاور (عاد إلى منصبه في يناير/ كانون الثاني الماضي)، كما حظرت السلطات الجزائرية على الطائرات الحربية الفرنسية التحليق في أجوائها، فضلًا عن توالي قرارات إنهاء التعامل باللغة الفرنسية في عدة قطاعات حكومية.

لكن من المهم التأكيد أن الاستفزازات الفرنسية لم تبدأ مع ملف التأشيرات، فقد سبقتها استفزازات أخرى، خاصة مع انتخاب عبد المجيد تبون على رأس الدولة الجزائرية، إذ عمدت باريس على تجاهل انتخابه والتعامل مع الأمر ببرودة.

رأب الصدع

كان ظنّ الفرنسيين أن الجزائر ستصمت، خاصة أنها تعيش على وقع حراك شعبي ومزاج سياسي متحرك، إلا أن ردة الفعل الرسمية والشعبية قد فاجأت سلطات باريس، وأجبرتها على إعادة التفكير مرة أخرى في طبيعة علاقتها مع الجزائر.

ويأمل ماكرون من خلال هذه الزيارة إعادة العلاقات السياسية والاقتصادية مع الجزائر إلى طبيعتها، فهو على يقين أن النفوذ الفرنسي بالجزائر بدأ يتزعزع، لا سيما بعد رحيل عبد العزيز بوتفليقة من قصر المرادية، وارتفاع أصوات الجزائريين الرافضين لفرنسا.

وتبلغ الاستثمارات الفرنسية المباشرة في الجزائر 2.5 مليار دولار حتى نهاية عام 2017، حسب بيانات الوكالة الجزائرية لتطوير الاستثمار، إلا أنها في السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا كبيرًا لفائدة الصين وروسيا وتركيا وإيطاليا، ومن شأن خسارة السوق الجزائري أن تؤثّر سلبًا على الاقتصاد الفرنسي.

تبلغ احتياطات الجزائر المثبّتة من الغاز الطبيعي نحو 2400 مليار متر مكعب، وهو رقم ضخم.

لا تقتصر خسارة فرنسا على الجانب الاقتصادي فقط، وإنما على الجانب الأمني والعسكري أيضًا، ذلك أن توتر العلاقات مع الجزائر أثّر على العمليات العسكرية والأمنية الغربية في منطقة الساحل والصحراء الأفريقية، وأثّر أيضًا على "المجهودات" الغربية في التصدي للهجرة غير النظامية.

ويرى الناشط السياسي حمزة خروبي أنه يمكن اعتبار "الزيارة كتصحيح لخطيئة ماكرون السياسية التي تسبّبت في توتر العلاقات بين البلدَين، خاصة إن واصل تطبيق الالتزامات التي سبق أن أطلقها، والتي من بينها التزامه بمواصلة عملية الاعتراف بالحقيقة والمصالحة لذاكرتَي الشعبَين الجزائري والفرنسي".

ملف الغاز

فضلًا عن إعادة ترتيب العلاقات بين البلدَين وإحياء النفوذ والمكانة الفرنسيَّين في الجزائر، سيكون ملف الغاز على طاولة المحادثات الفرنسية الجزائرية، فباريس تسعى للاستفادة من الغاز الجزائري قبيل الشتاء القادم، الذي سيكون باردًا وقاسيًا على الأوروبيين، خاصة فرنسا وألمانيا، وفق مراد كواشي.

بدوره، يؤكد حمزة الخروبي أن الزيارة ستركّز على ملف الغاز، وسيعمل ماكرون خلالها على توقيع عقود جديدة تضمن لبلاده كمّيات إضافية من الغاز الجزائري، في ظل عجز الغرب عن إيجاد بديل واضح للغاز الروسي.

يرى ماكرون أن الجزائر يمكن أن تكون الوجهة المثلى للأوروبيين كبديل عن الروس، بحكم قربها الجغرافي من أوروبا، وتُعتبر هذه الدولة العربية عاشر أكبر منتِج للغاز في العالم، كما أنها تحتل المرتبة الثالثة بين مصدّري الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، إذ تصدّر لإيطاليا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال وألمانيا.

 

تبلغ احتياطات الجزائر المثبّتة من الغاز الطبيعي نحو 2400 مليار متر مكعب، وهو رقم ضخم، وتمدّ الدولة العربية الغاز إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب العابرة للبحر الأبيض المتوسط وفي ناقلات الغاز الطبيعي المسال.

تمتلك الجزائر عشرات المشاريع التي تتوقع الحكومة أن تدرَّ إنتاجًا جديدًا وتساهم في استقرار تدفق صادرات الغاز إلى أوروبا، فهي قادرة على رفع قدرتها الإنتاجية لتلبية حاجات إضافية، لكنها تعاني من مشاكل النقل، ما يكبحها عن أداء الدور الذي يريده الأوروبيون.

المصالحة بين الجزائر وإسبانيا والمغرب

جهود ماكرون لإقناع الجزائريين بمضاعفة إمدادات الغاز نحو أوروبا، تطلب منه إقناع الجانب الجزائري بضرورة المصالحة مع المغرب وإسبانيا، ورغم أن الظروف ليست مواتية بعد للمصالحة، فإن ماكرون سيطرح وساطة بلاده لحلّ هذه الأزمة، خدمةً للمصالح الأوروبية.

وشهدت العلاقات الجزائرية الإسبانية مؤخرًا توترًا كبيرًا، أشعله تغيير مدريد موقفها تجاه قضية الصحراء الغربية وتأييدها للطرح المغربي لحلّ النزاع هناك، ما أثار حفيظة الجزائر ودفعها إلى قطع العلاقات مع إسبانيا واستهدافها ببعض العقوبات.

كما عرفت العلاقات الجزائرية المغربية توترًا عقب التطبيع المغربي مع الكيان الصهيوني نهاية عام 2020، ووصل الآن حد قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغسطس/ آب 2021، وتبادُل الاتهامات بين الطرفَين.

سيلعب الرئيس الفرنسي على وتر الاهتمام الجزائري الكبير بعودة الاستقرار إلى منطقة الساحل والصحراء.

ترى باريس ضرورة حل هذه الخلافات لضمان تدفُّق الغاز الجزائري إلى أوروبا، ذلك أن الجزائر أوقفت العمل بأنبوب الغاز الذي يمرّ من المغرب وصولًا إلى إسبانيا ومن ثم باقي الدول الأوروبية، ما أحدث ارتباكًا في عملية تزويد الأوروبيين بالغاز.

من جهتها، لا ترى الجزائر وجود أي داعٍ للمصالحة حاليًّا، ذلك أن أسباب الأزمة ما زالت قائمة مع الجانبَين، إذ لم يقدِّم أي من المغرب أو إسبانيا التطمينات التي طلبتها السلطات الجزائرية، لذلك إن الجهود الفرنسية مآلها الفشل.

منطقة الساحل على الخط

فضلًا عن هذه الملفات، سيكون ملف التطورات الأمنية في منطقة الساحل والصحراء الأفريقية على طاولة المحادثات أيضًا، فبالتوازي مع انسحابها العسكري من مالي وإعادة تمركزها في النيجر وباقي دول المنطقة، تأمل فرنسا في أن تساعدها الجزائر في ذلك.

يسعى ماكرون لاستغلال الحضور اللافت للجزائر في المنطقة، خاصة في مالي، ومعرفتها الكبيرة بأغلب التفاصيل هناك، لتنفيذ استراتيجيته الجديدة هناك، بعد فشل الاستراتيجية الأولى وفشل باريس وحلفائها في القضاء على الإرهاب، حيث تمكّنت الجزائر من تكوين شبكات استخباراتية قوية تمنحها قراءات جيدة لما يحصل في دول المنطقة.

 

سيلعب الرئيس الفرنسي على وتر الاهتمام الجزائري الكبير بعودة الاستقرار إلى منطقة الساحل والصحراء، ذلك أن تنامي نشاط الجماعات الإرهابية وضعف التنمية هناك، من شأنهما أن يهددا استقرار وأمن الجزائر، فأغلب المسلحين الناشطين في هذا البلد العربي يأتون من دول منطقة الساحل.

وعرف الدور الفرنسي في المنطقة في السنوات الأخيرة تراجعًا كبيرًا، ظهرت مؤشراته في تنامي الغضب الشعبي ضد باريس هناك، وتتالي الاتهامات الرسمية لفرنسا برعاية الإرهاب ونشر الفوضى والعنف هناك لشرعنة وجودها وسرقة خيرات المنطقة.

يعرف ماكرون يقينًا أن مهمته صعبة في خصوص إقناع الجزائريين بزيادة إمدادات الغاز نحو أوروبا، وإقناعهم بضرورة التعاون في خصوص ملف الساحل والصحراء، إلا أنه سيعمل جاهدًا لتحقيق أي تقدُّم في كلا الملفَّين، مستخدمًا بعض الأوراق التي تمتلكها باريس، خاصة ملف التأشيرات.