مضى أسبوعان على إضراب المعلمين عن الدوام في المدارس والمراكز التعليمية التابعة لمديريات التربية في المجالس المحلية بريفي حلب الشمالي والشرقي، دون وجود مبادرات وحلول حقيقية من الجهات المعنية في القطاع التعليمي لإيقاف الإضراب عبر تحقيق مطالب المعلمين التي تهدف إلى تحسين سير العملية التعليمية بالدرجة الأولى.

عبد الرحمن الحاج عمر، معلم صف في مدرسة الشهيد أسامة بكور في مدينة مارع بريف حلب الشمالي، امتنع عن الدوام مع انطلاقة العام الدراسي الحاليّ، مثل باقي معلمي المنطقة حتى تحقيق المطالب الملحة بهدف تحسين سير العملية التعليمية وتحسين الواقع المعيشي للمعلمين.

يضطر المعلم عبد الرحمن، الحاصل على الشهادة الجامعية في كلية التربية، إلى مزاولة أعمال ومهن أخرى بغية تأمين احتياجات أسرته المعيشية، كون الراتب الذي يحصل عليه بشكل شهري من خلال عمله التعليمي لا يغطي مصاريف أيام معدودة من الشهر، كحال معظم معلمي المنطقة.

ويحصل المعلمون مع بداية كل شهر على 1100 ليرة تركية (ما يعادل 59 دولارًا أمريكيًا) لقاء عملهم التعليمي في المدارس العامة، بعد الزيادة الأخيرة على الراتب خلال شهر فبراير/شباط الماضي، التي تراوحت بين 40 و50% زيادة على المنحة لكل القطاعات والمؤسسات الرسمية في المنطقة، فقد كان راتب المعلم يبلغ آنذاك 750 ليرة تركية.

قال عبد الرحمن خلال حديثه لـ"نون بوست": "الزيادة الأخيرة على راتب المعلم غير كافية بسبب انخفاض قيمة الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي بشكل متواصل، فأصبحت الـ1100 تعادل الـ750 ليرة التي كنت أحصل عليها خلال العام الماضي، ومع ذلك فإن ارتفاع الأسعار مستمر، ما ساهم في ارتفاع تكاليف معيشة الأسرة الواحدة، ما دفعني إلى العمل في أي مهنة متاحة بهدف تغطية احتياجات أسرتي المكونة من ثلاثة أفراد".

وأضاف "المعملون غير قادرين على توفير التعليم المناسب كونهم يعملون في عمل وعملين بعد فترة الدوام بغية تحقيق احتياجات المعيشة، لذلك من الضروري الحفاظ على كرامة المعلم والاستجابة لمطالبه بهدف الحصول على تعليم مناسب للأطفال، لأن مجرد الحفاظ على كرامة المعلم ومنحه جزءًا من الاستقرار المادي يساهم في الرقي بالعملية التربوية".

صورة

حال عبد الرحمن لا يختلف عن حال أكثر من 6000 معلم ومعلمة في مناطق ريفي حلب الشمالي والشرقي، يعانون من ظروف معيشية سيئة للغاية في ظل انعدام فرص العمل وانخفاض الأجور الذي يدفعهم إلى العمل في أكثر من مهنة حرفية ويدوية في سبيل الاكتفاء المعيشي.

أهداف ومطالب المعلمين

شهدت مدن أعزاز والباب ومارع وصوران وجرابلس وأخترين، بريفي حلب الشمالي والشرقي، وقفات احتجاجية من المعلمين خلال الأيام الأولى من العام الدراسي الحاليّ، إلا أن عدم استجابة مديريات التربية والتعليم في المجالس المحلية والتربية التركية دفع المعلمين إلى الدخول في إضراب مفتوح عن الدوام حتى تحقيق المطالب.

وأقامت نقابة المعلمين السويين فرع حلب، الخميس 22 سبتمبر/أيلول الحاليّ، المؤتمر الوطني الأول للتعليم ما قبل الجامعي في المناطق المحررة على مدرج جامعة حلب، ودعت النقابة الهيئات السياسية والاجتماعية والمجالس المحلية ومديريات التربية لمناقشة الوضع التعليمي، إلا أن الحضور اقتصر على النقابات المهنية والعلمية وبعض الهيئات في ظل تجاهل متواصل.

صورة

المطالب والمقترحات التي قدمتها نقابة المعلمين السوريين الأحرار فرع حلب، وهي نقابة على مستوى محافظة حلب فيها أكثر من 5000 عضو بين معلم ومعلمة، خلال المؤتمر، تهدف إلى تحسين العملية التعليمية بالدرجة الأولى ومن بينها تحسين واقع المعلمين، بحسب رئيس النقابة محمد حميدي.

احتجاجات المعلمين في الشمال السوري

فيما يتعلق بالأمور المالية، زيادة المنحة المالية بما يتناسب مع الواقع المعيشي وتشكيل صندوق لدعم التعليم والمعلمين وتوجيه المنظمات العاملة في المنطقة لتنفيذ مشاريع تدعم العملية التعليمية وتفعيل الراتب التقاعدي للمعلمين واعتماد سلم الرواتب.

أما بما يخص اللوجستيات والدعم الفني، اعتماد اللباس المدرسي الموحد، الأمر الذي يسهم في إلغاء التفاوت الطبقي، ما يؤدي إلى تخفيف ظاهرة العنف والتنمر في المدارس، وتوفير حقائب وقرطاسية مدرسية من المنظمات لأبناء الأسر الفقيرة والعمل على تأمين الوسائل التعليمية في المدارس.

والعمل أيضًا، على تعديل المناهج ضمن المعايير الدولية وتأمين الكتب في جميع المدارس مع بداية العام الدراسي وطباعة كتب التربية الإسلامية ومادتي التاريخ والجغرافيا وإدخال مادة المعلوماتية للمرحلة الإعدادية والثانوية، مع التجهيزات اللازمة، وتوفير وتجهيز مخابر لمواد العلوم والفيزياء والكيمياء في المرحلتين الثانوية والإعدادية، إضافةً إلى ضرورة توفير وطباعة كتب النشاط (دفتر التلميذ) لما له من أثر كبير في العملية التعليمية.

وفيما يتعلق بالخطة الدراسية، زيادة حصص مادة اللغة العربية في جميع المراحل الدراسية وتخفيض نصاب المدرسين إلى 20 حصةً أسبوعيًا وكل حصة يدرسها المدرس فوق نصابه يتقاضى عليها أجرًا إضافيًا، الخطة 30 حصةً أسبوعيًا للمرحلة الابتدائية و35 حصة للمرحلتين الإعدادية والثانوية لا تتناسب مع المدارس ذات الفوجين الصباحي والمسائي.

إضافةً إلى بناء جسم تربوي موحد يضم مديريات التربية في المنطقة بما فيها مديرية الامتحانات وتفعيل دور النقابة باعتبارها الممثل الشرعي للمعلمين وإعادة تفعيل نظام الشهادة في المرحلة الإعدادية وبناء مدارس جديدة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب نتيجة الكثافة السكانية وبناء مدارس للحرف الصناعية.

تعتبر تلك المطالب والمقترحات التي قدمتها نقابة المعلمين السوريين الأحرار، مطالب جميع المعلمين كونها جاءت بناءً على دراسات أجرتها النقابة في المدارس لحل المشكلات التي تواجه المعلم وسير العملية التعليمية، إلا أنها لم تلق أي استجابة أو تعاون من مديريات التربية والجهات التي تشرف على إدارة المنطقة.

محاولات لإيقاف الإضراب دون حلول

مع دخول إضراب المعلمين أسبوعه الثالث، دون اكتراث من الجهات الرسمية المعنية في العمل التعليمي، تعرض العديد من المعلمين والمعلمات للتهديد المباشر بالفصل من التعليم، من المسؤولين في مديريات التربية كما حصل في مدينة الباب بريف حلب الشرقي، حيث أجبرت معلمات على الدوام بعد تهديدهن.

صورة
معلمون يتعرضون للتهديد بالفصل في حال لم يوقفوا الإضراب

رئيس نقابة المعلمين قال خلال حديثه لـ"نون بوست": "تعرض المعلمين في ريف حلب للتهديد المباشر من مديريات التربية بسبب الإضراب يعد أمرًا غير لائق كون هدف الإضراب تحسين سير العملية التعليمية بما فيها حياة المعلم كونه جزءًا رئيسيًا لا يمكن تجاهله، لذلك يجب عليها إيجاد الحلول للمشاكل الموجودة عوضًا عن تهديد المعلمين".

مضيفًا "الملف التعليمي فيه العديد من المشكلات، وتؤثر بشكل سلبي على العملية التعليمية، لذلك حل المشكلات الموجودة يساهم في تخفيف العبء عن العملية التعليمية، ورغم ذلك لم نتلق أي حلول من الجهات التربوية والمؤسسات الرسمية الموجودة في المنطقة وإنما تعرضنا للتهديد بالفصل، ومن حقنا كنقابة معلمين أن نرد على التهديدات بالإضراب لأنه حق مشروع في الدين والقانون ومن مسؤولية المؤسسات حل المشاكل واستدراكها وليس العكس".

ظهرت محاولات لإيقاف إضراب المعلمين في المنطقة من جهات عديدة منها المجالس المحلية التي قامت بدعوة مديري المدارس بهدف إيجاد حلول لإيقاف الإضراب، لكن المعلمين لم يستجيبوا للدعوات كونها لم تقدم صيغة الحل الحقيقية، ما دفع المجالس إلى توجيه الأعيان ووجهاء المنطقة للاجتماع مع المعلمين بشكل منفرد دون النقابة لكن لا جدوى حقيقية من المحاولات في ظل غياب الحلول.

ونتيجة تأزم إضراب المعلمين واستياء الأهالي حضر رؤساء المجالس المحلية في المنطقة ومديرو مديريات التربية اجتماعًا مع والي المنطقة ومسؤولي التربية التركية في مدينة كلس، حيث توصلت الجهات المجتمعة إلى تقديم حلول ووعود للمعلمين، من بينها منح المعلم سلة إغاثية أو قسمية مالية بقيمة 60 دولارًا أمريكيًا لمدة ثمانية أشهر.

وبدأت مديريات التربية الترويج لإيقاف الإضراب بسبب مقدرتها على إيجاد حل لمشاكل المعلمين في المنطقة، التي ستكون بشكل غير مباشر، حيث تقدم لعائلات المعلمين الدعم المناسب بعد تقييم احتياجاتهم من لجان المنظمات العاملة في المنطقة التي ستزور منازل المعلمين وتحديد من هو بحاجة، بمعنى أن ليس كل المعلمين سيحصلون على دعم المنظمة.

يعد القطاع التعليمي من القطاعات التي ساءت إدارتها خلال السنوات الأخيرة، نتيجة عدم قدرة الجهات المحلية على تحمل مسؤولياتها الإدارية

وأوضح حميدي، أن من اطلع على توصيف نقابة المعلمين للواقع التعليمي يدرك تمامًا بأن 70% من المشاكل تتعلق بالطالب و5% تتعلق براتب المعلم و25% تتعلق بالمدارس والأثاث والتجهيزات والمناهج والكتب والخطة الدراسية ووحدة مرجعية التعليم، لذلك هل ستحل السلة الإغاثية مشكلة 15500 طالب رسبوا في العام الدراسي الماضي من أصل 16 ألف.

وركزت محاولات إيقاف الإضراب من الجهات المحلية على ضرورية استمرار الدوام لأنها مسألة تتعلق بمستقبل الطلاب كونهم أبناء المنطقة وحرموا لسنوات من حقهم التعليمي، بينما لا تستطيع الجهات ذاتها تحمل مسؤولية إدارتها للملف التعليمي من خلال حل المشاكل وإدارتها.

نهايةً، يعد القطاع التعليمي من القطاعات التي ساءت إدارتها خلال السنوات الأخيرة، نتيجة عدم قدرة الجهات المحلية على تحمل مسؤولياتها الإدارية، وعدم الاعتراف بالجسم النقابي الوحيد الذي يمثل المعلمين ويسعى إلى حل مشاكلهم وتحسين واقع العملية التعليمية في المنطقة، في ظل تشتت الجهود وتعدد الإدارات المحلية المنفصلة، ما انعكس سلبًا على مختلف القطاعات ومن بينها التعليم ليبقى الطالب هو الخاسر من كل تلك التداعيات.