باتت العلاقات السودانية بالولايات المتحدة أحد معضلات وزارة الخارجية السودانية في مختلف الأوقات وذلك على الأقل منذ ثورة الإنقاذ التي أتت بنظام الحكم الحالي في السودان.

ولكن اهتمام الولايات المتحدة بالسودان لم يكن جديدًا حيث إن له بعد تاريخي، فلقد كان للولايات المتحدة عين على السودان منذ عام 1910 حينما زارها الرئيس الأمريكي الأسبق "تيدور روزفلت" زيارة رسمية، كذلك كان للولايات المتحدة تواجد في السودان في الفترة التي تلت الانفصال عن مصر، بل كان للولايات المتحدة دور في انفصال السودان عن مصر في المفاوضات التي قامت بين مصر والاحتلال الإنجليزي آنذاك.

لقد بدأت الولايات المتحدة باعتبار السودان منطقة نفوذ واهتمام بالغ في عهد الرئيس السوداني الأسبق "جعفر النميري" الذي تعزز في عهده الوجود الأمريكي على الأراضي السودانية اقتصاديًا في أمر التنقيب عن البترول وسياسيًا في مسألة الجنوب، ولكن سرعان ما تبدل الوضع سياسيًا بسبب دخول مسألة إسرائيل على الخط بين الدولتين؛ الأمر الذي أصاب العلاقات السودانية الأمريكية في مقتل في عهد الرئيس النميري؛ اُغتيل على إثر هذا التوتر السفير الأمريكي ونائبه في الخرطوم عام 1973، ظلت العلاقات بين البلدين تتجه نحو الشد تارة ونحو الجذب تارة أخرى إلى أن قام الجيش بانقلاب عسكري في السودان مدعوم من الحركة الإسلامية السودانية على حكومة الصادق المهدي عام 1989.

أعلنت الحكومة الأمريكية قلقها من قيام دولة ذات توجه أيديلوجي إسلامي في هذه البقعة الإستراتيجية من أفريقيا، الأمر الذي تحدث بشأنه تقرير صادر عن البنتاجون عام 1999 يؤكد خطورة قيام حكم ذو طابع إسلامي حيث سيتسبب في خلق حالة من البلبلة في المنطقة عكس ما تريد الولايات المتحدة بإحداث التغيير لكن على نسق علماني، في ذلك الحين انخفضت المعونات الأمريكية إلى السودان إلى أن أصبحت شبه معدومة.

تصاعد التوتر بين حكومة الإنقاذ والولايات المتحدة عقب اتهام مصر للحكومة السودانية بتدبير محاولة اغتيال للرئيس الأسبق "حسني مبارك" بأديس أبابا؛ ما جعل الولايات المتحدة تمضي في خطوات العداء الصريح للنظام السوداني بإدراج السودان كدولة راعية للإرهاب وتحريض المجتمع الدولي عليها والضغط في اتجاه توقيع عقوبات صارمة على النظام السوداني تمثل في حظر دبلوماسي واقتصادي.

 اضطرت سفارة الولايات المتحدة في الخرطوم إلى الإغلاق بعد هذه القرارات حتى لا يُمارس ضدها أعمال عنف في ظل حشد النظام السوداني للشعب ضد الولايات المتحدة وقيام الأخيرة بتدعيم الجيش الشعبي في الجنوب والعمل على تأجيج الصراع بين النظام في الشمال والمتمردين في الجنوب، ظلت العلاقات على هذه الوتيرة حتى قصفت الولايات المتحدة مصنعًا دوائيًا بالخرطوم بحجة تصنيع سلاح به؛ هنا سحبت السودان بعثتها الدبلوماسية من واشنطن وانقطعت العلاقات نهائيًا بين البلدين في ظل اتخاذ واشنطن موقفًا أكثر تطرفًا من بقية المجتمع الدولي تجاه الخرطوم فيما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية والإعلان صراحة عن سعي الولايات المتحدة لإسقاط نظام الإنقاذ بأي طريقة سلمية أو حتى بالحرب.

كانت السودان في ذلك الوقت ملجأ كثير من الجهاديين في العالم حتى إن "أسامة بن لادن" قضى فترة بالسودان تحت حماية أجهزة الأمن السودانية قبيل أن تخرجه من السودان بعد ازدياد الضغط على الحكومة في ظل اتهامها دوليًا بدعم وإيواء "الإرهابيين".

كانت السودان قد بدأت تعاني بالفعل من آثار الحصار المفروض عليها في ظل الحرب الداخلية المشتعلة في الجنوب ومع المعارضة في الشمال من جانب آخر؛ فاضطرت الخرطوم لإعلان عن تهدئة الوضع مع الولايات المتحدة والاستعداد للدخول في مفاوضات على عودة العلاقات بين البلدين. قابلت الولايات المتحدة هذا الإعلان بتقديم مبادرة وساطة بين الخرطوم والجنوب لحل الأزمة لكن الأمر قوبل بالرفض السوداني الذي فضل وسيط سعودي لبحث أزمة العلاقات بين البلدين.

في العام 2001 أقدمت الولايات المتحدة على أكثر من بادرة لاحتواء السودان في موقف يعد تحولاً عن سياسة المواجهة، حيث نقل القائم بالأعمال الأمريكية في السودان رسالة خطية إلى الرئيس "عمر البشير" يهنئه فيها بفوزه في الانتخابات الرئاسية، كما دعت الولايات المتحدة مجلس الأمن إلى مناقشة لرفع العقوبات عن السودان.

كذلك أقدمت شركات سودانية على تقديم تقارير تبرئها من أي علاقات بمنظمات جهادية ونفي وجود أي رؤوس أموال مشبوهة بها؛ وبالفعل قرر مجلس الأمن رفع العقوبات الموقعة على السودان.

كانت أهم شروط الولايات المتحدة للاستمرار في هذا النهج هو أن تتدخل الخرطوم في حوار مع الجنوب لإنهاء حالة النزاع مع التلويح بقضية الانفصال، الأمر الذي كانت ترفضه الخرطوم شكلاً وموضوعًا في ذلك الوقت؛ ما أعاد العلاقات بين البلدين إلى مربع التوتر بعد إقرار الكونجرس الأمريكي عدة عقوبات اقتصادية جديدة على النظام السوداني، في ذلك الوقت شهدت المفاوضات بين البلدين نوعًا من السرية دون الإعلان عن وجود لتفاهمات على الأرض، حيث أبدت الخرطوم استعدادها لدخول برنامج مكافحة الإرهاب برعاية أمريكية؛ وبالفعل ساهمت المخابرات السودانية  بالبرنامج.

صرحت قيادات بالحزب الحاكم بالسودان تعليقًا على تاريخ العلاقات المعقدة بين حكومة المؤتمر الوطني والولايات المتحدة بأن أمريكا أدركت أن مصالحها مع السودان لن تمر عن طريق أمر المواجهة الذي اعتمدته في السابق لإسقاط نظام المؤتمر الوطني وأن هذا الإدراك أخذ في الزيادة عقب انفصال الجنوب، حيث إن التفاهمات أصبحت أكثر بكثير وأن الرؤى المشتركة باتت تمثل حيزًا كبيرًا من العلاقات بين البلدين.

بهذا مرت العلاقات السودانية الأمريكية بمراحل مختلفة لكن الغالب عليها كان التوتر خاصة مع وجود حكومة الإنقاذ الوطني الإسلامية في سدة الحكم؛ الأمر الذي يزعج الولايات المتحدة إلى هذه اللحظة حتى لو تعاونت مع هذا النظام تعاونًا شبه كامل، لكن يبدو أن البلدين بحاجة إلى بعضهما البعض حتى لو أعلنت الحكومات غير ذلك، فنظام الإنقاذ يحتاج إلى الولايات المتحدة والولايات المتحدة تحتاجه تمامًا أيضًا بغض النظر عن التصريحات الإعلامية المتبادلة.

لمزيد من المعلومات عن العلاقات الأمريكية السودانية

هذا المقال ضمن ملف السودان من الداخل