عندما يتعلق الأمر بانخفاض أو ارتفاع أسعار النفط بشكل سريع ومفاجئ، غالبًا يعزى ذلك إلى مجموعة من الأسباب دفعة واحدة، ويبدأ الخبراء بالإدلاء بدلوهم في الموضوع، لنكتشف حينها أنّهم زادوا الوضع غموضًا بتفسيراتهم المتعددة بدلاً من إيضاحه.

منذ شهر  يوليو 2014 والأسعار تواصل هبوطها بشكل سريع، إذ فقد برميل النفط حوالي 28% من قيمته خلال ثلاثة أشهر فقط أي منذ يوليو وحتى نهاية أكتوبر، وواصل هبوطه بعد ذلك إلى 45% ليصبح بذلك سعر برميل النفط حوالي 63 دولارًا، وهو أدنى مستوى يصل إليه منذ حوالي 5 سنوات.

وأمام هذه المعطيات، من الطبيعي أن تُطرح تساؤلات، من قبيل: ما هي الأسباب ومن المستفيد ومن الأكثر تضررًا، وهل هو أمر سيء أم جيد؟ ولمن؟ في الإجابة على هذه التساؤلات طرحت العديد من التفسيرات والتحليلات التي لاحظنا أنّها متضاربة ومتناقضة، مما يعني أنّ العملية غير واضحة على أقل تقدير.

هناك نظريتان شائعتان في باب لماذا هوت الأسعار بشكل سريع ولماذا تواصل هبوطها؟ النظرية الأولى تقول إنّ هناك من يستخدم النفط كسلاح، إنما ليس بإيقاف إنتاجه هذه المرة، بل بإغراق السوق به، وبهذا المعنى فإن انخفاض الأسعار ناجم عن قرار سياسي تم اتخاذه بناءً على تخطيط ودراية وقرار مسبق.

النظرية الثانية تقول إنّ أسعار النفط كانت مرتفعة وتدور حول 100 دولارًا للبرميل، وهذا أدى إلى قيام العديد من الشركات لاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، باستخدام تقنيات حديثة لاستخراج نفط من أعماق الأرض أو تحويل النفط الصخري؛ لأنه أصبح مجديًا من الناحية الاقتصادية، وقد أدت هذه العملية إلى ضخ حوالي 4 ملايين برميلاً إضافيًا من النفط إلى الأسواق.

ومع عودة بعض المصدّرين للتصدير من جديد بكميات أكبر مثل ليبيا والعراق، وتراجع الطلب على النفط من الاقتصادات الكبرى لاسيما في أسيا والصين واليابان ومعهما ألمانيا، أصبح هناك تخمة في الأسواق وتراجع على الطلب؛ وقد أدى هذا إلى انخفاض سريع في الأسعار ، وفي مثل هذه الحالة يصبح لدى الدول الكبرى المنتجة للنفط خياران، إما أن تقلّص إنتاجها من النفط لترتفع الأسعار من جديد، (ولكن في هذه الحالة هي تخاطر بخسارة حصتها من السوق، وقد لا يلتزم آخرون بالتخفيض بل يزيدوا الإنتاج لأخذ هذه الحصة، فتبقى الأسعار منخفضة وتخسر الجهة التي خفّضت الإنتاج)، وإما أن تحافظ على كمية إنتاجها للحفاظ على حصتها في السوق، مقابل تحمّلها خسائر ناجمة عن الانخفاض في السعر إلى أن تتعدل قوى العرض والطلب.

أما الذين يرون أنّ الانخفاض في الأسعار ناجم عن استخدام النفط كسلاح، فتتعدد أيضًا مقولاتهم حول الجهة التي تستخدمه وضد من يستخدم في الحقيقة، وفي هذا الإطار، هناك ثلاث نظريات منتشرة على نطاق واسع، كلّها تركّز على المملكة العربية السعودية.

الأولى تقول: إنّ السعودية زادت من إنتاج النفط بشكل كبير ودفعت دول الخليج العربي للالتزام أيضًا بالزيادة، وأنّ المستهدف من هذه العملية هو إيران. 

أصحاب هذه النظرية يعتبرون أنّ هذه الخطوة قائمة على استراتيجية تهدف إلى الضغط على إيران، سيما وأنّ السعودية وباقي دول المجلس قادرة على تحمّل الخسائر الناجمة عن انخفاض الأسعار، نتيجة مراكمتها للفوائض خلال السنوات الماضية، بينما لن تستطيع طهران الصمود لوقت طويل خاصة أنها تحتاج إلى أن تكون الأسعار فوق 100 دولارًا لتحقيق موازنتها، وأن عدم قدرتها على تحقيق ذلك سيدفعها للبحث عن موارد أخرى كقطع الدعم أو رفع الضرائب وهي خطوة غير شعبية، قد تؤدي إلى ردات فعل سلبية في الداخل الإيراني.

أما المقولة الثانية فمفادها أنّ الولايات المتحدة بالتعاون مع السعودية قررتا معاقبة روسيا على موقفها من أوكرانيا وسوريا، وأنّ الهدف من ذلك جعلها تدفع ثمن موقفها اقتصاديًا، إذ إنّ موسكو تعتمد في موازنتها على حوالي 45% من عائدات النفط كما أنّها حسبت موازنتها للعام 2015 على أساس 100 دولارًا للبرميل، وإذا أخذنا ذلك بعين الاعتبار مصحوبًا بتراجع كبير في سعر صرف الروبل وبإمكانية ألا يشهد الاقتصاد الروسي أي نمو في العام 2015، فإن ذلك يعني أنه سيكون على روسيا استنزاف احتياطاتها من العملة الصعبة أو تخفيض الإنفاق؛ مما قد يعني المزيد من التراجع الاقتصادي.

بالإضافة إلى ذلك، هناك مقولة ثالثة وهي أنّ السعودية تحاول أن تضغط على الولايات المتّحدة، وأنّ الهدف من إغراق الأسواق جعل عملية استخراج النفط الصخري واستخراج النفط من أماكن عميقة غير مجدية اقتصاديًا، وبالتالي دفع الشركات الأمريكية والكندية إلى إيقاف إنتاجها، أو إلى الإفلاس والعودة للاعتماد على المملكة، وهي فرضية تتقاطع مع من يقول إنّ منظمة أوبك تحاول من خلال تقنية الإغراق استعادة دورها في السوق الدولية من خلال تعطيل الإنتاج القادم من مصادر حديثة.

المثير للاهتمام في هذه النظرية أنّ هناك من بدأ يقول إنّ صناعة إنتاج النفط الصخري، ستبقى قائمة حتى مع انخفاض سعر النفط على اعتبار أنه سيستحيل إبقاء الإغراق قائمًا، والأسعار منخفضة لمدة طويلة بالنسبة للدول المنتجة التي تقوم بذلك، وبالتالي فإن صناعة إنتاج النفط الصخري ستعاني من خسائر في الأرباح فقط، وليس في الأصول.

وبغض النظر عن كل ما قيل، شخصيًا لا اعتقد أنّ ما يحصل هو خطوة محكمة من السعودية لاستهداف إيران، وذلك لعدّة أسباب أهمّها؛ أنّه في حال افترضنا أن الإغراق هو أداة سعودية للتأثير على إيران، فإني لا أستطيع أن أرى الخطة الكبرى التي يتم توظيف هذه الأداة فيها. 

بمعنى آخر، أين هي الإستراتيجية السعودية ضد إيران؟ وكيف سيخدم ذلك هذه الاستراتيجية إن وجدت؟ هل الضغط السعودي الذي يتزامن مع المراحل النهائية للمفاوضات النووية هو لقبول إيران بالاتفاق النووي مع واشنطن؟ إذا كان هذا هو الوضع، فمن يقول إنّ الاتفاق سيكون في صالح المملكة أو دول الخليج؟ هل الضغط بالإغراق هو لدفع إيران إلى التراجع في اليمن والعراق وسوريا ولبنان؟ إذا كان كذلك فكيف سيتم هذا الأمر؟ ولماذا لم يتم استخدامه من قبل عندما كانت الفرصة سانحة جدًا لتحطيم إيران اقتصاديًا في العام 2012.

المفارقة أنّ صحيفة وول ستريت جورنال، كانت قد نشرت تقريرًا قبل أيام حول الرابحين والخاسرين جراء تراجع أسعار النفط، قدّرت فيه خسائر وأرباح عدد كبير من الدول المنتجة والمستهلكة، ووفقًا للتقرير، فإن المملكة العربية السعودية تأتي على رأس قائمة أكبر الخاسرين بمبلغ يقدّر بحوالي 118 مليار دولارًا، بينما تأتي روسيا بالمرتبة التالية بخسائر تقدّر بحوالي 100 مليار دولارًا، أمّا إيران وهي الجهة التي من المفترض أنها مستهدفة، فإن حجم خسائرها وفقًا للتقرير تقدّر بحوالي 18 مليار دولارًا فقط! في مقابل أرباح للولايات المتّحدة تقدّر قيمتها بحوالي 90 مليار دولارًا. 

أعتقد أنّ الأمر يعود على الأرجح للتفسير المتعلق بالنظرية الثانية، وأنّ الباقي هو مجرّد أضرار جانبية يحكمها معيار أي اللاعبين أكثر قدرة على تحمّل الخسائر، وهي معادلة اقتصادية يريد البعض أن يفسرها سياسيًا كما يحلو له، خاصة أنّ الموضوع يحتمل تلاعبًا من هذا النوع. 

نُشر هذا المقال لأول مرة على موقع عربي 21