ترجمة وتحرير نون بوست

نتج عن ظهور النفط الصخري اندلاع تحديات جد نادرة بالنسبة لنفط الشرق الأوسط، حيث بلغت حرب أسعار النفط العالمية ذروتها؛ مما أدى إلى سلوك دول الأوباك لسياسة التخفيض من قيمة أرباحها كي تضمن استقرار مكانتها في السوق العالمية، ولكن مع ظهور تحديات تهدد هيمنة دول الشرق الأوسط على السوق النفطية، يجب ألا نغض النظر عن توفر مورد طاقة طبيعي لامتناهي  بالشرق الأوسط ألا وهو الطاقة الشمسية.

مع وفرة أشعة الشمس بالمنطقة وبالتالي وفرة الطاقة الشمسية، يبدو أن الشرق الأوسط قادر على أخذ المبادرة برسم مخطط قد يكون الأطول أمدًا فيما يتعلق بمستقبل الطاقة، ومع تفاقم حجم الاضطرابات في السوق النفطية العالمية، بات من الجلي الحاجة إلى طاقة بديلة متجددة، كالطاقة الشمسية بصفة خاصة، فقد عجّل انخفاض الأسعار في زيادة الكفاءة في إنتاج الطاقة في كل الدول المنتجة، ففي الولايات المتحدة الأمريكية، لم يدخر منتجو النفط جهدًا ليصيروا أكفاء وبصفة دائمة قدر الإمكان.

أما بالنسبة لأوروبا فنلاحظ ظهور موجة جديدة من الإقبال على الطاقات المتجددة، كما ترى بعض الدول كالمملكة المتحدة في الطاقة النووية أملها الذي يضمن لها الطاقة على مدى طويل، أما في الشرق الأوسط فتُتخذ عدّة تدابير تهدف لإكساب تلك الدول الكفاءة في سوق طاقة يعج بمنافسة أكبر، والتي ترى الحل من خلال الالتفات إلى الطاقة الشمسية لتحقيق تلك الأهداف  باعتبارها مصدر طاقة يتزايد عليه الطلب.

الميزانيات المحلية
تتربع دول الخليج في أعلى هرم الدول المُنتجة للنفط بالعالم، مسيطرة على أغلب مقاعد الدول المصدّرة بمنظمة "الأوباك"، وفي حين تتقبل بعض الدول  أسعار النفط الحالية، فهذا من شأنه أن يسبب لها صعوبات في الحفاظ على استقرار ميزانياتهم المحلية، حيث ذهبت جل دول الأوباك إلى خفض أسعار المحروقات في سبيل المحافظة على حصّتها من الأسواق العالمية؛ ما يعني بالتالي تراجع قيمة الأرباح، غير أنه ليس بالأمر الجديد على هذه الدول مواجهة مشاكل محلية.

لكن الهاجس الأكبر لهؤلاء المنتجين للنفط  يكمن في تزايد طلب المستهلكين للنفط في بلدانهم بالذات، ففي العقود الماضية، كان بإمكان هذه البلدان ضمان العيش برفاهية بشكل متواصل رغم السياسات الطاقية الغير مجدية التي تعتمدها من خلال الدعم الحكومي، ولكن خارطة الطاقة بالمنطقة سائرة نحو التغيُر بشكل سريع.

فقد ارتفع عدد السكان ونمت الطبقات الوسطى مع تنوع الصناعات وبالتالي ارتفاع النسق الاستهلاكي، فكانت كلها عوامل دفعت بدول الخليج لتكون من أكبر الدول استهلاكًا للطاقة، ففي المملكة العربية السعودية يُعتمد على النفط في إنتاج 65% من الطاقة الكهربائية بالبلد، في حين تسجل نسبة 71% في الكويت، 94% بلبنان، والمثير للدهشة اعتماد اليمن على النفط بنسبة 100% لإنتاج الطاقة الكهربائية، ما يعكس السياسة الغير فعّالة التي تنتهجها هذه البلدان والتي لا يمكن المواصلة فيها على المدى الطويل.

وتعتبر المملكة العربية السعودية أكبر مستهلكي النفط بالمنطقة، والمستهلك الثاني بالعالم من إجمالي الطاقة الأولية، حيث إن 60% من الطاقة المنتجة تَعتمد على النفط، ولكن الأهم من ذلك، أن هذا الاستهلاك يرسم واقعًا محيرًا لمستقبل تصدير النفط بالمنطقة، فإذا ما تواصل طلب مستهلكي الدول المنتجة على النفط، فسينتج عنه انخفاض نسق التصدير؛ مما سيكون من شأنه المساس بالدعم الحكومي للمحروقات، فبدون توفر قوة ونجاعة لموازين الطاقة بالمنطقة فإنه من المرجح أن تتراجع أرباح الدول المنتجة للنفط كما يتوقع تدهور نسق التصدير لديها.

المخطط طويل المدى

مع منافسين على السوق العالمية للنفط على غرار روسيا وإيران ونفط أمريكا الشمالية الصخري، هذا المخطط الطويل المدى من شأنه أن يضعف الهيمنة العالمية لدول الشرق الأوسط على الطاقة.

ومع ذلك، فإن الاحتمالات المتعلقة باستغلال دول الشرق الأوسط للطاقة الشمسية من شأنه أن يقلب موازين اللعبة، حيث صار الاستثمار في الطاقة الشمسية أرخص بكثير، إضافة لامتلاكها بنية تحتية صلبة وأفضل مما كانت عليه في أي وقت مضى، في حين ستلعب الاستثمارات الضخمة في مجال الطاقة الشمسية دور الدرع لبضاعة المنطقة الأغلى ثمنًا ألا وهي النفط، فالمملكة العربية السعودية مثلاً كان بإمكانها أن توفر ما يعادل 43.8 مليار دولارًا من عائدات النفط سنة 2013 لولا الاستهلاك المحلي المتزايد.

كما من شأن تلك الاستثمارات أن تحفز الموارد المالية للبلد بشكل كبير، ففي أوائل هذه السنة، أعلنت شركة "أرامكو السعودية" النفطية التابعة للحكومة أنها ستشرع في القيام باستثمارات ضخمة في مجال الطاقة الشمسية كخطوة لتنويع مخزون البلاد من الطاقة، كما يتوقع توجيه الموارد النفطية أساسًا للتصدير دون الاستهلاك المحلي.

ومع كونها عملية بطيئة إلا أنها تبقى خطوة مهمة في مجال الطاقة الشمسية، وللعلم فإن مقومات نجاح أي مشروع في مجال الطاقة الشمسية لا تعتمد فقط على الاستثمار، إنما تعتمد كذلك على التموقع، من جهة أخرى، تعتبر صناعة الشرق الأوسط للطاقة الشمسية واحدة من أبرز المقومات الاقتصادية المستدامة التي من شأنها الحفاظ على الموارد النفطية بالمنطقة.

الفرص الاستثمارية

ويعتبر هذا المجال فرصة عظيمة للاستثمار لكل من يتطلعون للاستثمار في مجال الطاقة المتجددة المستدامة مع توفر الأسواق العالمية المتهافتة على هذه الطاقة باعتبار التكلفة الأولية المنخفضة عوضًا عن استنفاذ تلك الأموال في التنقيب.

كما من شأن هذا التطور أن يضمن ميزة أخرى هامة بالنسبة لدول الشرق الأوسط ألا وهي بيئة أنظف بكثير، حيث يسبب استخدام النفط في إنتاج الطاقة الكهربائية في جعل نوع هواء الشرق الأوسط أحد أسوء الأنواع بالعالم، إذ تشير دراسات إلى أن أكثر 29 دولة تلوثًا تقع في دول منطقة الشرق الأوسط.

ومن شأن التحديات الحديثة أن تكلف المنطقة ثمنًا باهظًا إن لم تعالج، لكن بإمكانها أيضًا أن تجني مكافآت ضخمة إذا امتزجت الإصلاحات الجدية مع مزيد من الاستثمارات في مجال الطاقات البديلة خصوصًا الطاقة الشمسية.

ويمكن لنا أن نلاحظ بعض بوادر الخير في المنطقة، حيث أعلنت السعودية وحدها على استثمار ما يزيد عن 109 مليار دولارًا لتوليد ثلثي إجمالي طاقتها الكهربائية من الطاقة الشمسية، كما قامت قطر من جهتها بإبرام العديد من الاتفاقيات في مجال الطاقة الشمسية مع شركات رائدة في هذا المجال كجزء من التزامها المتعلق بتحالف الطاقة الشمسية بدول مجلس التعاون الخليجي.

يبقى السؤال المطروح هو حول كيفية تجسيد هذه التدابير في العقود القادمة، إلا أن باب التفاؤل يبقى مفتوحًا، فإذا تم المضي قدمًا في هذا المشروع بشكل جدي فمن شأنه نظريًا أن يجعل دول الخليج العربي، ليس فقط المسيطر الأول على إنتاج الوقود الأحفوري، إنما المسيطر الأول على إنتاج الطاقات المتجددة في العالم بأسره.

المصدر: الجزيرة الإنجليزية