ترجمة وتحرير نون بوست

لعل الحدث الأبرز لأمريكا اللاتينية هذا العام هو ما سمعناه منذ أسبوع عن تطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا، والذي سيجلب على الأرجح تحولًا اقتصاديًا كبيرًا في هافانا، وحمل بالفعل التفاؤل والأمل للكثير من الكوبيين الذين يعانون منذ سنوات من وضع بلادهم الاقتصادي الصعب. هل لا تزال أمريكا اللاتينية إذن قارة الحماس الثوري كما نعرفها؟ في الحقيقة لا يزال الكثيرون حول العالم ينظرون لها تلك النظرة، بيد أن الناخبين اللاتينيين في عام 2014، بدءًا من المتظاهرين وحتى مشجعي كرة القدم، أبدو جانبًا مختلفًا للمجتمع اللاتيني: قبول براجماتي، بل ومحافظ أحيانًا، للوضع القائم.

كانت هناك العديد من المظاهرات بالطبع، وقد شهدت فنزويلا تحديدًا أكثرها عنفًا وكذلك المكسيك، بيد أنها لم تكن بنفس قوة وانتشار احتجاجات العام الماضي (2013)، كما أن معظم الناخبين في بلدان عدة توجهوا نحو خيارات عملية بشكل كبير كما هو مُعتاد، حتى ولو فعلوا ذلك على مضض. لم يبهر النمو الاقتصادي اللاتيني أحدًا هذا العام، إذ يُتَوقَّع أن يقف عند 1.1٪، وهو أقل معدّل في السنوات الخمس الماضية، ويعود ذلك إلى تباطؤ الطلب الصيني وهبوط أسعار السلع، ومع ذلك، فإن الأوضاع تُعَد مستقرة بشكل كبير — باستثناء الأرجنتين وفنزويلا.

البرازيل
بالنسبة للبرازيل، البلد الأهم والأقوى اقتصاديًا والأكثر سكانًا، مرت هذا العام بسلام نسبي، وبتوتر أقل كثيرًا مما توقع كثيرون. ورُغم قيام عدة مظاهرات أثناء كأس العالم، إلا أنها كانت صغيرة ومحدودة، ولم تؤثر على الحياة اليومية في البلاد على مدار البطولة، والتي ربما كانت الحدث الأكثر سوءًا للبرازيليين أنفسهم، حيث خسر منتخبهم أمام الألمان في نصف النهائي بسبعة أهداف لهدف واحد.

من ناحيتها، يبدو أن الرئيسة البرازيلية، والمقاتلة الماركسية السابقة، ديلما روزيف قد نجحت في مهمتها، حيث توقع البعض أن تسقط في انتخابات الرئاسة أمام منافسها أيسيو نِفِس، خاصة بعد تهكّم الجماهير البرازيلية عليها أثناء حفليّ افتتاح وختام كأس العالم، ولكنها نجحت في الحصول على 51.6٪ في جولة الإعادة، وبفارق هو الأقل بين منافسين برازيليين منذ أكثر من قرن. بوضع الأشخاص جانبًا، يُعَد هذا رابع انتصار انتخابي لحزب العمال، وهو ما يعني نجاحه بشكل عام على مدار السنوات الماضية، ورضا الناخبين عن سياساته التي خلقت العديد من فرص العمل، وكذلك برامج إعادة توزيع الثورة التي دشنها، مثل برنامج بولسا فاميليا، الذي يشمل دعمًا ماديًا للفقراء.

بيد أن العام المقبل سيكون عامًا صعبًا على الحزب، حيث نالت فضيحة كبري بشركة النفط العملاقة بتروبراس، المملوكة للحكومة، من أسماء قيادات كبيرة في الحزب، كما أن البرلمان المنتخب حديثًا يضم عددًا أكبر من النواب المحسوبين على اليمين، ولن سيعقد بالتالي من التعاون مع الحكومة. الاقتصاد أيضًا لا يبدو في أحسن حال حيث مر بركود تام في 2014، ودفع الحكومة لتوقّع نمو لا يزيد عن 0.8٪ للعام المقبل.

المكسيك وفنزويلا والأرجنتين

سيكون العام المقبل ساخنًا للغاية في هذه البلدان الثلاثة ولأسباب مختلفة.

بالنسبة للمكسيك، يبدو ناتجها القومي في صعود، ولكن معدل الجرائم المرتبطة بالمخدرات المتزايد بقوة، والفساد، وعُنف الشرطة، قوّض بشكل كبير من شرعية السلطات وثقة الناس فيها، إذ شهد هذا العام احتجاجات كبيرة، وعنيفة أحيانًا، أدت لاختفاء 43 طالبًا منذ هجوم الشرطة عليهم في سبتمبر الماضي.

في فنزويلا، يظل الرئيس نيكولاس مادورو في الحكم لسنة ثانية بعد أن خلف هوجو تشافيز عندًا في معارضيه، رُغم الركود ومعدّل التضخم العالي ونقص الكثير من السلع الأساسية، وكان التحدي الأكبر له في البلاد هذا العام هو سلسلة الاحتجاجات العنيفة والمواجهات المفتوحة بين أنصار ومعارضي الحكومة، والتي تلت اعتقال زعيم المعارضة لوبولدو لوبِز، وراح  ضحيتها 391 شخصًا على الأقل، واعتُقِل منها 2200. يلوم مادورو من يأججون الصراع من الجوار الإقليمي، مثل بنما وكولومبيا، ويقول أن الولايات المتحدة تحاول إشعال فتيل “ثورة أغنياء” لتستطيع التحكّم في مصادر النفط الفنزويلية — والتي تعد واحدة من الأكبر في العالم. كذلك، يعاني مادورو من مشاكل أخرى كثيرة، مثل معدل الجريمة المرتفع والفساد، وهي أمور لا يبدو أنها ستحل بسهولة خلال 2015، بل يبدو أنها ستجعل سنته تلك أصعب كثيرًا.

بالنسبة للأرجنتين، يبدو أنها تحاول المرور عبر أزمة مالية عاصفة، حيث يعاني الاقتصاد من الركود، وتجاوز التضخّم حد الـ10٪، ولم تستطع الحكومة دفع ديونها للمرة الثانية في 13 عامًا. تلوم الحكومة “الأرصدة المفترسة” الأمريكية، وهي موارد ذوي النفوذ المالي في النظام العالمي التي تقتات على ديون البلدان الفقيرة، كما تلوم القضاء على تفشي الفساد. من ناحيتهم، يوجه المعارضون الاتهامات للحكومة بشكل رئيسي لفشلها في إدارة تلك اللعبة.

ستمر الحكومة باختيار صعب في انتخابات الرئاسة العام المقبل، والتي قد تُنذر بنهاية، ولو مؤقتة، لحكم عائلة كيرشنر، التي تنحدر منها الرئيسة الحالية كريستينا فرنانديز دي كيرشنر، حيث يمنعها الدستور من خوض الانتخابات مجددًا هذا العام. بدورها، تحاول كريستينا الدفع بابنها ليكمل المسيرة، ولكنه على الأرجح لن يكون جاهزًا للانتخابات في 2015، ولذلك، يبدو أنه ولأول مرة منذ 12 عامًا، سيكون اسم العائلة لقاطن قصر لا كاسا روزادا، اسم جديد، ولكنه في الغالب سيظل بيرونيًا — على نهج الرئيس خوان بيرون الذي دشن حركة بذلك الاسم أثناء حكمه.

الحكومات الثورية
على صعيد آخر، يبدو أن معظم حكومات أمريكا الجنوبية بالتحديد لا تزال ثورية أو تقدّمية، حيث أعيد انتخاب إيفو موراليس، رئيس بوليفيا، لفترة ثانية بنتيجة مريحة، وقد استطاع الحفاظ على استقرار البلاد خلال هذا العام مع تحقيق نمو اقتصادي قوي. أيضًا، ورُغم أن الأوروجواي ودّعت رئيسها المحبوب خوسيه موهيكا، نظرًا لعدم دستورية ترشحه مجددًا، إلا أنها انتخبت اليساري تاباريه فازكويز، والذي تعهّد بإباحة الماريجوانا كسابقه.

في كولومبيا اختار الناخبون الرئيس السابق خوان مانويل سانتوس، بعد وعوده بفتح الحوار مع الميليشيات اليسارية لإنهاء القتال الدائر منذ أكثر من خمسين عامًا. سيكشف لنا العام المقبل عن مدى تحقيق تلك الوعود، لا سيما وأن المفاوضات بين الطرفين، والمنعقدة في هافانا، قد تعثرت عدة مرات هذا العام، خاصة بعد خطف جنرال كولومبي مرموق في الجيش تم إطلاق سراحه لاحقًا.

بطبيعة الحال، يركز معظم المحللين على السياسة ويغفلون أخبارًا هامة تخص البنية التحتية والسياسات الاجتماعية والبيئة والمجتمعات الأصلية، ولعل الخبر الأبرز لهذا العام خارج عالم السياسة الصرف، هو احتفال بنما بمرور مائة عام على شق قناة بنما، في نفس الوقت الذي أعلنت فيه نيكاراجوا بدء العمل لحفر قناة أكبر تصل بين المحيطين الأطلنطي والهادي، بدعم صيني.

في البرازيل، سيتم إغلاق نهر شينجو المتفرع من الأمازون ليعمل المهندسون فيما يُعَد أكبر مشروع هندسي في البلاد: سد بيلو مونتي، وستبدأ الحكومة أيضًا قبول مناقصات بناء منشأة جديدة كبرى للطاقة المائية على نهر تاباخوس الذي تُغرق فيضاناته بشكل مستمر أراضي السكان الأصليين للمنطقة.

***

بغض النظر عن كأس العالم، والاستحقاقات الانتخابية المتتالية، ربما سينظر المؤرخون يومًا ما إلى 2014 في أمريكا اللاتينية باعتبارها سنة تحققت فيها الكثير من النجاحات الهندسية، ولكن مع خسائر بيئية كبيرة، هذا هو المجال الذي يشهد التحول الأبرز في القارة هذا العام.

الشرارة الوحيدة بأن هناك انقلاب سياسي قد يتم ويطوي صفحة تاريخ بأكملها، هي ربما في هافانا، حيث يتأهب الكوبيون لاستقبال عهد جديد على ما يبدو.

المصدر: الغارديان