نهاية السنة الميلادية 2014 وبداية سنة جديدة، صراخ يوجع أذني من مُعمم هنا وهناك لم أسمع لهم ولو شهيق وزفير طوال السنة الماضية!

تلك السنة التي أحدثكم عنها قُتل فيها الآلاف وهُجِّر فيها الملايين، أحدثكم عن أحداث على مدار هذا العالم حدثت ولم يُحدّث بها نفسه ذلك المعمم الذي أوجع أذني صراخًا في الأيام الماضية عن حرمة أن تقول لمسيحي كل عام وأنت بخير!

أراه يستشيط غضبًا ويتلون على المنبر وكأنه منذر حرب، ولكنه في الحقيقة موقدها. يصرخ بأعلى ما أعطاه الله من حنجرة حراااام .. حرااام .. حرااام، وكأنه لا يدري أن مكبرات الصوت تعمل!

لنرجع لأحداث يشيب لها شعر الرضيع، وينقطع منها النسل، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت، عن تلك السنة التي يجب أن نُهنئ بَعضُنَا أنها انتهت، فقد كانت من أقسى السنوات على المسلمين قبل غيرهم، وأشد ما فيها من قسوة سكوت ذلك الصارخ الموجوع لأذني.

سنة يُقتل فيها المصريون فقط لأنهم أحبوا الحرية واختاروا أن يعيشوا مع الإسلام لا مع غيره؛ فتمت معاقبتهم؛ قتل واعتقالات ومحاكمات هزلية وسجون وتعذيب، ولم أسمع ذلك المُعمم يحرك حنجرته همسًا وليس صراخًا.

سنة يُباد فيها السوريون وتُقطع الأشلاء ويُذبح الرضيع وذو الشيبة وتُرمل النساء ثم تُقتل هي الأخرى! يقتات الناس الورق وجذور الأشجار، يبكي الرجال من ألم المعدة لا لتخمة ولكن لأيام طوال مُنع عنهم الطعام ولم يتحرك شعور ذلك المعمم ! اليمن السعيد يعتليه الحزن ويفقد كل معاني الحضارة التي انبثقت منه وتدفقت، ويقطن ماضغ القات في المسجد يقتات قاته، ومايزال المُعمم لا يحرك ساكنًا.

بورما تُحرق فيها الأجساد والأشلاء والبيوت، يُباد المسلمون، ويصرخ الغول عليهم بصوت الموت المطبق، ولايزال صاحبي المُعمم لم يتحرك.

يرتد مليون مسلم في إندونيسيا بسبب الجهل والجوع وقلة المعرفة بالدِّين والضياع والتفكك المجتمعي وعدم وجود من يعلمهم الإسلام، ولايزال صاحبي المُعمم لم يتحرك.

يُذبح أطفال مسلمون في باكستان في مدرسة وهم لم يبلغوا الحلم وتُصبغ مقاعد الدراسة بلون الدم ويُفجع العالم بهم وتنام بيشارو ودموعها تغرق الخدود، ولايزال صاحبي ملتزمًا الصمت.

العراق ذلك البلد المسلم الذي يبدو من الصعب أن تنظر إليه، فذلك الكهل المسلم الذي صُبغت لحيته البيضاء بدماء جبينه مايزال ينزف، يقتل بكل الطرق؛ بالقصف، بالتفجير، بالاغتيال، بالبرد، بالجوع، وأحدث طرق قتله الصمت!

كل هذا ومايزال المُعمم جالسًا دون حراك أو حتى كلام. مايزال المعمم لم يفقه أن هناك فقه يسمى فقه الأولويات، وأن لصعوده على المنابر أدب يُحتم عليه ذكر الأهم ثم المهم ثم الاعتيادي وتجنب توافه الأمور.

هل فعلاً يا سيدي المعمم، الذي تصرخ في وجهي، تعلم ذلك الفقه ولم تتكلم عن القتل وتصرخ غاضبًا من كلمات تسوقها لمسيحي لتطيب خاطره! هل فعلاً هذا ما وصلت إليه من فهم لدين الله؟ وتترك الشهادتين وتتمسك بقول غيرها! وتترك الصلاة الفرض وتتشبث بالنافلة! كأنك تترك الزكاة وتتمسك بالصدقة! وتترك الحج وتلزم العمرة! وتترك الإيمان بالآخرة وتؤمن بالعقاب على التهنئة!

أنا هنا لا أتكلم عن حكم التهنئة ولا عن كونها الحلال أو الحرام، أنا أتكلم عن أولوية الكلام في الموضوع.

رسالة إليك أيها المعمم ... ضع خريطة العالم واختر بأصبعك بلدًا ستجد فيه مأساة للمسلمين تكلم عنها ودعك من التهنئة بالعام الجديد .. فهل من يوصل رسالتي لذلك المعمم الصارخ في أذني؟