ترجمة وتحرير نون بوست

للمرة الأولى منذ سنوات، برز مجددًا اسم قديم في عناوين الصحافة، إنها ساجدة الريشاوي، مرة أخرى عادت إلى الأضواء من جديد.

اسم ساجدة يعيد إلى الأذهان الهجوم الإرهابي الفاشل الذي حاولت فيه هذه الانتحارية العراقية تفجير أحد الفنادق الأردنية في نوفمبر 2005 عن طريق حزام ناسف، ويبدو أن ساجدة سيتم تسليمها إلى الدولة الإسلامية (داعش) في صفقة تسعى فيها الأردن لفك أسر الطيار العسكري الأردني معاذ الكساسبة الذي اعتقله تنظيم الدولة الإسلامية في ديسمبر الماضي، ومن وجهة نظر أخرى، فإن ساجدة في غضون الساعات أو الأيام المقبلة قد تتملص من حكم الإعدام الصادر بحقها من محكمة أمن الدولة الأردنية.

لقد تابعتُ ساجدة منذ حوالي عقد من الزمان، كون التفجيرات التي حصلت في الأردن في نوفمبر 2005 والتي كانت ساجدة جزءًا منها، أودت بحياة عمي وابنة عمي و57 شخصًا آخر على الأقل، وعندما تلقيت هذا النبأ كنت في غرفة الأخبار، حيث بثت القنوات الفضائية خبرًا عن وقوع هجوم انتحاري في الأردن في وقت الظهيرة تقريبًا.

بعد ساعات وثمّ أيام، أدركت أن الخبر قد لامس حياتي الشخصية؛ فبالصدفة المحضة، أودى التفجير بحياة عمي المخرج والمنتج السوري الشهير مصطفى العقاد، المعروف في العالم العربي بفلمي "الرسالة" و"أسد الصحراء"، وفي العالم الغربي بأفلام الرعب التي أخرجها وأنتجها، وكانت ابنة عمي ريما أيضًا من بين القتلى، حيث كانت في عمّان لحضور حفل زفاف، وتصادف وجودهما في بهو الفندق مع وقوع الهجمات الإرهابية الثلاث التي استهدفت فنادق عمّان.

من خلال هذه الفاجعة، دخلت ساجدة إلى حياتنا، وتبخترت جيئة وذهابًا في أذهاننا وهي تفتح معطفها لتكشف عن الحزام الناسف الذي تمتشقه على جسدها، وذكرت تقارير أنها شقيقة أحد مساعدي أبو مصعب الزرقاوي، زعيم تنظيم القاعدة الأردني في العراق، وأن شقيقها قد قُتل من قِبل الجنود الأمريكيين في الفلوجة قبل عام من حوداث عمّان.

تشير التقارير أيضًا أن ساجدة وزوجها واثنين آخرين عبرا الحدود العراقية الأردنية قبل أيام من الهجوم، وقاموا باستئجار شقة في عمّان، وفي ليلة 9 نوفمبر، تقلّدوا أحزمتهم الناسفة، وركبوا سيارات أجرة واتجهوا بها إلى ثلاثة فنادق مختلفة، حينها تذكر التقارير أن ساجدة فشلت في تفجير حزامها الناسف، ونتيجة لذلك دفعها زوجها لمغادرة الفندق، قبل أن يقوم بتفجير نفسه بحزامه الناسف، حيث خرجت ساجدة في الليل مع صراخ وعويل الأشخاص الهاربين، وتم إلقاء القبض عليها بعد عدة أيام من قبل السلطات الأردنية.

انتظرت في مكتبي طويلاً وأنا غارقة في كومة من الأوراق والصور المكدسة حولي والتي تروي قصص التفجير، انتظرت قصة تشرح بها ساجدة بكلماتها الخاصة عن سبب قيامها بالتفجير، ولكن الأيام طالت ولم تأتِ القصة، ورويدًا رويدًا بدأت القصة تتلاشى من عناوين الصحف والأخبار، حتى انتهت تمامًا، محدثة بذلك نوعًا من الموت المتجدد للضحايا الذي استشهدوا نتيجة لهذه التفجيرات.

لكن ساجدة لم تبارح أفكاري؛ فحلمت في إحدى الليالي بأنها كانت ملكة إحدى الحفلات المقامة في مدرستي الثانوية في ولاية كاليفورنيا، كانت تسير بهدوء وبرود في الردهة، تختال بمعطفها وحزامها الناسف، وهي تضع التاج اللامع على رأسها فوق الحجاب، وأدركت - بعد فوات الأوان - أن فمي حينها كان مليئًا بالصمغ، واختفت قبل أن أتمكن من صراخ لسؤالها: لماذا؟

لذلك أخيرًا قررت في عام 2008 أن أذهب إلى الأردن لأتمكن من الحصول على القصة التي لم تُعرض حول ساجدة، حينها ظننت أنني إذا اتجهت إلى المكاتب الأمنية الصحيحة، وقمت بالإصرار على موقفي؛ ففي نهاية المطاف سيسمحون لي بالتحدث معها، وسأكون قادرة حينها على النظر بعينيها، لأفهم السبب العميق خلف تصرفها، وأستوعب النتيجة التي ربطتنا أنا وإياها إلى الأبد.

التقيت بالمحامي الذي عيّنته المحكمة لساجدة عدة مرات، وتحدثت مع سلطات السجن وممثلين عن القصر الأردني، ولكن بالنتيجة لم استطع مقابلة ساجدة، كما أنني دخلت إلى السفارة الأمريكية في الأردن وطلبت من أحد المسؤولين أن يساعدني بطريقة أو بأخرى للقاء ساجدة، والجواب أيضًا كان "لا"، ولم يختلف الأمر في مكتب الشرطة السرية الأردني، حيث أوضح لي أحد الموظفين المسؤولين أنه لا يعرفني وأنني لن أستطيع التحدث إلى ساجدة.

في جميع المناسبات التي حاولت فيها لقاء ساجدة كان المسؤولون يختلقون أسبابًا مختلفة لمنع هذا اللقاء، وفي البداية ظننت أن الموضوع متعلق بالصلاحيات وأنني بحاجة للتحرك باتجاه الدرجات العليا لأخذ الموافقة من رأس الهرم المسؤول، ولكن فيما بعد، استطعت أن أدرك أنني بحاجة لموافقة ساجدة قبل أن أجري لقائي معها؛ لذا قمت بكتابة رسالة لها، وزعم حينها المسؤولون أنهم أوصلوها ورفضت هي بدورها طلبي باللقاء، ولكن لم أحظ بأية وثيقة تثبت هذه الرواية، وبجميع الأحوال وأيًا كانت التفسيرات؛ فلقد كان جميع من التقيهم يبادرون سريعًا للإشارة إلى أن ساجدة مجنونة وجاهلة، ولا تستحق مني كل هذا الجهد للقائها.

بعد سنوات، استطعت إدراك سبب رفض السلطات الأردنية لقيام أحد الصحفيين بإجراء أي لقاء مع ساجدة؛ فبعد محاولة الزرقاوي القيام بعدة هجمات على الأردن باءت جميعها بالفشل، أصبحت التفجيرات السابقة تسبب إحراجًا للقيادة السياسية والأمنية في البلاد، كما واستطاعت ساجدة اكتساب شهرة بين المجموعات المستعدة لمهاجمة الدولة بهدف التفاوض لإطلاق سراحها، ومن الواضح أن الدولة لا ترغب بتشجيع هؤلاء الأشخاص على القيام بهذه الهجمات؛ لذا عمدت السلطات إلى عزل ساجدة لتتلاشى ببساطة ضمن سجلات التاريخ، وأصبحت ساجدة كما وصفتها صحيفة واشنطن بوست هذا الأسبوع "الاسم الذي كان على وشك الاندثار".

ولكن للأسف، ساجدة لم يتم نسيانها في عقولنا؛ فأنا لم أنس ساجدة، ومحاولة عزل ساجدة عن العالم أثبتت فشلها، كون قصتها مازالت مثالاً على الوقود الذي يغذي ضمائر هذه الهجمات الإرهابية، والسبب بذلك هو عدم التواصل مع الأشخاص الذين كانوا أو سيكونون مهاجمين إرهابيين لمعرفة دوافعهم التي تقودهم نحو الطرق الأكثر إجراماً.

ومن الواضح أيضًا أن الحكومات العالمية الغربية لم تتعلم الدرس من خلف قصة ساجدة؛ ففي نقد حاد لسياسة الحكومة البريطانية تجاه المسلمين البريطانيين، وصفت البارونة وارسي - وزيرة الدولة البريطانية التي استقالت لرفضها سياسة الحكومة البريطانية تجاه حرب غزة - ثقافة عدم التواصل التي يتبعها السياسيون البريطانيون بالسياسة المقلقة، وعمدت البارونة في السنوات الست الماضية، إلى وصف السياسة الحكومية البريطانية بالخطيرة كونها لا تتواصل مع المنظمات والناشطين الإسلاميين إلا من خلال بضعة أشخاص لا يعبرّون - بالضرورة - عن رأي المجتمع الإسلامي الموجود في بريطانيا والذي يزيد عن ثلاثة ملايين مسلم.

بناء على ما سبق يصبح من الواجب علينا طرح التساؤلات التالية: بعد حوادث الحادي عشر من سبتمبر في أمريكا، وحوادث 7 يوليو 2005 في لندن، وحوداث نوفمبر 2005 في الأردن، والهجمات الإرهابية الأخيرة على شارلي إيبدو، كيف يمكن للحكومات أن تكون انتقائية في اختيار الأشخاص الذين تتواصل معهم؟ كيف يمكن للدولة أن توقف هذه السلسة من الهجمات الإرهابية عندما تجهل سبب لجوء الأفراد إلى العنف؟ لماذا لم يتم الضغط خارجيًا على السطات الأردنية للتواصل مع ساجدة؟

عندما نتستر على التفاصيل الدقيقة حول أشخاص مثل ساجدة، وعندما نفشل في التواصل معهم قبل أن نحررهم مرغمين، فنحن بذلك لا نضيع فرصتنا الثمينة لفهم دوافعهم فحسب، بل إننا نتخلى عن هذه السلطة لصالح الانتحاريين المجهولين، كما أننا نعمّق لغة التواصل الثنائي التي تبقينا (نحن) بعيدين عن (هم)؛ مما يؤدي بالنتيجة للدخول في حلقة مفرغة سينجم عنها مآسٍ دموية ومكلفة.

وتبقى المشكلة بالنسبة لي شخصيًا أبعد من هذه الأسباب، كوني ببساطة أريد أن أتحدث مع ساجدة لإصراري الأزلي لمعرفة الجواب عن سؤالي: لماذا؟

المصدر: ميدل إيست آي