الصومال وبعد عودته نحو المعترك السياسي يجد نفسه اليوم أمام تحديات أقلها العنف المسلح وأعظمها إمكانية بناء دولة فعّالة تخدم المواطن الصومالي خارج وداخل البلاد، ففي سبتمبر 2013 رحب الصوماليون بالدعم المالي الذي قدمه المجتمع الدولي لبلادهم وبالأهداف التي حُددت في مؤتمر الصفقة الجديدة الذي استضافه الاتحاد الأوروبي، حيث اعتبره الكثيرون خطوة تاريخية تعيد لهم الأمل بمستقبل أفضل لبلادهم، ولكن هذا الاتفاق يشكل تحديًا كبيرًا للحكومة ولرئيس الدولة وبرلمانه لإثبات كفاءتهم في إدارة الملفات الشائكة.

هذا الاتفاق يمثل شراكة بين الصومال والدول المانحة، فمن جهة يتعهد الصوماليون ببناء دولة اتحادية ذات برلمان وحكومة فعّالة تعزز الحوار السياسي وترسي السلام والأمان والتطور المعماري والاقتصادي في البلاد، وبالمقابل تتعهد الدول المانحة بتقديم الدعم المادي والتقني اللازم لإعادة بناء الدولة.

وعليه وفي نص الاتفاقية، تعهدت الحكومة الصومالية بخمسة أهداف إستراتيجية للسنوات الثلاث المقبلة للوصول إلى نظرة 2016:

  1.  إنشاء صومال فيدرالي مستقر وسلمي من خلال عمليات سياسية يشارك فيها جميع الأطراف.
  2. إنشاء مؤسسات أمنية موحدة وقادرة وخاضعة للمساءلة، تقوم على احترام الحقوق وتوفر الأمن والسلامة لمواطنيها.
  3.  إنشاء مؤسسات قضائية مستقلة وخاضعة للمساءلة، قادرة على تلبية الاحتياجات القضائية للشعب الصومالي من خلال توفير العدالة للجميع.
  4. تحفيز وتوسيع الاقتصاد الصومالي مع التركيز على تعزيز سبل العيش وخلق فرص العمل وتحقيق النمو الشامل على نطاق واسع.
  5.  زيادة تقديم الخدمات بشكل عادل ودائم وبأسعار معقولة، لتعزيز السلام والمصالحة الوطنية بين المناطق الصومالية والمواطنين، وتعزيز تحقيق الإيرادات بطرق شفافة وخاضعة للمساءلة وتوزيع وتقاسم الموارد العامة بشكل عادل.

إضافة إلى ذلك، تعهدت الحكومة الصومالية بإنشاء هيئة تنمية وإعادة إعمار الصومال، تكون مهمتها تنظيم التمويل الدولي مع أولويات الحكومة والحد من تجزئة المساعدات وزيادة دور الصومال في قيادة هذه العملية.

كما توافق الشركاء الدوليون والحكومة الصومالية على تسعة مبادئ للشراكة، من بينها دعم عملية التنمية التي تقودها وتملكها الصومال، وتأمين تنسيق عمليات الإغاثة وتسليمها مع المؤسسات الحكومية وتوفير المساعدات بالتوازي مع دورات الموازنة الحكومية لتعزيز نظم إدارة المال العام، إضافة إلى توزيع المساعدات بواسطة السبل التي تختارها الحكومة.

وتعهد الشركاء الدوليون خلال المؤتمر بتقديم 1.8 مليار يورو (2.4 مليار دولار) لمساعدة الصومال على التعافي من 22 عامًا من الحرب الأهلية والدمار.

الوضع السياسي الحالي

رغم التحديات الهائلة إلا أنه من المهم مراجعة ما تم تحقيقه من تقدم سياسي في بلد ذاق ما فيه الكفاية من الحروب، كانت بداية الحل الصومالي للمشكلة السياسية في عام 2000 في اتفاق عرتا بجيبوتي، هناك توافد الصوماليون ليضعوا خارطة طريق تخرجهم من أزمة اللادولة وتعيدهم لبناء وطنهم، أهم ما خرج من هذا الاتفاق هو مبدأ تساوي القبائل الصومالية الأربعة الكبرى وتقاسم السلطة فيما بينها وإعطاء حصة خاصة بالأقليات التي لا تمتلك ساحة قبلية واسعة مثلهم فخرجوا بقاعدة 4.5.

هذه المخاصصة القبلية أعادت الهدوء نسبيًا للصومال حيث لا غالب ولا مغلوب وحيث الكل سواء في فرصتهم لنيل مواقع فعّالة في الساحة السياسية، ومع هذا فهذا التقسيم القبلي لوطن كالصومال أنتج حالة من الشلل السياسي بسبب انعدام الثقة ورغبة الكل في الاستحواذ على كل ما يمكنهم الوصول إليه، ولهذا نجد وليومنا هذا تجاذبات سياسية كثيرة بين شرائح النسيج السياسي الصومالي، الأمر الذي يعطل إعادة التنمية وعودة الأمن والاستقرار بشكل تام في البلاد.

النظام السياسي الصومالي مازال في طور النمو والإنشاء رغم أنه بدأ مسيرته الديمقراطية منذ 14 عامًا، فهو مكون من برلمان قبلي يمثل كل القبائل المعروفة في الصومال، ومن خلال هذا البرلمان يتم اختيار رئيس الدولة والذي بدوره يختار رئيس الوزراء ولا يمكنه أن يعزله إلا بموافقة البرلمان، يقوم رئيس الوزراء بتشكيل حكومة توافقية تحظى بثقة البرلمان الأمر الذي يضمن مساواة القبائل في تمثيلها في الحكومة.

انعدام الثقة وتوجس الصوماليين من حكم ديكتاتوري مثل نظام سياد بري الشيوعي يجعلهم متمسكين بهذا النظام الشبه برلماني بنكهة قبلية، ولكن رغم تفهم هذه المخاوف إلا أنه حان الوقت لتجاوز هذا النظام القبلي إلى نظام أكثر ملائمة لعصرنا الحالي، لا يمكن للدولة أن تتقدم وتتطور في نظام توافقي قبلي بحيث يتم تنصيب من لا يستحق في المكان الخطأ؛ الأمر الذي سيجعل تطبيق نظرة 2016 أقرب للخيال منه للمستحيل في ظل هذا التشبث بنظام الـ 4.5 من قِبل البرلمان والنخبة السياسية الحاكمة حاليًا.

حلول ونظريات عملية

لمعالجة هذه المشاكل علينا النظر لنماذج عملية طبقتها شعوب العالم لحل مشاكل انعدام الثقة بين نسيجها الاجتماعي، الصينيون مثلاً كانوا قبائل عديدة ذات إمبراطوريات متصارعة وصل عددها للمئات ولكنها وبسبب الحروب الطاحنة والغلبة تقلصت إلى بضع إمبراطوريات ثم توحدت لتكون حضارة عريقة قبل آلاف السنين، أهم ما ساعدهم على تجاوز مشاكلهم الطبقية والقبلية هي الامتحانات الدراسية الصارمة التي تسمح للكل بالمشاركة فيها للحصول على مناصب مرموقة في الدولة حسب محصلاتهم العلمية، هذا النظام العادل قضى على المحاباة وتوريث مناصب الدولة للأقارب رغم عدم أهليتهم لها.

هذا النظام وجد مكانه في كثير من دول شرق أسيا وأهما اليابان، التي استطاعت أن تنافس الغرب حين أرسلت الآلاف من طلابها للدراسة في أمريكا وأوروبا والعودة للوطن لقيادة عجلة الحداثة والتنمية هناك، اليوم وكما نعلم دول شرق أسيا رغم أنها كانت من دول العالم الثالث أصبحت اليوم تنافس أكبر الاقتصادات الدولية، حتى إن الصين والتي لم يكن لها أي قيمة تذكر قبل ستين سنة تجاوزت اليوم الولايات المتحدة اقتصاديًا وفي غضون سنوات لا أكثر.

وعليه فإن المخرج الوحيد من مشاكل الصومال القبلية هي تحفيز التعليم وتكوين طبقة من التكنوقراط القادرين على إدارة الدولة بشكل حضاري، ولكن للوصول إلى هذه المرحلة علينا تجاوز العديد من العقبات السياسية والتي ستكون عائقًا لهذه القفزة النوعية لعقلية الصوماليين المتشبعة بالقبيلة وأهميتها.

أهم هذه العقبات هي التقسيم الفيدرالي للبلاد وتكوين نظم إدارية لهذه الأقاليم، يليها تكوين مجلس فيدرالي قوي (مجلس الشيوخ) يمثل كلاً من هذه الأقاليم ويمثل الشعب بشكل عام، مسألة تكوين الأقاليم كان للدولة أن تنظمها حسب ما هو منصوص عليه في الدستور الإنتقالي ولكن يبدو أن البرلمانيين لا يثقون بالدولة التي يمثلونها أصلاً، ولذا يقفون عقبة في وجه أي رغبة حكومية في التدخل في مسألة الأقاليم، لذا نجد أن التقسيمات الحالية للأقاليم تقوم هي أيضًا بشكل قبلي، حيث تحاول كل قبيلة السيطرة الكاملة على المناطق التي يغلب عليها أبناء قبيلتها لتكون دولة بداخل الدولة.

هذا التقسيم القبلي للأقاليم رغم أنه مقبول عُرفًا إلا أنه ليس إلا استعداد للحيلولة دون وصول مكتسبات هذه الأقاليم الاقتصادية إلى بقية أنحاء الدولة الأمر الذي سيخلق تفاوتًا ملحوظًا في مستوى الدخل للفرد الصومالي بحسب قبيلته وإقليمه الذي ينتمي إليه، ويبدو أنه لا أحد يهتم بهذه المسألة رغم أهميتها، فهذا اللاتساوي في الثروات سيدفع الفقراء للتسلح وأخذ حقهم بالقوة الأمر الذي قد يعيدنا للحرب الأهلية ولو بعد حين.

لمعالجة هذه النقطة لابد من ترسيخ معنى الفيدرالية، فرغم أن للمناطق حقها المصون في ثرواتها إلا أن هذا لا يعني حرمان الآخرين من حقهم في الإستفادة من ثروات جميع أقاليمهم الفيدرالية كشعب ينتمي لنفس الدولة، وعليه فلابد من وجود دستور فيدرالي قوي قادر أن يصون هذه الحقوق ويمنع أي تعدي عليها مستقبلاً، ما بدوره سيحتاج إلى طبقة أخرى من الإداريين القانونيين لمواجهة هذه المشاكل المستقبلية، وخاصة في هذه المرحلة الصعبة التي نمر بها في طريقنا لإنشاء دولة اتحادية عادلة.

المسألة الأخرى هي كيفية إبقاء الصومال موحدًا للأبد رغم هذه التقاسيم القبلية ثم الفيدرالية، الجواب يكمن في الشق الآخر من البرلمان والذي لابد أن يتكون من المجلس الفيدرالي الذي ذكرناه سابقًا (مجلس الشيوخ) ومجلس النواب، مجلس النواب هذا والذي يمثل المحافظات الصومالية حسب التعداد السكاني سيكون صمام الأمان للبلاد، حيث يتكون من أحزاب وكتل سياسية يختارهم الشعب بشكل مباشر والذي بدوره يختار الرئيس في جلسة مشتركة مع مجلس الشيوخ كما هو هو الحال في إيطاليا؛ وبهذا يكون الولاء للحزب السياسي الأيديلوجي بدلاً من القبيلة، فتكون الساحة مفتوحة لكل الأطياف الفكرية المختلفة.

هناك مشكلتين لهذا النظام الديمقراطي، وهي الفساد والجمود السياسي والذي بدوره يعطل حرك النمو الوطنية، ويمكن معالجة الفساد عبر

- صياغة قوانين صارمة تتابع السياسيين ورجال الأعمال وتمنعهم من نهب خيرات البلاد وتسهل محاسبتهم. 

- إيجاد مساحة من الحرية الفكرية وحرية الصحافة لكي يتم فضح الفاسدين مهما كانت مناصبهم.

- تدريب وتأهيل هؤلاء السياسيين ليقدموا مصلحة البلاد قبل مصالحهم الخاصة.

- استقلال القضاء والقضاة من كل الهيئات الأخرى في الدولة. 

ومع هذا سيجد المفسدون طرق للتلاعب بالنظام، ولكن المهم ألا يصل بهم الجشع إلى الحد الذي يجعل الدولة غير قادرة على خدمة الشعب بشكل فعال.

أما الجمود السياسي والذي يتمثل في العرقلة المستمرة لطرف ما للحكومة، كما هو الحال اليوم ما بين البرلمان ورئيس الدولة من جهة وبين الرئيس ورئيس وزرائه، فهذا يمكن حله من خلال تحديد الكتل السياسية الفاعلة إلى ثلاث كتل سياسية تمثل العمال والإصلاحيين والمحافظين، هذا لا يعني الحد من عدد الأحزاب ولكن الحد من عدد الكتل التي قد تشكلها هذه الأحزاب في حربها السياسية ضد بعضها البعض؛ الأمر الذي سيجعلها تندمج من تلقاء نفسها في هذه الكتل الثلاث، رغم أن هذا صعب جدًا أن يتحقق في مجتمع فقير يسعى السياسيون فيه لنيل أكبر الحصص الممكنة بسبب عدم ثقتهم بالآخرين إلا أنها فكرة تستحق المحاولة.

العدد الهائل للأحزاب المتجاذبة تشتت البلاد وتمنع تقدمها، رغم أن هذه من السلبيات التي لابد منها في نظام ديمقراطي إلا أننا كشعب يطمح للتقدم والعمران أكثر من الديمقراطية الصورية لابد من أن نختار جيدًا ما ينفعنا كأمة ويبقينا متحدين، الصين ذات الحزب الواحد تتفوق اليوم على أمريكا ذات الحزبين، أما الديمقراطية الأوروبية بأحزابها الألفية فحدث ولا حرج، عجزت كما نشاهد اليوم في حل مشاكل المجتمع، لابد من تكوين ثلاث طبقات حزبية تكون تكتلات تسمح للبلاد بالتقدم، حيث تتحالف كتلتين ضد الثالثة لتكون أغلبية برلمانية تسمح لها بتمرير مشاريعها التنموية، وهذا ما يحدث في ألمانيا والتي لا تعرف هيمنة حزب ضد الأحزاب الأخرى بل هيمنة تحالفية لحزبين ضد البقية، وهذا أيضًا ما حدث في بريطانيا من خلال تحالف المحافظين واللبراليين ضد حزب العمال.

هل تنجح الحكومة في تطبيق نظرة 2016

علينا أن نعترف أولاً بصعوبة إنجاز هذه المتطلبات، لا على الصومال المنهك فحسب، بل على أي دولة من العالم الثالث أو الثاني، ولكن للصومال شرف المحاولة في ظل انعدام هياكل الدولة الفاعلة، ومع هذا يجب التنويه إلى ما يمتلكه الصومال حاليًا من مقومات البقاء، فالصومال يختلف عن غيره من دول المنطقة والتي تعاني من انقسامات طبقية وعرقية وطائفية هائلة مثل العراق واليمن وسوريا، في نفس الوقت لا يعاني الصومال كغيره من هيمنة ديكتاتورية أوعسكرية أو طائفية على النظام، مما يشير إلى إمكانية تطوير البلاد بشكل جذري إن تمكن السياسيون من التوافق وإعلاء مصلحة البلاد على مصالحهم الخاصة أو القبلية.

العقبة الوحيدة أمام الصومال اليوم هي انعدام النظرة السياسية التي ترسم خارطة طريق واضح للعشرين سنة القادمة، وهذا يعيدنا لموضوع الدستور الذي لايزال انتقاليًا، ولا نريد أن نستعجل في صياغة الدساتير ولكن علينا فتح الباب لأكبر عدد من الخبراء السياسيين المحايدين وهيئات المجتمع المدني للانخراط في حوارات عامة لصياغة مشاريع يمكن تقديمها للبرلمان وللهيئة المعنية بتعديل الدستور وخاصة فيما يتعلق بالفصل بين السلطات العليا في البلاد ونظام المجلس الفيدرالي ومجلس النواب، والتعداد السكاني وتقسيم الثروات وغيرها من المواضيع التي لا تقبل التأجيل حاليًا.

المجتمع الصومالي مجتمع سياسي بامتياز، ولكنه يفضل التحليل والتعليق بدلاً من المشاركة الفاعلة في صياغة القرارات، الأمر الذي يتركونه عادة لوجهاء القبيلة، لتغيير هذه النظرة علينا أن نشكل لقاءات عامة داخل وخارج البلاد لتوعية المجتمع بأهمية المشاركة الإيجابية في رسم مستقبل السياسة الصومالية.

مستقبل الصومال يجب أن يكون بعيدًاعن العنف كوسيلة للتعبير عن الآراء،  يجب أن يكون مؤمن بالحرية والديمقراطية والشورى في اتخاذ القرارات، وتفعيل العدالة والمساوة والتكافل وفرص الاستثمار والعمل، متفتحًا على جيرانه للعمل سويًا لمتطلبات المرحلة الجديدة لشرق أفريقيا وجنوب الأمة العربية لتبنى، نجاح الصومال يكمن في إظهار رغبة مجتمعية نحو أسس المواطنة والحقوق والمساواة أمام الدولة والقانون في التحديث والتكامل والاستحقاق والانتماءات المتعددة، صومال لكل الصوماليين، يوحدهم ويؤمن لهم مستقبلاً واعدًا لهم ولأبنائهم.