تقف حركة طالبان اليوم، بعد أكثر من عقد من الغزو الأمريكي الدولي لأفغانستان، في وسط المشهد الأفغاني بكل جوانبه، السياسية والاجتماعية والعسكرية، فالجيوش العالمية التي سعت منذ 2001 إلى القضاء على حركة طالبان وإن نجحت في إخراج حركة طالبان من على رأس السلطة، فإنها لم تنجح في تبديد قوتها العسكرية ولا ثقلها السياسي ولا عمقها الاجتماعي.

وعلى عكس التوقعات التي تنبأت اشتداد الحرب ضد حركة طالبان في أفغانستان بعد خروج قوات التحالف الدولي وبعد انتخاب الرئيس الجديد أشرف غني وبعد فضاعة ما ارتكبته حركة طالبان الباكستانة في مدينة بيشاور مؤخرا؛ تتالت الأنباء من أفغانستان عن وجود مفاوضات مباشرة وغير مباشرة بدأت وستبدأ قريبا بين طالبان من جهة وباقي القوات المؤثرة في أفغانستان، بما في ذلك الحكومة الأفغانية والجيش الباكستاني والإدارة الإيرانية والأمريكية.

وحسب مصادر في حركة طالبان الأفغانية في العاصمة القطرية الدوحة، عقد مفاوضوا الحركة أمس الخميس جولة أولى من المفاوضات المباشرة مع مسؤولين أميركيين، حيث صرح ممثل لحركة طالبان في الدوحة لوسائل الإعلام أمس الخميس قائلا: "ستعقد أول جلسة اليوم في قطر ثم تعقد جلسة أخرى يوم الجمعة، فلننتظر ما سيحدث إذ لم تسفر المحادثات عن أي نتائج من قبل".

ورغم أن برناديت ميهان، المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، نفت وقوع الجولة الأولى من هذه الجلسات التفاوضية، فإنها قالت أن بلادها تدعم "عملية المصالحة بقيادة الأفغان" مؤكدة وجود محادثات بين طالبان والحكومة الأفغانية تهدف إلى "إيجاد تسوية للصراع في أفغانستان" من خلال الحلول السياسية عوضا عن الحلول العسكرية.

مع العلم أن مسؤولين كبار في الجيش الباكستاني وفي السلك الدبلوماسي قالوا أمس الخميس إن "زعماء حركة طالبان الأفغانية نقلوا إشارات عبر الجيش الباكستاني عن رغبتهم في إجراء محادثات سلام مع حكومة بلادهم"، كما قال مسؤول عسكري كبير في باكستان إن رئيس هيئة أركان الجيش الباكستاني رحيل شريف أبلغ الرئيس الأفغاني خلال زيارة هذا الأسبوع أن طالبان مستعدة لبدء المفاوضات أوائل آذار، مضيفا "هناك إشارات واضحة جدا.. ونقلناها إلى الأفغان.. والآن الكثير في يد الأفغان وهم جادون".

ومن جهة أخرى، وبينما كشفت تقارير عدة عن مساع إيرانية إلى تكثيف التواصل مع قيادة حركة طالبان الأفغانية، أعلنت الحركة عن استعدادها لفتح صفحة جديدة من العلاقات مع الإيرانيين، الأمر الذي يمثل تحولا جذريا في طريقة تعامل الحركة مع إيران ويمثل تحولا نسبيا في الموقف الإيراني الذي بدا في السابق أكثر قربا من التعاون مع الحكومة لتضييق الخناق على طالبان من قربه إلى التعاون مع الحركة.

وإلى جانب هذا الانفتاح الذي تحدثه حركة طالبان تجاه الحكومة الأفغانية والإدارة الإيرانية، ورغم نفي البيت الأبيض للمحادثات التي يفترض أنها عقدت أمس الخميس في العاصمة القطرية، شهد الموقف الأمريكي من حركة طالبان الأفغانية تطورا إيجابيا، فبعد أن كانت الإدارة الأمريكية تشيطن الحركة طيلة العقد الماضي، تحاشى الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض الأميركي "جوش إرنست" مؤخرا وصف حركة طالبان بالتنظيم الإرهابي، مطالبا التمييز بين تنظيم القاعدة وحركة طالبان.

وينظر إلى هذه الدعوات الأمريكية الرسمية إلى التمييز بين حركة طالبان وتنظيم القاعدة على أنها متؤخرة جدا، إذ أن هذا التمييز كان مطلوبا قبل 13 سنة عندم تذرع الرئيس الأمريكي برفض حكومة طالبان لطلب تسليم زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وشن حربا دولية على الحركة دون أي تمييز بين تنظيم القاعدة وحركة طالبان.

وبغض النظر عن الأهداف التي دفعت إدارة جورج بوش لدخول حرب أفغانستان، يرى متابعون أن نتائج الحرب هي تغليب طرف سياسي أفغاني هم معارضو طالبان على طرف سياسي أفغاني آخر هو حركة طالبان، وأما التلك الأهداف التي روجت الإدارة الأمريكية إلى أنها كانت تسعى إلى تحقيقها في أفغانستان مثل القضاء على طالبان وعلى تنظيم قاعدة فقد أصبحت اليوم أكثر بعدا من أن تتحقق، حيث حافظت حركة طالبان على قوتها العسكرية في مناطق جغرافية شاسعة من أفغانستان، واكتسبت قوة سياسية تجعلها تجلس على نفس الطاولة مع معظم القوى الداخلية والخارجية المؤثرة في المشهد الأفغاني، في حين حافظ تنظيم القاعدة على تماسكه وأصبح اليوم أكثر انتشارا على المستوى العالمي.