الرئيس العسكري عبدالفتاح السيسي في افتتاح القمة العربية بشرم الشيخ

ترجمة وتحرير نون بوست

بعد ظهر يوم الثلاثاء الماضي أعلن مجلس الأمن القومي أن إدارة أوباما أفرجت عن الشحنات العسكرية المتوجهة للجيش المصري والتي سبق لها تعليقها لمدة طويلة، والمتمثلة بمجموعة دبابات M1A1 وصواريخ هاربون وطائرات F-16 المقاتلة، وفور صدور الخبر قامت وسائل الإعلام بمناقشته والتنديد به بحجة أنه يعيد العلاقات مع الحكومة المصرية إلى طبيعتها، ورغم أن القرار فعلًا يبدو كذلك من الناحية الشكلية، بيد أن الواقع يشير إلى خلاف ذلك.

تشير التقارير أن الإدارة الأمريكية اتخذت قرارها بناء على تدهور الوضع الأمني في مصر، والذي تزامن مع الحروب المشتعلة في ليبيا وسوريا والعراق واليمن، ورغم المستجدات الصارخة التي طرأت على البيئة السياسية الإقليمية في المنطقة، بيد أن المنطق الأمني الحالي للبيت الأبيض، يعيد إلى أذهاننا الموقف الضعيف والصوري الذي تعاملت به واشنطن مع السجل المصري السيء في مجال حقوق الإنسان منذ وقت ليس ببعيد، حيث كانت مقتضيات الأمن القومي حينها التي استدعت هذا التعامل الصوري -وهي السبب على ما يبدو بالقرار الحديث أيضًا - تسعى لإبقاء قناة السويس مفتوحة وتقويض سلطة الإسلاميين والإبقاء على معاهدة السلام مع إسرائيل.

ظاهر الأمور يظهر استمرارية التقارب ما بين واشنطن والرؤساء المصريين ابتداءً من حسني مبارك ووصولًا إلى عبد الفتاح السيسي، لكن مضمونها يشير أن الأعمال بين البلدين لم تعد لطبيعتها أبدًا، وهذا ليس ناجمًا عن قيام الإدارة الأمريكية بإيقاف نظام الائتمان الممنوح لمصر لدى الولايات المتحدة الأمريكية ابتداءً من السنة المالية لعام 2018، بل إنه ناجم بطبيعة الحال عن أن عودة الأعمال لوضعها الطبيعي مع الحكومة المصرية ليس خيارًا إستراتيجيًا مطروحًا.

اسمحوا لي بداية أن أشير أنني ضد المساعدات العسكرية الأمريكية الممنوحة لمصر، ولكنني على الرغم من ذلك أؤيد بشكل مطلق قيام واشنطن بالإفراج عن المساعدات المعلقة وإعادة بناء الثقة مع وزارة الدفاع المصرية، بغية مواجهة تحديات التطرف العنيف التي بزغت في العالم مؤخرًا بشكل أكثر فعالية؛ ما من شك بأن جميع عمليات القمع المستحكم واحتدام النزعة القومية الجارية في البلاد منذ صيف عام 2013 أدت إلى خيبة أمل عامة كونها قوضت آمال الشعب الذي خرج ينشد الحرية في ميدان التحرير وفي أماكن أخرى في جميع أنحاء البلاد في أوائل عام 2011، ولكن على الرغم من ذلك، فإن تعليق المساعدات العسكرية عن مصر لم يعمل على تحويل سجلها القاتم في مجال حقوق الإنسان إلى الشكل الأكثر ديمقراطية كما لم يعمل على تحقيق الاستقرار فيها.

وهنا نعود لسؤالنا الأساسي، لماذا لم تعد العلاقات إلى طبيعتها ما بين البلدين؟

دعونا نتذكر أننا اليوم في شهر أبريل من عام 2015 ولسنا في أبريل من عام 1975، ولا حتى أبريل من عام 1985 حينما بلغت المساعدات الاقتصادية الأمريكية إلى حد تمويل 10% من الاقتصاد المصري، كما أننا لسنا في أبريل من عام 1995 حين كان الجميع لايزال يرى أن لمصر دورًا هامًا في عملية السلام الإسرائيلية - الفلسطينية؛ فالعلاقة الأمريكية - المصرية تبحث اليوم عن هدف جديد، وهذا الوضع مستمر حتى قبل الإطاحة بمبارك منذ خمسة أعوام، كونه من الواضح أن أسس العلاقة الإستراتيجية ما بين البلدين أوهنت أو اختفت، فمثلًا تهديد الاتحاد السوفيتي باختراق شرق البحر المتوسط والقرن الأفريقي انقرض من الوجود منذ عام 1991، والولايات المتحدة أصبح بإمكانها الوصول إلى المنشآت العسكرية في جميع أنحاء الخليج الفارسي؛ مما أدى إلى التقليل من أهمية الدور المصر الذي أصبح ثانويًا ضمن الحملات العسكرية الأخيرة، كما أن السلام مع إسرائيل سيبقى مستمرًا حتى لو انتهى التنسيق الوثيق القائم ما بين الجيش الإسرائيلي والقوات المسلحة المصرية.

ويمكننا القول إن آخر مرة تم فيها تسليط الضوء على أهمية العلاقة الإستراتيجية ما بين مصر وأمريكا كانت منذ أربعة وعشرين عامًا عندما قام مبارك - رغم اعتراضات الكثير من المصريين - بإرسال 35.000 جندي مصري للمشاركة في عمليات درع الصحراء وعاصفة الصحراء في عامي 1990 و1991، ومنذ ذاك الحين وعلى مدى العقدين الماضيين، أصبحت العلاقة الثنائية ما بين البلدين قائمة على الجمود البيروقراطي، ولفترة طويلة سعت كوكبة من المفكرين والباحثين إلى التكهن بطرق جديدة لدفع هذه العلاقة إلى الأمام، وإعطائها الحافز المناسب، ولكن أفضل فكرة تمخضت عنها هذه المحاولات تمثلت بأن الدعم العسكري هو "تجارة وليس مساعدة"، ورغم أن هذه العبارة جديرة بالثناء لحذقها، بيد أنها لا تكفي لبناء العلاقات الإستراتيجية ما بين البلدين.

بغض النظر عن الأزمات السياسية وعدم الاستقرار التي عصفت بمصر في فترة ما بعد مبارك، يمكن تعريف السنوات الأربع الماضية على أنها فرصة ضائعة لإعادة صياغة العلاقة ما بين البلدين، بالتأكيد مازالت قناة السويس وستظل دائمًا عاملًا مهمًا في العلاقات المصرية – الأمريكية، كما أن التزام واشنطن بأمن إسرائيل يتطلب تحقيق أواصر علاقة جيدة مع القاهرة، ولكن عدا هذين الأمرين، من الصعب أن نجد حقًا حافزًا آخر لهذه العلاقة، وفي هذا السياق يكون الطلب المصري المتمثل بدعم واشنطن للسيسي بدون قيد أو شرط، والطلب الأمريكي من المصريين بأن يرتقوا بإلتزاماتهم لتحقيق مبادئ ثورة يناير، هما الأمران الوحيدان اللذان يسيطران على النقاشات السياسية ما بين الجانبين، وناهيك عنهما يجد كل طرف صعوبة في توضيح ما يريده من الطرف الآخر، وذلك بالتلازم مع عدم ارتقاء أي من الطرفين إلى مستوى توقعات الطرف الآخر.

يزعم النقاد أن قرار رفع الحظر عن توريد الأسلحة لمصر يعني أن واشنطن قد تراجعت عن دعمها للجبهة الديمقراطية في السياسة الخارجية، وفي الحقيقة إن صحة هذا القول يعتمد على تعريفك لكلمة "التراجع" في السياسية الخارجية الأمريكية؛ فالرئيس باراك أوباما منذ تسلمه دفة الرئاسة الأمريكية كان مترددًا حول تعزيز مطالب الديمقراطية على مختلف جبهات السياسة الخارجية، وفي النهاية لا بد من الاعتراف أنه كان متسامحًا ولطيفًا في تعامله مع مبارك عندما كان الأخير في السلطة، وليس أدل على ذلك من خطاب الديمقراطية الذي ألقاه أوباما من القاهرة في يونيو 2009، والذي يمكن تفسريه بعبارة "الوصول إلى الديمقراطية سيكون أمرًا رائعًا، ولكن هذا الموضوع شأن خاص بكم"؛ إذن، لا ينبغي على أحد أن يزايد كثيرًا على موقف الإدارة الأمريكية من المساعدات الأمنية لمصر.

بالإضافة إلى ما تقدم، فإن القاهرة وواشنطن تميلان لرؤية الأمور بشكل متناقض تمامًا، ابتداءً من البيئة السياسية الداخلية في مصر، وانتهاءً بوجهة النظر في القضايا الإقليمية الرئيسية مثل ليبيا وغزة وسوريا والعراق وإيران، وإن اختلافات وجهات النظر حول هذه القضايا تدفع المصريين والإسرائيليين والسعوديين والإماراتيين إلى البحث عن البدائل المحتملة عن العلاقة مع واشنطن؛ فمثلًا أصبحت دولة الإمارات العربية المتحدة الآن شريكًا إستراتيجيا لمصر، وعوضت - إن لم تكن فاقت - التناقص في الدعم الدبلوماسي والسياسي والمالي الأمريكي تجاه مصر، والخطة تكمن بأنه بدلًا من اتجاه مصر نحو طلب المساعدات الإستراتيجية من موسكو أو واشنطن كما فعلت في خمسينيات القرن الماضي، تعمل أبو ظبي - والرياض إلى حد ما - على تمويل حاجات مصر المستمرة من أجل التنمية، ولكن تبقى الجبهة العسكرية هي المجال الوحيد الذي تقف فيه واشنطن متفردة وبلا نظير بالنسبة لمصر، ولهذا السبب واظب المصريون على الضغط على إدارة أوباما بشأن المساعدات العسكرية حتى تم مؤخرًا استئنافها.

لكن حتى ضمن هذا المجال الأخير بدأ المصريون باستكشاف الخيارات الأخرى المتاحة أمامهم للتعويض عن واشنطن، ومثال ذلك الغزل المصري مع الباكستان في عام 2010 الهادف إلى عقد صفقة حول البديل الصيني - الباكستاني لطائرات الـ F-16 الأمريكية والتي تسمى JF-17، وفي الآونة الأخيرة، وقعت وزارة الدفاع المصرية اتفاقيات لشراء معدات عسكرية فرنسية وروسية، وسواء تمت هذه الصفقات أم لم تتم، فإن أهميتها في الواقع تنبع مما تمثله من تحول نحو البدائل العسكرية لواشنطن.

أخيرًا، قد يكون من الصعب أن نلاحظ ذلك، ولكن الولايات المتحدة ومصر تتباعدان فعلًا، واشنطن والقاهرة لديهما أولويات مختلفة وترمقان العالم بطريقة متباينة، والمساعدات العسكرية - التي ستستمر لبعض الوقت - هي الإرث الأخير لعصر أفل نجمه، وظهور داعش وغيرها من الجماعات المتطرفة العنيفة، قد عمل ربما على إطالة الفترة الزمنية، ولكنه لم يحبط الوصول إلى محطة الوداع الأخيرة للعلاقات الأمريكية المصرية.

المصدر: مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية