ترجمة وتحرير نون بوست

كتب إيلان جولدنبرج وإيلي راتنر

لفهم دور الصين في الشرق الأوسط، علينا أن ننظر ونقارن ما بين حدث قامت به الصين مؤخرًا، وحدث امتنعت عن القيام به مؤخرًا أيضًا، ففي أواخر مارس، عنونت الصحف أن بكين تسعى لإرسال سفن حربية لإنقاذ المئات من مواطنيها ومن الأجانب العالقين في اليمن التي تمزقها الصراعات، وفي أوائل أبريل الجاري، ألغى الرئيس الصيني شي جين بينغ أول زيارة رسمية كان من المفترض أن يقوم بها إلى المملكة العربية السعودية ومصر، وبررت المصادر هذا القرار باندلاع الحرب على اليمن، ومن خلال الموقف الذي حدث والموقف الذي لم يحدث، يمكننا أن نؤكد أن بكين تفضل الخروج من المطبخ السياسي بدلاً من تحمل حرارة السياسة المستعرة في الشرق الأوسط، وفي الواقع، الغياب الصيني - وليس تنامي النفوذ - هو الذي يحيد إطار الدور الصيني في منطقة الشرق الأوسط المضطربة.

الدافع الصيني للاهتمام بالأحداث التي تدور في الشرق الأوسط وجيه وسديد، فمن جهة أولى حوالي نصف واردات الصين من النفط تأتي من الخليج الفارسي، ومن جهة أخرى، بكين قلقة من العناصر المتطرفة التي تصول وتجول في المنطقة والتي قد توفر التدريب والإلهام للانفصاليين المسلمين في غرب الصين، ولكن على الرغم من الاهتمام الصيني بأحداث المنطقة، تقف السياسية الخارجية الصينية في تناقض صارخ مع جدول أعمال الرئيس شي المحلي الطموح، والذي يهدف لتحقيق إصلاحات في قطاعات الاقتصاد الرئيسية، بما في ذلك قطاع الخدمات المصرفية والزراعة وإلى تخفيف القيود المفروضة على نظام تسجيل الأسر في الصين، وتلطيف سياسة الطفل الواحد سيئة السمعة، أما في مجال السياسة الخارجية، فلم تقم الصين في عهد شي بأي إنجاز من شأنه أن يستحق الوقوف عنده، وفي الواقع، على الرغم من دعوة شي لتحويل السياسة الخارجية الصينية إلى الشكل الفعال والنشط، بيد أن بكين مازالت تساهم فقط في المجالات الآمنة والناعمة في السياسة الدولية، مثل مشاركتها في سياسات التنمية الاقتصادية، ومكافحة القرصنة، والصحة العامة العالمية، وعمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

إن المراقب الذي يرصد ديناميكيات السياسة الخارجية الصينية سيلاحظ بسهولة أن الصين لا تضحي بدمها ولا تنفق ثرواتها لمكافحة التطرف العنيف خارج حدودها، أو لتسوية الحروب الأهلية الدامية، أو للتوسط في النزاعات الإقليمية الرئيسية، بل تتميز الصين بحساسيتها الشديدة تجاه مواجهة القضايا السياسية والأمنية الإقليمية الشائكة، مما أضعف بشكل حاد من نفوذها الجيوسياسي، ونتيجة لذلك، تبين أن السياسة الصينية التي تنادي بتحقيق تعاونات رابحة على جميع الأصعدة، هي سياسة تُأتي أكلها في الشؤون الاقتصادية والنواحي غير المتحيزة الأخرى، ولكنها تبدو غير واقعية في مجال المعارك السياسية المنعدمة النتائج، أو التي يتم خوضها للحصول على حصص غير قابلة للتجزئة، أو على حصص متنازع عليها بشدة.

وهذه السياسة تتجلى بشكلها الأكثر وضوحًا في الشرق الأوسط، حيث يبدو النفوذ الصيني في القضايا الإقليمية هامشيًا إلى حد كبير، رغم أن طلب الصين المتنامي على الطاقة يبزغ حاجة ملحة لتحقيق شراكات أعمق مع المملكة العربية السعودية، المصدر الأكبر للطاقة التقليدية في المنطقة.

ولكن تبعًا لعدم رغبة الصين بدعم مواقفها السياسية الخارجية، لم تحقق سوى توغل مؤقت وسطحي في مستنقع الشرق الأوسط، ففي أكتوبر من عام 2012، طرح وزير الخارجية الصيني حينها يانغ جيتشي "خطة النقاط الأربع" التي تهدف إلى تسوية النزاع في سورية، عن طريق دعوة جميع الأطراف إلى وقف القتال، وإنهاء الأزمة، والشروع في عملية الانتقال السياسي، ولاحظت وكالة الأسوشيتد برس في ذاك الوقت أن الخطة لم تحظ سوى باهتمام دولي ضعيف، حيث وجد معظم المراقبين الخطة غامضة ومبهمة، ورجحوا أنها تهدف إلى تحسين السمعة والمكانة الصينية في أعقاب الانتقادات التي وجهت لها، إثر انضمامها لروسيا في عرقلة قرارات الأمم المتحدة التي تهدف إلى إنهاء إراقة الدماء في سورية، وغني عن القول، إن هذا التوجه الصيني لقي فشلاً ذريعًا.

نقطة الوهن في سياسة بكين تكمن بعدم رغبتها بالانحياز لأحد جانبي النزاع في المنطقة التي لا يمكن ضمنها الوقوف على الحياد، وعلى النقيض من هذه السياسة المتخوفة، التزمت واشنطن بتفاعلات كبيرة في المنطقة؛ حيث لاتزال الولايات المتحدة هي الضامن الفعلي للأمن الخارجي للمملكة العربية السعودية وبقية دول مجلس التعاون الخليجي، وهيمنة الوجود البحري الأمريكي يحمي حرية تدفق الموارد النفطية من الشرق الأوسط، وهذه الموارد بلا شك هي علة الازدهار الاقتصادي للعديد من الجهات الفاعلة في المنطقة، كما ثابرت واشنطن على مهمتها الشائكة المتمثلة في محاولة التوسط بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ولكن حتى الآن، وعلى الرغم من الاستثمار والتدخل الأمريكي الهائل في المنطقة، مازال شركاء أمريكا في الشرق الأوسط ينتقدون إدارة أوباما لتخاذلها في اتخاذ إجراءات أكثر حسمًا، ضمن مجموعة الصراعات الإقليمية التي تعصف بالمنطقة، وبعبارة أخرى، منطقة الشرق الأوسط تتوق بشدة لتدخل قوة عظمى، وإذا أرادت الصين أن تصعّد دورها للوصول إلى هذا المستوى، فإن عليها حتمًا أن تختار أحد الجانبين.

من الصعوبة بمكان أن نعثر على التوجه الصيني نحو قيادة دور ريادي في أي من النزاعات الملتهبة في المنطقة، في ظل نهج الموازنة المستعصية الذي تتبعه بكين، في محاولتها للحفاظ على علاقات جيدة مع كل من الرياض وطهران، وسط تصاعد المنافسة الإقليمية والطائفية، خاصة عقب تصاعد القلق السعودي الناجم عن الاتفاق الأمريكي - الإيراني حول برنامج الأخيرة النووي، والذي قد يتوج في نهاية يونيو القادم؛ فالسعودية ترنو إلى هذا الاتفاق بعين التوجس؛ لأن رفع العقوبات المصرفية والنفطية سيعطي طهران الموارد اللازمة لها لتعيث فسادًا بشكل أكبر في المنطقة من خلال وكلائها في اليمن وسورية ولبنان والعراق، والقلق السعودي يظهر بوضوح من خلال الدور الذي ستضطلع به الصين - الشريك التجاري الأكبر لإيران - إزاء تمويل غالبية التدفقات النقدية الإيرانية، وهذا القلق تجسد على أرض الواقع بعد أيام من التوصل إلى إطار الاتفاق النووي الإيراني في مطلع أبريل الحالي، حين شق وزير النفط الإيراني بيجان زنكنه طريقه فورًا إلى بكين، وإزاء هذه الوقائع يصبح من الصعب التكهن بحلول الصين مكان الولايات المتحدة كضامن لأمن دول الخليج في ظل تمويلها لإيران، التهديد الأكبر القابع في طريق هذه الدول.

عندما يتعلق الأمر بساحة أخرى لها ذات الأهمية الحاسمة في دبلوماسية الشرق الأوسط (الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني)، يتبين أيضًا أن الصين غائبة عنه على نحو مماثل لنهجها في القضايا الإقليمية الأخرى، وذلك في ذات الوقت الذي يلعب فيه باقي الأعضاء الأربعة الدائمين في مجلس الأمن دورًا هامًا ومفصليًا في عملية السلام، فالولايات المتحدة هي الوسيط الأساسي في هذه العملية، وفرنسا وبريطانيا تتبعان سياسة العصا والجزرة؛ عن طريق تقديم حوافز أو مثبطات اقتصادية لكلا الجانبين من خلال الاتحاد الأوروبي، وروسيا تقف تقريبًا بموقف مناصر للفلسطينيين، وتبقى الصين العضو الوحيد في مجلس الأمن الذي فشل في رسم نفسه ضمن إطار هذا النزاع.

أما في سورية والعراق فتبدو الخيارات الجيدة شبه منعدمة، فهناك حيث تضافرت عدة عوامل - منها فشل الدولة والحرب الأهلية وصعود داعش - لخلق الأزمة الأشد فتكًا في المنطقة، خلصت الدول العربية إلى أن الطريقة الأكثر ملائمة لمساهمة القوى الأجنبية في حل الأزمة، تتمثل بالتدخل العسكري الذي يستهدف داعش ويطيح بنظام الأسد، وهذا التدخل الذي يتضمن غارات جوية وتدريب وتسليح قوات المعارضة، وربما حتى اتخاذ خيارات عسكرية أكثر مباشرة، هو وحده القادر على إنقاذ سورية في هذه المرحلة، ولكن الصين هنا أيضًا لم تتماش مع هذا الخيار، وبدلاً من ذلك، انحازت بكين مع موسكو في مجلس الأمن، إلى عرقلة القرارات التي من شأنها زيادة الضغط على الأسد، وفي ذات الوقت، وتحوطًا للرهانات التي قامت باتخاذها، واتباعًا لمبدأ الوسط الصيني، استضافت بكين مرارًا جماعات المعارضة السورية، وفي مارس 2012 أرسلت مبعوثًا خاصًا للقائهم في دمشق.

الجدير بالذكر أن الصين حاولت اتباع نهج دبلوماسي أكثر فعالية في المنطقة، مثل قيامها بزيادة الزيارات رفيعة المستوى لبلدان المنطقة، بما في ذلك زيارة وزير الخارجية الصيني للعراق التي تمت لأول مرة منذ 23 عامًا، وفي فبراير 2014 عززت الصين من شراكتها مع المنظمات الإقليمية مثل جامعة الدول العربية، كما عينت تسعة بلدان في منطقة الشرق الأوسط - من ضمنها مصر وإيران والمملكة العربية السعودية - كأعضاء مؤسسين في البنك الأسيوي للاستثمار في البنى التحتية الذي تقوده الصين ذاتها، ولكن هذه الخطوات لم ولن تتغلب على القضية الأساسية المتمثلة أنه من المستحيل تقريبًا إرضاء جميع الأطراف الإقليمية في الشرق الأوسط وبذات الوقت لعب دور رئيسي في المنطقة.

بطبيعة الحال، قلة فقط تختلف مع توصيف الرئيس باراك أوباما لدور الصين في الشرق الأوسط بقوله "إن الصين كانت على مدى الـ 30 عامًا الماضية تعمل بسياسة الراكب الحر، وهذه السياسة أثمرت حقًا بالنسبة لها"، ومن هذا المنطلق يبدو عدم تورط بكين في الصراعات التي تبدو عصية الحل في المنطقة ضربًا من الحصافة السياسية، ولكن مع ذلك، لا يمكن للصين أن توائم ما بين رغبتها في لعب دور أساسي ومفصلي في الشرق الأوسط، وبين استمرارها بتبني النهج السياسي الخارجي القائم على النفور من المخاطرة، وعلى الرئيس الصيني شي أن يعي أن ديناميات الشرق الأوسط تتطلب منه إما متابعة نهجه والخروج صفر اليدين، أو المخاطرة باتخاذ قرار للانضمام إلى أحد الجانبين للظفر بكل شيء.

المصدر: فورين بوليسي