في سبتمبر 2013، وبعد أسابيع قليلة من توليه وزارة الخارجية الإيرانية، نشر محمد جواد ظريف تويتة على حسابه بتويتر يهنّئ فيها اليهود برأس السنة اليهودية “روش هاشناه”، لترُد عليه كريستين بيلوزي، ابنة السياسية الأمريكية المعروفة نانسي بيلوزي زعيمة الديمقراطيين بمجلس النواب الأمريكي، قائلة “شكرًا لك، سيكون العام الجديد أكثر جمالًا لو أنهيت إنكار بلادك للهولوكست يا سيدي.”

لربما لم تتوقع كريستين أن تتلقى إجابة من جواد ظريف، ولكنه رد بالفعل، كما هي عادته دائمًا الحريصة على التواصل مع الجميع، ليقول في تويتة أخرى، “إيران لم تنكر الهولوكست أبدًا، والرجل الذي بدا وكأنه يُنكرها قد رحل الآن. أتمنى لك سنة سعيدة،” هكذا كتب جواد ظريف في إشارة بالطبع إلى الرئيس المنتهية ولايته آنذاك محمود أحمدي نجاد، ليُشعل مفاجأة لكل متابعي إيران في الغرب ممن لم يكونوا قد عرفوا بعد نوايا حكومة الرئيس حسن روحاني الجديدة.

من هو جواد ظريف؟

هو محمد جواد ظریف خوانساری المولود عام 1960 في العاصمة الإيرانية طهران لأسرة محافظة من التجار، وتلقى تعليمه في مدرسة علوي الدينية الخاصة، وقد ترك إيران وسافر إلى الولايات المتحدة عام 1977 ليُكمِل دراسته الثانوية في مدرسة درو Drew College Preparatory School في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا، لينتقل بعد ذلك إلى جامعة ولاية سان فرانسيسكو ويحصل على بكالريوس العلاقات الدولية عام 1981، ثم الماجستير العام التالي.

عام 1982، أصبح ظريف عضوًا بالوفد الإيراني في الأمم المتحدة بدون أي سوابق في العمل الدبلوماسي نظرًا لعلاقاته الجيدة، وهي وظيفة سارت بالتوازي مع دراساته في قسم العلاقات الدولية بجامعة دِنفِر، حيث حصل على شهادة ماجستير أخرى عام 1984 في العلاقات الدولية، ثم رسالة الدكتوراه في القانون والسياسات الدولية عام 1988، وكان عنوانها “الدفاع عن النفس في القانون والسياسات الدولية.”

بين عامي 1992 و2002 عمل ظريف كنائب لوزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية، وقد ترأس في تلك الفترة لجنة نزع السلاح الدولية التابعة للأمم المتحدة، واللجنة القانونية للجمعية العمومية السابعة والأربعين للأمم المتحدة، واللجنة السياسية لقمة عدم الانحياز عام 1998، واللجنة العُليا لحوار الحضارات التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي.

بعد عشر سنوات، انتقل ظريف ليصبح مندوب إيران لدى الأمم المتحدة بين عامي 2002 و2007، وهي الفترة التي شهدت بزوغه كدبلوماسي إيراني، وعمله كأستاذ للقانون الدولي بجامعة طهران، ونائب رئيس جامعة أزاد الإسلامية، قبل أن ينتقل إلى الخارجية بعد فوز حسن روحاني برئاسة الجمهورية الإيرانية، ثم صعود نجمه مؤخرًا إثر توليه لملف المفاوضات مع القوى الدولية فيما يخص برنامج بلاده النووي.

ماذا خلف الابتسامات؟

استقبال حار بالطبع حصل عليه ظريف من الإيرانيين بعد عودته إلى بلاده إثر إعلان الاتفاق النووي مع القوى الدولية، والذي أنهى على ما يبدو الحصار الدولي الذي تعيشه إيران منذ اندلاع ثورتها عام 1979، وسيفتح الطريق أمام عودة إيران كبلد طبيعي في العالم، خاصة من ناحية روابطه السياسية والاقتصادية بالغرب، وهو اتفاق يعزوه الجميع على ما يبدو لمهارة ظريف الدبلوماسية، وابتسامته أيضًا.

لم تتأتى مهارة ظريف الدبلوماسية من فراغ، وهو المندوب السابق لإيران لدى الأمم المتحدة، والذي تابع بدأب، كما يقول أحد الصحافيين الأمريكيين، النُخَب السياسية في الولايات المتحدة وكأنه مرشح محتمل للرئاسة الأمريكية، وكان حريصًا على التواصل مع الجميع، حتى أنه كان يرد على فيض الرسائل الإلكترونية التي أتته دومًا من الصحافيين والمحللين وأعضاء الكونجرس الأمريكي، وهي عادة لم تنقطع حتى اليوم كما يشي حسابه على تويتر.

بعيدًا عن صورته الإعلامية، والتي نجح في نسجها بعناية بما يحقق له سُمعة جيدة في الدوائر الغربية التي يعرفها جيدًا، وبما يحقق لإيران بالتبعية ما تريده من سياساتها الخارجية، لا يُعَد ظريف الشخص الليبرالي الذي يعتقده الكثيرون في الغرب، لا سيما وهو أحد أبناء الثورة رُغم عدم تواجده في إيران وقت اندلاعها، فرُغم آلاف الأميال التي فرّقت بينه وبين الأحداث الساخنة في طهران إبان الثورة، كان ظريف جزءًا من مجموعة من الإيرانيين الثوريين ممن هاجموا القنصلية الإيرانية في سان فرانسيسكو ليطردوا من لا يكنون الولاء للثورة، وهو محافظ اجتماعيًا كما يقول المقربون، ولكنه يعرف فقط كيفية التواصل الجيد مع مستمعيه، دون أن يحقق لهم بالضرورة ما يريدون.

لا يدلل على ذلك أكثر مما جرى لمالكولم هونلاين، نائب رئيس مؤتمر المنظمات اليهودية الأمريكية، والذي التقى ظريف في أوائل العقد المنصرم ليضغط من أجل إطلاق سراح ثمانية يهود إيرانيين من مدينة شيراز كانوا مفقودين منذ عام 1994، “هو شخص له حضور قوي، وقد دعانا إلى منزله بلُطف وكرم شديد، وظل يعِد بأن يصل إلى الشباب المفقودين، ولكننا في النهاية لم نحصل على أي معلومات عنهم، لقد أعطيناه المعلومات عن مكان رؤيتهم في السجن، ولكن الجواب الذي أتانا لاحقًا كان أنه لا يمتلك أي معلومات عنهم.

"ستحصلون على الابتسامات فقط"، هذا ما يقوله أعداء الاتفاق النووي في الغرب، وهي ابتسامات أُمِر ظريف بالتحلي بها طوال الوقت أثناء المفاوضات بعد أن انتشرت أنباء عن ارتفاع صوته أثناء التفاوض مع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، وهذا هو ما يخشاه أعداء الاتفاق؛ ألا يؤدي لتحقيق أهداف الولايات المتحدة في النهاية، بيد أن الغالبية العظمى لا تزال تدعم الاتفاق وتثق فيما قدمه ظريف أثناء المفاوضات، وهي تنازلات يقولون أنها مضمونة بكتابتها صراحة في الاتفاق، والذي يهمهم فيه تقييد البرنامج النووي الإيراني، بغض النظر عن أي مكاسب سياسية إيرانية جراء تلك الابتسامات، وهي ربما الإشكالية التي تُقلِق المتطرفين في الغرب على المدى البعيد بالنظر لنفوذ إيران المتصاعد في المنطقة.

بين الوصول المفتوح والمتاح لأعضاء الكونجرس ووزير الخارجية الأمريكي من ناحية، وتولي دور رئيسي في لعبة إيران بالمنطقة، يصبح جواد ظريف من الأشخاص القليلين على المستوى الدولي ذوي الوصول الواسع والسهل، فهو يستطيع أن يتصل في دقائق بجون كيري، ويستطيع أيضًا أن يتصل بحسن نصر الله في نفس الوقت.

براجماتي أم ثوري؟

قبل أن يترك منصبه بالأمم المتحدة عام 2007، أهدى كيسنجر كتابه “الدبلوماسية” لجواد ظريف، والذي التقاه مرات عدة أثناء عمله في نيويورك، وقال عنه بأنه “ذكي ودّمِث ومثير للحوار معه”، وكتب في إهدائه داخل الكتاب “إلى خصمٍ أحترمه”.

رُغم تلك العلاقة بين الطرفين، يصر ظريف أن هناك خلافات بينه وبين كيسنجر، والذي لا تعجبه مدرسته الواقعية، “أنا بعيد جدًا عن تلك المدرسة،” هكذا قال ظريف لأحد الصحافيين الأمريكيين، “كل الحكومات بالطبع جهات عقلانية، وهذه هي القاعدة التي تنبني عليها المدرسة الواقعية، وأنا لا أختلف معها، ولكن هذا لا يعني أن كل المسؤولين والوزراء أيضًا عقلانيين صِرف، فنحن نتعامل مع الواقع في إيران ونحاول التأقلم، ولكننا أبدًا لن نبتعد عن مبادئنا.. سأصيغ ذلك بكلمات كسينجر نفسه: الكثيرون يرون أن مصالح إيران ستتحقق بشكل أفضل إذا ما وجدنا طريقًا لا يخلق تعارضًا بين إيران كدولة وإيران (الثورة) كمبدأ، ولكن ليس التخلي عن الأخيرة.”

بينما يتحرك ظريف من باريس إلى فيينا، ومن برلين إلى واشنطن، ومن لندن إلى بروكسل، بخفة وابتسامة، تتحرك من ناحية أخرى قوات الحرس الثوري وقوات القدس في مواقعها بسوريا والعراق، لتفسح مجالًا جديدًا للنفوذ الإيراني الصلب، بالتوازي مع ابتسامات ظريف التي تفتح لإيران مجالًا جديدًا للنفوذ الناعم.

“سنفتقدك كثيرًا،” هكذا قال مارتِن إندك، أحد أبرز أنصار إسرائيل في الولايات المتحدة والسفير الأمريكي السابق في تل أبيب، بعد لقائه بجواد ظريف في عشاء نظمه مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي في مطلع عام 2014، وهو عشاء تبعته بأيام قليلة زيارة ظريف للبنان، حيث التقى نصر الله ووضع الورود على قبر الشهيد عماد مغنية، الضالع في تفجيرات السفارة الأمريكية عام 1983.