لم يكن تصرف فريناز خسرواني الشابة الكردية المهابادية بتفضيلها الانتحار على الرضوخ للاغتصاب أمرًا خارج سياق الموروث الكردي بل كان متناغمًا مع قاعدة الرصاصة الأخيرة التي تحتفظ بها المقاتلات الكرديات لأنفسهن في المعارك، رصاصة الخلاص من ذل الأسر.

كما لم تكن ردة فعل الأكراد في مهاباد أيضًا خارج سياق المنطق والموروث الكردي في الزحف إلى الساحات والشوارع منددين بالجريمة النكراء ومطالبين بمعاقبة المجرمين بعد إجراء تحقيق عادل رصين.

ولكن ما كان خارج السياق هو بيانات وتصريحات وخطابات ومقالات ودعوات صادرة عن أحزاب وكُتاب وشخصيات كردية حملت في طياتها الكثير من التحريض المذهبي وسأمثل على ذلك بفقرة وردت في بيان لمجموعة أحزاب أكرادستانية فسرت ما جرى للشهيدة فريناز يدل على حقد تاريخي وصراع طائفي مذهبي، وكاتب كردي يطالب الدول السنية بدعم ثورة الأكراد ضد الروافض !والكثير من التصريحات والبيانات الطائفية، وبالتالي الابتعاد عن جوهر القضية في سيناريو يذكرنا بأحداث وتصريحات وأفعال أغرقت الشعب السوري ببحري الطائفية والإرهاب.

وهنا وليس كما يحلو للبعض القول بعيدًا عن نظرية المؤامرة بل أقول وإيمانًا واعتقادًا بنظرية المؤامرة إن ما يحصل في المنطقة من أحداث وآخرها في مهاباد ناجم عن صراع محورين، وهناك محور مازال يعتمد نفس الأفكار والخطط ويطبقها بحرفيتها في عدة أمكنة دون أي تعديل، وإن الأكراد إن استمروا بهكذا تعاطي مع ما يجري في مهاباد سيورطهم ذاك المحور من خلال استغلال عدالة قضيتهم وقدسية شهادة فريناز خسرواني في حرب مذهبية سيكونون هم الخاسر الأكبر فيها.

هذا ليس تنجيمًا، بل هو استنتاج مبني على تصريحات لبعض الشخصيات المؤثرة كصالح القلاب وزير الإعلام الأردني الأسبق وبعض النواب الخليجيين والتي في مجملها تركز على ضرورة الرد على التدخل الإيراني في الكثير من الدول باستخدام نفس الأسلوب ولتكن البداية بدعم تحرك الأكراد في إيران والعمل على تصعيد الموقف، أي أن دعمهم للأكراد ليس إيمانًا بقضية الأكراد وعدالتها وليس خيارًا إستراتيجيًا، إنما هو خيار آني مشروط بسلوك طهران، فإن تغير سلوك طهران أوقف الدعم عن الأكراد، تمامًا كما تخلى الاتحاد السوفيتي عن جمهورية مهاباد عام 1946 وكما حصل مع الملا مصطفى البارزاني من خلال اتفاقية الجزائر الشهيرة بين شاه إيران وصدام حسين عام 1975.

التاريخ يعيد نفسه

وفي العودة للبيانات والتصريحات التي سقطت في فخ الطائفية لبعض الأحزاب والشخصيات الكردية بشأن مهاباد كاستجداء دعم الدول السنية للقضاء على الروافض! لو عدنا للوراء قليلاً عندما ارتكب النظام العراقي السني مجزرة حلبجة هل كان يتوجب علينا أن ندعو الشيعة لمساندة الأكراد للقضاء على النواصب، ألا تعتبر تلك التصريحات والبيانات مجرد مراهقة سياسية أو خطابات شعبوية هدفها تحويل دماء فريناز خسرواني وإخوتها الأكراد المنتفضين لوقود رافعة هزيلة ترفع بعض الشخصيات ماديًا وإعلاميًا، ولكنها في الوقت نفسه ترفع العدالة والإنسانية والنزاهة عن قضية الأكراد ومظلوميتهم، وبالتالي قطع تذكرة عبور للتنظيمات المتطرفة كالقاعدة وتنظيم الدولة إلى مهاباد؟!

وهنا أتساءل هل يجوز سياسيًا وأخلاقيا درء مفسدة بمفسدة أعظم؟! وألا تشكل تلك التصريحات والبيانات توريطًا وإحراجًا للأحزاب الأكرادستانية الكبرى وتحديدًا في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها الشرق الأوسط.

فلو تحدثنا عن الحزب الديمقراطي الأكرادستاني بزعامة الرئيس مسعود البارزاني لوجدناه منهمكًا في تأمين دعم إقليمي ودولي لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في حرب ضروس وتحتاج لنفس طويل ولدعم كبير، وبما أننا نتحدث عن الدعم فمن المفيد أن نذكر بما قاله البارزاني أمام وسائل الإعلام عندما كان مقاتلو تنظيم الدولة على مشارف هولير (أربيل) عاصمة إقليم أكرادستان عندما أعلن أن أول دولة مدت يد العون لإقليم أكرادستان كانت إيران.

ولو ذهبنا شمالاً إلى تركيا حيث يتحضر حزب العمال الأكرادستاني عبر جناحه السياسي حزب الشعوب الديمقراطي لخوض أم المعارك كما توصف ألا وهي معركة الانتخابات البرلمانية في يونيو القادم، تلك الانتخابات التي يتوقع أن تكون مفصلية بالنسبة للأكراد وبالنسبة للرئيس التركي أردوغان، ويسعى حزب الشعوب الديمقراطي للتحقيق انتصار تاريخي وتشكيل كتلة برلمانية وازنة تقوي من موقعه التفاوضي أمام خصم قوي (حزب العدالة والتنمية) في إطار العملية السياسية أو ما يعرف بخارطة طريق التي أطلقها عبد الله أوجلان لحل القضية الكردية وذلك عبر جذب أصوات المكونات العرقية والمذهبية في تركية كالأرمن والشركس والشيعة والعلويين.

فريناز خسرواني قدمت للأكراد في إيران (شرق أكرادستان) فرصة ذهبية لو أحسن استغلالها بعقل حار وعاطفة باردة وذلك عبر تشكيل مرجعية كردية سياسية في مهاباد بدعم من الأحزاب الأكرادسانية الفاعلة والسعي لتأمين لقاء يجمعها مع الحكومة الإيرانية للبدء بوضع أسس حل إستراتيجي يحفظ مصالح شعوب المنطقة على اختلاف قومياتهم وطوائفهم، فالمعارك تدار على أراضينا وتطحن عظام شعوبنا بعيدًا عن أراض وشعوب القوى المتصارعة على ثروات منطقتنا.

لنكون عظماء يجب أن نكون أمة عظيمة

الولايات المتحدة الأمريكية 50 ولاية إضافة للعاصمة واشنطن (و كل ولاية تعادل دولة في منطقتنا) وقوميات وأعراق وأديان شتى توحدت فأنتجت قوة عظمى، وكذلك روسيا الاتحادية والاتحاد الأوروبي.

ولذلك بدلاً من أن نتحارب فلنتفاوض على إنشاء اتحاد فيدرالي قوي ومتين في منطقتنا يضمن حقوق الجميع القومية والإثنية ويضع حياة الشعوب إستراتيجية بقائه .

حينها قد نتحول لقوة عظمى تلعب بند مع الإمبراطوريات الكبيرة وتضمن مكانًا لها بعد انتهاء موجة صدام الحضارات. التشبيك بين شعوب المنطقة هو الحل برأيي فقد مللنا الحروب، مللنا التزييف، مللنا أن نكون بيادق تكون أول من يُضحى بها في لعبة الأمم.