خلال قرون مضت كان من المغاربة من هم مضطرون إلى افتراس الكلاب، الثعالب، القطط، الخنازير وغيرها من الحيوانات؛ من أجل البقاء على قيد الحياة في أعوام طبعها الجفاف، القحط، الجراد، الطاعون، "التوفيس"، وإلى أجل قريب؛ في أربعينات القرن الماضي عانى المغاربة من أخطر مجاعة على الإطلاق في تاريخ المملكة، بسبب الاستنزاف الخطير للمواد الغذائية، لتمويل المجهود الحربي الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية، وقد قضى الجوع والعوامل المرتبطة به من أمراض وأوبئة في سنة 1945 على نحو 50 ألف مغربيًا، شكل الأطفال بذلك النسبة الأهم من ضحايا "وحش الجوع".

2030 .. عام الجوع القادم

تتوقع آخر الدراسات المستقبلية أن يواجه المغرب أزمة مجاعة خلال العقود القادمة، نتيحة التغير المناخي الذي يشهده العالم؛ إذ حذرت دراسة حديثة للوكالة الأمريكية لأبحاث الفضاء NASA، أن يطال المغرب أزمة غذاء بحلول سنة 2030، بسبب تراجع إنتاجه الفلاحي خصوصًا إنتاج الحبوب، مؤكدة أن يكون ذلك نتيجة الاحتباس الحراري، الذي سيؤثر سلبًا على حجم التساقطات المسجلة كل سنة، والتي يعول عليها المغرب بشكل كبير في إنتاجه للطعام.

ووفقًا لذات المعطيات فإن القارة السمراء، التي يعول عليها العالم لتلبية حاجات الطعام المتزايدة، هي من أكثر المناطق تضررًا جراء ظاهرة الاحتباس الحراري، وهو الأمر الذي سيؤثر على السلم والاستقرار في القارة، وعلى أمنها الغذائي.

لا خوف على "الخبز"

يعد الخبز في بلد مثل المغرب غذاءً شعبيًا بامتياز، فلا يمكن الاستغناء عنه في أي من الوجبات الأساسية، ويقدر الإنتاج المرتقب من الحبوب للموسم الحالي بـ 11 مليون طنًا، حسب معطيات وزارة الفلاحة، بينما بلغ إنتاج الموسم الماضي 6.8 مليون طنًا، هذا ويستورد البلد حولي 40% من حاجته من الحبوب، ولم تعرف أسعار الخبز أي ارتفاع عكس باقي المواد الغذائية والأساسية الأخرى، التي عرفت ارتفاعًا في أسعارها خلال عهد حكومة بنكيران، التي نهجت سياسة تقشفية هددت قدرة المواطن الشرائية.

وفي ذات السياق أشادت منظمة الأغذية والزراعة FAO  بجهود المغرب فيما يخص تحقيق الأمن الغذائي، وصنف تقرير حالة انعدام الأمن الغذائي 2014 المغرب ضمن مجموعة الدول التي حققت بالفعل الهدف الأول من الأهداف الإنمائية للألفية، وهو خفض نسبة الجياع بمقدار النصف.

ووفقًا للمعطيات الرسمية، يعرف الناتج الداخلي الخام الفلاحي ارتفاعًا متزايدًا منذ سنة 2000، إذ انطلاقًا من سنة 2009، تجاوز هذا الناتج عتبة 100 مليار درهم سنويًا، مقابل معدل 75 مليار درهمًا قبل سنة 2008، وتعزى هذه النتائج إلى مخطط المغرب الأخضر، وهو إستراتيجية أعلن عنها سنة 2008، وتسعى لمواجهة خطر الجوع في المستقبل.

فلاحة تقليدية

تشكل الفلاحة في المغرب، أحد القطاعات الهامة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فهي تضم ما يقارب 1.5 مليون فلاح، يساهمون بحوالي 15% في الناتج الوطني الداخلي الخام، غير أن الفلاحة في معظمها تقليدية، ولا تتعدى نسبة الأراضي الصالحة للزراعة 13% من مجموع المساحة الإجمالية للبلد، هذا بالإضافة إلى أن 80% من هذه الأراضي يستغلها المزارعون باعتماد طرق تقليدية.

وتشير المعطيات أن المغرب لا يصنف من البلدان الجائعة في الوقت الحالي؛ لكن سنوات الجفاف التي عرفتها المملكة خلال العقد الماضي لا يمكن تجاوز آثارها بسهولة؛ فالجوع قادم لا محالة، ولا يمكن محاربته بالاعتماد فقط على ما تجود به السماء من أمطار، سيرتفع عدد السكان، والأراضي الصالحة للزراعة والثروة الحيوانية في تناقص، ولا يمكن لها أن تكفي مستقبلًا حاجة سد جميع الأفواه.

البحث عن موارد جديدة للغذاء لا يعني فقط توسيع مساحات الأراضي الزراعية التي تتم في كثير من الأحيان على حساب الغابة، في حين أن الأراضي القاحلة تتسع مساحتها شيئًا فشيء، أفلا تستدعي خطورة الموقف تحويل هذه الأخيرة إلى مساحات خضراء؟ متى يتحرك المغرب بجدية للحفاظ على ثروته السمكية من الاستنزاف؟ ونحن على أبواب كارثة إنسانية يفرط المغرب بواحدة من أولى ثرواته الغذائية، ويترك بواخر الاتحاد الأوربي تفعل ما تشاء في بحره ومحيطه.