نتحدث هنا عن ابن الناصرة المخرج الفلسطيني المبدع هاني أبو أسعد، الذي درس الهندسة الميكانيكية في بولندا ليصبح مهندس طيران، ثم ما لبث أن توجه لعالم السينما وبداياته كمساعد مخرج ثم مخرج أفلام وثائقية، ثم الروائية الطويلة، وحَصْد أهم الجوائز الدولية في مجال صناعة الأفلام.

المتتبع لمسيرة أبو أسعد يجد صعودًا وتطورًا في أدائه مستمر وثابت، إنه مخرج ذو رؤية إخراجية مميزة صادقة وفريدة في آن واحد، تترافق ومشروع سينمائي تطور عبر أكثر من عشرين عامًا، وعدد من الأفلام ليس بالقليل أشهرها "عمر" و"الجنة الآن" و"عرس رنا".

الجنة الآن

فيلم روائي طويل يتناول تجربة شابين سعيد وخالد اللذان يعملان كميكانيكيان لكسب رزقهما ويُقدمان على تنفيذ عملية استشهادية داخل الأراضي المحتلة، خرجا من قلب قهر وبؤس المخيمات الفلسطينية المحتلة ويتتبعهما في آخر يومين لهما، تم تصوير الفيلم في مخيم بلاطة شرق نابلس وشمال فلسطين المحتلة، قام بأداء الشخصيات الرئيسية كل من قيس ناشف، علي سليمان، لبنى الزبال، هيام عباس، كتب هاني بو أسعد وبيرو باير السيناريو، فيما أنتجه بيرو باير بتكلفة تُقارب المليوني دولار وحصد إيرادات أكثر من ثلاثة ملايين دولار.

من ناحية أخرى كان الفيلم على جانب عالٍ من الجودة  والمهنية، بداية بقوة الحبكة ونضجها وقوة وتكامل السيناريو، ووضوح الفكرة أو الرسالة التي يتبناها الفيلم، تنوعت وتعددت المشاهد واللقطات ما بين الواسعة، الضيقة ، البعيدة، القريبة والأمريكية، اللقطة التأسيسية للفيلم في مشهد الحاجز كانت موفقة، فيما أتتْ حركات الكاميرا متنوعة متعددة أدت دورها المحدد في خدمة السيناريو بشكل جيد، وساهمت في إثراء وإمتاع المشاهد ودمجه في أحداث الفيلم، أصاب أبو أسعد في استخدام فلسطينية بلهجة مغربية، كان ذكاءً فقد ساوى بين الفلسطينيين في كل مكان في المعانة والقهر والذل من ممارسات الاحتلال، وأيضا وُفق في تناول الجانب الإنساني لمنفذي العمليات الاستشهادية وتسليط الضوء على الأحاديث الداخلية بينهما والأسباب المتباينة التي دفعتهما لتنفيذ العملية، كان سعيد يسعى لتحسين صورة عائلته بعد تصفية والده العميل في خطوة جريئة شجاعة أضفت على الفيلم البعد الإنساني الذي أكسبه درجة عالية من الواقعية والصدق ربما، وتكثيف اللحظات الدرامية الإنسانية في العمل، بالإضافة لعوامل أخرى فنية جعلت هذا العمل عمل عالمي وفيلم مهرجانات، حيث عُرض أول عرض له في الأسبوع الأول من مهرجان كان بفرنسا.

نجح "الجنة الآن" رغم محاربة الاحتلال لوئده من خلال القصف أو الاعتقالات، في الوصول لعدد من الجوائز الدولية: جائزة مهرجان برلين للسينما العالمية 2005، جائزة الفيلم الأوروبي 2005، جائزة العمل الذهبي الهولندية 2005، وجائزة دوربان للسينما العالمية في جنوب أفريقيا 2005 وأهمها جائزة الجولدن جلوب 2005.

اختيار الأماكن والأحراش والطبيعة الجبلية لنابلس خدمت الفيلم كثيرًا، حيث استطاع الفيلم أنْ يرسل رسائل معاناة الحياة الفلسطينية اليومية التي من شأنها أنْ تولد الانفجار والقهر والغضب والحزن والأسى، بطريقة ذكية مبهرة لامعة جذابة على طريقة هوليوود.

عُمرْ

ثم بعد 8 سنوات أطل بتحفته الثانية، فيلم الدراما الروائي عمر من إنتاج 2013، كتب هاني أبو اسعد السيناريو في أربعة أيام في سابقة نادرة، حيث تدور أحداث الفيلم حول ثلاثة أصدقاء عمر، طارق، وأمجد، ونادية أخت طارق، التي يُغرم بها عمر.

عمر الشخصية الأبرز في الفيلم هذا الشاب الذي يعمل كخباز في فرن، يتسلق جدار الفصل العنصري يوميًا ليزور حبيبته التي تسكن خلف الجدار، متحاشيًا طلقات الاحتلال، تتغير حياة أبطال الفيلم بعد تورطهم في حادث قنص جندي إسرائيلي ويصبحون مطاردين؛ يُعتقلْ عمر ويتلقى أبشع أنواع التعذيب في السجون الإسرائيلية، ثم تتطور الأحداث وتتأزم لتتناول قضية التخابر مع الاحتلال والخيانة التي يتهم عمر بها، ويستعرض هاني أبو أسعد هنا صعوبة وقساوة معاناة من يُشكْ فيه أو تثبت عليه تهمة التخابر مع الاحتلال داخل المجتمع الفلسطيني، في ظل وجود قصة حب بين عمر ونادية التي تستمع للكلام الذي يُقال، ينتهي الفيلم بزواج نادية من أمجد وتنجب عددًا من الأولاد  فما يستشهد طارق ويثأر عمر من الضابط الإسرائيلي في الشابك ويقتله.

من  الواضح جدًا أن فيلم عمر فيلم قوي، استطاع أبو أسعد أن يتجنب الأخطاء التي وقع فيها في السابق؛ فبدا تجربة أكثر نضوجًا، أبدى أبو أسعد سعادته تجاه الإنتاج، فهو إنتاج فلسطيني أنتجه الأخوين زعيتر بموازنة قدرت بحوالي المليون ونصف المليون دولار، وفاقت إيرادات ذلك بكثير  محققًا تجربة سينمائية فلسطينية ناجحة إخراجيا وإنتاجيًا، وطاقم العمل كان فلسطينيًا بالكامل من الممثلين وليد زعيتر وآدم بكري وإياد حوراني ولين لوباني في تجربتهم الأولى والمصورين وكافة العاملين فيه، تم التصوير بين جنين بالضفة الغبية والناصرة شمال فلسطين المحتلة، حيث كانت ظروف التصوير أسهل من الفيلم السابق بكثير، حيث لمع المصور إيهاب أبو العسل  كمصور محترف.     

وظهر أسلوب الفكاهة في الفيلم في عز المواقف صعوبةً كالنكات التي كان يطلقها الأصدقاء، في محاولة للسخرية من الأحداث، متأثرًا أبو أسعد بالسينما المصرية في ذًلك.

فيما لاقى عمر ردود أفعال واسعة إيجابية أوسع من الفيلم الأسبق الذي انقسمت الآراء حوله بين مؤيد ومتهم لأبو أسعد ببيع القضية، ربما يعود لطبيعة القضية التي تناولها!

وأتتْ الحبكة الدرامية مكثفة قوية متكاملة، فيما لم  يستخدم المخرج  الموسيقى التصويرية واستعاض عنها بصوت الخلفية كالسيارات والسوق والهتاف والجنازة في حالة عمر، ليزيد من واقعية الفيلم وتأثر المشاهد به، كما برز دور الإضاءة وحركة الكاميرات وأنواع وأحجام اللقطات بشكل واسع في عدد من المشاهد مثل مشهد السجن ليعطي مصداقية لأحداث الفيلم  ويبني جسور من التواصل والتعاطف مع شخصية عمر من  قِبل المشاهدين. 

كل هذه الأسباب وغيرها أظهرت فيلم عمر كأحد أبرز المرشحين لجائزة الأوسكار 2013، فيما فاز بعدد  آخر من الجوائز مثل جائزة محمود درويش 2015 للحرية والإبداع في دورتها السادسة، جائزة المهر العربي كأفضل فيلم عربي طويل في مهرجان دبي في دورته العاشرة ، جائزة أفضل مخرج لمخرجه، جائزة لجنة التحكيم في فئة "نظرة ما" ضمن مهرجان كان، جائزة التانيت في مسابقة للأفلام الروائية في أيام قرطاج السينمائية، كما فاز بجائزة المهرجان لأفلام الشباب لأنه يقدم مشاكل الشباب بجرأة عالية، وكذلك على جائزة أحسن سيناريو على طريقته في تبسيط العمل الذي يدخل القلب سريعًا، إضافة إلى حصول الفيلم نفسه على جائزة الجمهور التي منحها المهرجان للمرة الأولى للفيلم الأكثر إقبالاً ووصولاً للمشاهد.

الفيلم الجيد هو ذاك الفيلم المؤثر الذي يجعلك تتساءل مع نفسك ماذا قدمت، ما هو دورك أنتْ، الفيلم الوجودي الخالد الذي يخرج من ضيق موقف ما إلى اتساع القضية كقضية إنسانية، وهنا نستطيع أن نلمس هذا في أسلوب هاني أبو أسعد، فدائمًا ما أحسن في تبني القضايا الإنسانية كالاحتلال وإجبار الناس على التخابر مع العدو والتعذيب في السجون، حيث إنه متى انتهى الاحتلال لا يمكنها أن تفقد أفلامه قيمتها بالعكس فهي تَأْريخية  للسينما الفلسطينية ومنعطف مهم في انطلاقها نحو العالمية.

فيما سيطل علينا هاني أبو أسعد قريبًا بعمل من إنتاج mbc يتناول فيه قصة مشابهة لقصة الفنان محمد عساف بعنوان: "محبوب العرب" يمثل فيه عساف، فيلم بعيد عن السياسة لكنه ملتزم كباقي أعمال أبو أسعد، تم التصوير في الأردن بعمان وشمال فلسطين وغزة بخانيونس، طاقم العمل هو نفس طاقم عمل فيلم عمر، وهذا وحده سبب يجعلنا ننتظره.

تجربة هاني أبو أسعد والمشهراوي والبيطار وخليل المزين وجرادة، هي استكمال لأدوار نادى بها عدد من المثقفين الفلسطينيين من أمثال غسان كنفاني وناجي العلي ومحمود درويش والمفكر إدوارد سعيد، حيث قال: "نواجه ثقافة القوة بقوة الثقافة"، وهذه إستراتيجية مكملة لكافة أدور كفاح المُقاومة المسلحة والدبلوماسية والسياسية.