مظاهرات في بغداد بسبب إرتفاع درجات الحرارة وعدم توفر الكهرباء

52 طفلاً قتلوا، ليس برصاص الاحتلال ولا حتى بسكاكين التنظيمات الإرهابية ولا في انفجار في سوق أو مدرسة! إنه مجرد ارتفاع في درجات الحرارة قتل52 طفلاً في مخيمات النازحين، فلماذا هذا السخط الكبير من قِبل الشعب على حكومة بغداد ولماذا تخرج الاحتجاجات والتظاهرات؟

في تاريخ ثورات وانتفاضات العراق الحديث يمكن وصفها بأنها ثورات صيفية دون منازع ويوليو شهر الاندلاع بلا منازع أيضًا؛ فثورة العشرين كانت نواتها في 25 يونيو ولكن الاندلاع كان في المشخاب في منتصف يوليو وثورة 14 يوليو 1958 التي أنهت الملكية في العراق وأسست الجمهورية، وكثير من الاحتجاجات الأخرى في فصول صيف العراق الحارقة الملهمة للشعوب بالثورة.

في عراق 2015 لم يتحرك الشعب ضد الحكومة سقوط ثلث أراضي البلد بيد تنظيم الدولة ولا حتى تهجير 4 ملايين عراقي من 6 محافظات عراقية، ولا فساد جعل ميزانية الدولة في مهب الريح ولا هبوط أسعار النفط، ولكن حرارة الشمس كان لها سحرها الخاص في إخراج العراقيين إلى الشوارع، منددين بحكومة العبادي ومطالبين بإقالة وزير الكهرباء وتوفير الكهرباء للمواطنين، ولكن هل هذا سينهي الأزمة فعلاً؟

إن ما يُهدد مستقبل العراق ليس ارتفاع درجات الحرارة الذي سينتهي بعد أسابيع ولكن مستقبل البلد ومن يسكنه رهن تصرفات حكومة أقل ما يقال عنها أنها تعتمد مبدأ التسويف والضحك على الجمهور؛ فقد أصدر العبادي أمرًا بأن يكون يومي الخميس والأحد عطلة رسمية، بينما زار السيد وزير الكهرباء المهندس قاسم محمد الفهداوي، مركز السيطرة الوطني في دائرة التشغيل والتحكم، صباح يوم أمس الجمعة، وأكد خلال لقائه بمنتسبي المركز على ضرورة الالتزام بتزويد العاصمة بغداد والمحافظات بالحصص المقررة، وأن تلتزم المحافظات بتلك الحصص، لضمان استمرار تزويدها بالطاقة الكهربائية؛ الأمر الذي زاد الطين بلة كون الأمر عبارة عن تمثيلية لم ينتج عنها شيء.

في وقت سابق ظهر خبر زيارة وكيل الوزارة لشؤون التوزيع عبد الحمزة هادي، مناطق شمال البصرة وأن المنطقة ستشهد تحسنًا كبيرًا في ساعات التجهيز، حيث سيتم إدخال خط نقل الطاقة الكهربائية (هارثة/ قرنة) يوم الخميس الماضي بطاقة تصل إلى 150 ميجاواط وتضاف إلى حصة مناطق شمال البصرة، مشددًا بضرورة إدخال الخط بموعدها المقرر حتمًا، وتم تبليغ كافة وسائل الإعلام والمجالس المحلية في مناطق شمال البصرة بالقطع الذي سيحدث أثناء ربط الخط الذي يستغرق 6 ساعات موزعة على مدى يومين من الساعة الرابعة صباحًا وحتى الساعة العاشرة صباحًا لأن هذا الوقت يشهد درجات حرارة واطئة ممكن العمل خلالها والمناطق التي ستتأثر أثناء ربط الخط هي (القرنة/ الهارثة/ الدير) نتيجة إيقاف خطي (هارثة – هارثة قديمة) في اليوم الأول وإيقاف شبكة القرنة بالكامل، في اليوم الثاني سيتم إعادة الخطين إلى العمل بعد إنجاز الصيانة مباشرةً؛ الأمر الذي يجعلنا نطرح السؤال التالي: لماذ الآن حتى تحركت وزارة الكهرباء هل يغفل عنها جو العراق؟

على صعيد آخر فإن الحراك يبدو أنه اتجه بشكل تصعيد ولكن ليس في الطلبات ولا التظاهر، ولكن في القفز في نهر دجلة للتخفيف من درجات الحرارة أو حجز بطاقات التذكرة إلى إسطنبول لقضاء فترة الذروة الصيفية للهروب من حرارة العراق، ولعل زيارة بسيطة لمنطقة أكسراي في إسطنبول ستعطي لك مثالاً لحالات الهروب الجماعي التي تصل بشكل أفواج سياحية هناك تجد درجة حرارة إسطنبول الثلاثينية ربيع جميل.

يبدو أن السخط الجماهيري لن يستثمر في العراق ولن يكون هناك أي تغيرات جذرية، لكن مجرد بعض التحركات البسيطة والوعود التي لا تتعدى كونها ذر للرماد في العيون لينتهي صيف هذا العام بضربة شمس وليس ثورة تغير الواقع المرير.

عودة لذي بدأ فإن نازحي خيم العراق يموتون بصمت ومجرد أرقام في وزارة الهجرة وإحصاءات لدى الأمم المتحدة؛ فمخيمات النزوح التي يقطنها ما يزيد عن ثلاث ملايين نازح عراقي هي غير مؤهلة لأبسط مقومات الحياة؛ ففي صحراء العراق الحارقة تقبع خيام النازحين حيث تطلق الشمس رصاصها على صدور أطفال الخيام فيها ولا يوجد غير بعض المبادرات الشبابية المحلية التي لا تغطي سوى جزء بسيط جدًا من هذا الاحتياج الهائل.

تلك المعاناة المستمرة للعراقيين بين تهجير وبطالة وفساد وانعدام خدمات وانهيار أمني لن تنفع معه محاولات العبادي وحكومته والنخبة السياسية بتغطية الشمس بغربال وإجراءات مضحكة لإسكات شعب صبر كثيرًا.