خالد مشعل ومحمود عباس

بعد عام على آخر خطاب له، ظهر زعيم حركة حماس خالد مشعل في خطاب سياسي حمل رؤية الحركة للخروج من الوضع الفلسطيني الراهن، حيث تعيش القضية الفلسطينية حالة من الضياع والانقسام هي الأخطر منذ سنوات، فبينما تعبث إسرائيل في ثوابت الشعب الفلسطيني وعلى رأسها القدس، وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام عبث آخر يتعلق بالهوية الوطنية من خلال الدعوة المنفردة التي وجهها الرئيس محمود عباس للمجلس الوطني للانعقاد وما سبقها من خطوات تؤكد أن الرجل يسعى في نهاية حياته السياسية إلى تدمير ما تبقى من مؤسسات وطنية، وهو ما أدخل الحالة الفلسطينية في انقسام جديد أعمق من الانقسام الذي جرى قبل ثماني سنوات بين فتح وحماس، انقسام وصل إلى داخل البيت الفتحاوي الذي ظهر مرتبكًا من الخطوات الفردية التي يقوم بها عباس.

للوهلة الأولى يبدو خطاب مشعل خطابًا عاديًا ومكررًا في رسائله ومضامينه، وفيما يتعلق بالدعوة إلى الوحدة ونبذ الانقسام والشراكة الوطنية، وهي دعوات كررتها حماس وقيادتها عشرات المرات خلال الأعوام الماضية، لكنها لم تجد لها رصيدًا على أرض الواقع، لكن بتعميق النظر في الخطاب وخاصة من جهة التوقيت تُدرك أنه خطاب استثنائي في ظرف استثنائي، فبينما كان الجميع يترقب من حماس وحلفائها السياسيين خطوات أحادية الجانب كرد فعل على خطوات عباس جاءت الحركة بخطاب منسجم مع ذاتها ومبادئها وتاريخها السياسي.

حماس تستشعر خطورة المرحلة

بدأ خطاب مشعل بالحديث عن الوضع الفلسطيني وما تعيشه القدس وحالة التغول الصهيوني في الضفة المحتلة، وهو ما يعني أن حماس كغيرها من الفصائل الفلسطينية تستشعر خطورة المرحلة وما يعصف بالقضية الفلسطينية والحالة الإقليمية الراهنة التي جعلت فلسطين بعيدة عن دائرة الاهتمام العربي والدولي، وهو ما منح الاحتلال الإسرائيلي فرصة ذهبية لاستهداف شعبنا قتلًا واعتقالًا وتشريدًا، وتهويد المقدسات الإسلامية والمسيحية، فالمؤامرة على المسجد الأقصى المبارك وفرض تقسيمه بالأمر الواقع في مراحلها الأخيرة، وحصار قطاع غزة ومنع الإعمار ومنع سبل الحياة عن أهله مستمرة منذ تسع سنين، والاستيطان ينهش ما تبقّى من جسد الضفة، واللاجئين في مخيمات سوريا ولبنان وغيرها يشتتون من جديد ويموتون في أعالي البحار، والأسرى يتعرّضون لشتى أنواع التنكيل والتعذيب، ومجرمو الحرب الصهاينة يفلتون من العقاب، ويعودون لتكرار جرائمهم وسط صمت دولي مريب، كل ذلك يحدث والانقسام السياسي الفلسطيني ينخر في جسد القضية، فالمقاومة مُلاحقة في الضفة بفعل التنسيق الأمني، وغزة مُحاصرة مكلومة لم تتعاف من آثار الحرب الأخيرة، والفصائل الفلسطينية تبدو كالرجل العجوز ضعيفة مهزوزة، في حين يتفرد عباس بالقضية الفلسطينية ويسعى هو وفريق "المصالح" من حوله لتدمير ما تبقى من مؤسسات وطنية.

تُدرك حماس أمام كل المعطيات السابقة أنها أمام لحظة تاريخية فارقة، وأن ما تتعرض له القضية الفلسطينية تجاوز اليوم حدود الاختلاف السياسي، ووصل إلى الهوية الوطنية وهو ما يتطلب هنا أن تكون القرارات والخطوات على مستوى الوطن؛ لأن سفينة الوطن إن غرِقت فالجميع سيغرق، وأن إبقاء الحالة الفلسطينية على ما هي عليه اليوم أمر خطير لا يمكن قبوله.

حماس متماسكة واثقة

رؤية حماس للخروج من الوضع الراهن لخّصها مشعل خلال خطابه في خمس نقاط، تبدأ بالدعوة إلى تأجيل انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني بصورة منفردة، دعوة الإطار القيادي لمنظمة التحرير الذي يضم حماس والجهاد للانعقاد الفوري، الدعوة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تحضر للانتخابات العامة ومزاولة المجلس التشريعي لمهامه، التأكيد على إنجاز المصالحة والوطنية وإنهاء الانقسام، والدعوة إلى حوار وطني شامل لا يستثني أحد.

هذه الرؤية أكدت من خلالها حماس أنها منسجمة إلى أبعد مدى مع ذاتها وتاريخها وفكرها السياسي، وأنها تتعاطى مع الملفات الدقيقة بروح وطنية عالية تترفع من خلالها عن ردأة الفعل، خاصة أن الحركة تُدرك أنها أمام لحظة تاريخية تتطلب منها مواقف واضحة لإنقاذ الوطن.

جاء خطاب مشعل ليرسم خارطة طريق واضحة للخروج من الأزمة، وهو قبل ذلك وضع وثيقة تاريخية للأجيال، أن حماس في الوقت الحرج تمسكت بخيار الوطن لا خيار الحزب، وتمسكت بالشراكة لا بالتفرد، بينما كان الآخرون يغردون منفردين كانت هي تتمسك بسفينة الوطن؛ لتنقذ ذاتها وشعبها، وحتى الغارقين من سلطة ومنظمة مترهلة.

فتح مرتبكة ومنقسمة

منذ دعوة أبو مازن لعقد المجلس الوطني والحديث عن البديل له في السلطة ظهرت حركة فتح منقسمة على ذاتها مرتبكة في مواقفها متباينة في تصريحاتها، حتى أن مواقعها الإلكترونية بدأت بشن حملات إعلامية متبادلة للنيل من قيادات الحركة، فبينما يطبل أصحاب المصالح في مكتب الرئيس له ولكل ما يصدر عنه من تصريحات ومواقف، ظهرت أصوات أخرى تحاول ضبط الإيقاع والمحافظة على الجسم الفتحاوي المُهترئ والمنهك بفعل الانشقاقات الداخلية العميقة التي عكستها الاشتباكات الداخلية في خانيونس وجامعة الأزهر، وأكدتها الخلافات العلنية بين أقطاب الحركة في نابلس وطولكرم وغيرها، وهو ما يهدد الحالة الفلسطينية الراهنة.

بقي أن أشير إلى أن خطاب مشعل جاء في الوقت الصحيح، وأعتقد أنه جعل الشارع ونخبه السياسية في حالة ارتياح، فكل المراقبين كانوا يرون أن الحركة ذاهبة باتجاه خيارات منفردة حاسمة مستفيدة من توسيع دائرة علاقاتها الخارجية، لكنها أثبتت أنها حركة وطنية جامعة وستبقى في أصعب الظروف الوعاء الواسع.

أمام حركة فتح الآن اختبار كبير فإما أن تنحاز للوطن كما فعلت حماس اليوم، وإما أن تواصل تفردها وتغريدها خارج السرب، وعندها بالتأكيد ستجد الفصائل وشعبنا مضطر لاتخاذ الخيارات الصعبة بحقها، كما أن الفصائل الفلسطينية مدعوة لالتقاط ما جاء في الخطاب لبناء روح وطنية جامعة تُجبر فتح على العودة لصوابها.