يستمر الصراع السياسي والخطابي داخل الاتحاد الأوروبي فيما يخص قضية الهجرة واللجوء بلا توقف، يمكن تعديد أسباب كثيرة لتصدر هذه القضية للخطاب السياسي في القارة العجوز؛ من بين هذه الأسباب يمكن تمييز الاقتصادي والثقافي والسياسي حتى، يشتعل حاليًا ملف النزعات القومية اليمينية المتطرفة في أوروبا، يمكن رؤية صور كثيرة لهذا الملف في تطور حركات مثل بيجيدا في ألمانيا أو حزب استقلال المملكة في بريطانيا، وفي تصريحات عن الحفاظ على مسيحية أوروبا كالصادرة عن رئيس وزراء المجر، حديث لا ينتهي عن كون أوروبا للأوروبيين، عن تطرف المهاجرين وخطرهم على الهوية الأوروبية، عن سرقة المهاجرين للوظائف من سكان البلاد الأصليين.

وفي مساحة أخرى تتصدر فيها ألمانيا أوروبا كالقائد والقوة الاقتصادية الضاربة، يبقي الخبراء الاقتصاديون وعلماء السكان على مستقبل القارة غير السعيد، شعوب يتقلص عدد سكانها، صناعات عملاقة لن تجد عمالة كافية بعد بضعة سنوات، ملايين المواطنين على المعاش بدون عمالة كافية لدفع معاشاتهم.

تدرك ألمانيا تمامًا هذه المشكلة، وتصر ميركل على كون المهاجرون هم مستقبل أوروبا، يسافر رئيس المفوضية الأوروبية إلى الأمم المتحدة ليتحدث عن الواجب الإنساني تجاه "اللاجئين"، ينقسم المجال العام الأوروبي في توصيفه للنازحين إلى أوروبا بين لفظتي "مهاجرين" و"لاجئين".

يحاول هذا المقال الخروج خارج هذه الجدليات حول التسمية والثقافة والمستقبل الاقتصادي لأوروبا، هذه هي بالأساس محاولة لرصد الواقع الاقتصادي الحالي للحركة إلى أوروبا كصناعة وإمبراطورية بغض النظر عن تعريفها كهجرة مستمرة أو لجوء مفاجئ.

في جهد بحثي شديد التميز لمجموعة صحافية وبحثية أوروبية تسمى "ملفات المهاجرين"، تمكن عدد من الباحثين والصحافيين من رسم خريطة شديدة التعقيد لمسارات حركة ميزانيات الاتحاد الأوروبي لمكافحة الهجرة غير الشرعية.

تسمح نظرة متفحصة على الكم المهول من البيانات المجموعة برسم رؤية جديدة كلية لواقع أزمة الهجرة نحو أوروبا، في السطور التالية نحاول ترتيب البيانات بشكل يرسم صورة واضحة لما يدور في خلفية الحديث السياسي والثقافي الذي لا ينتهي، أو تصور واضح لواقع المصالح الاقتصادية التي تضغط على الخيارات السياسية بلا شك.

نبدأ بنظرة تقديرية على متوسط تكاليف رحلات الهجرة التي يدفعها المهاجر ليصل إلى قلب أوروبا، ومن ثم نلقي نظرة على ما تصرفه أوروبا في سبيل وقف التدفق وترحيل المهاجرين إلى بلادهم مرة أخرى.

إذا دفعت قد تصل ... ولا ضمانات

تقدر المجموعة مقدار ما دفعه المهاجرون للمهربين مقابل رحلة يحفها الموت بقرابة 8 مليار و374 مليون يورو في الفترة بين 2010-2015.

بالطبع تختلف أسعار الرحلة وفقًا لعدد من المتغيرات: بلدي الانطلاق والوصول، جنسية المهاجر، ووسيلة السفر، بحساب التضخم والزمن؛ تظهر البيانات اختلافًا كبيرًا، فعلى سبيل المثال يدفع المهاجرون الآتون من وسط أفريقيا قرابة 700 يورو مقابل مكان في قاع مركب ينطلق من ليبيا إلى إيطاليا، بينما يدفع أهل الشرق الأوسط قرابة ال 2000 مقابل مكان على سطح السفينة.

أما فيما يخص الأزمة السورية الأخيرة، فيدفع الفرد السوري قرابة 8000 دولار ليصل برًا من سوريا إلى فيينا، أما إذا انطلق من تركيا فإن السعر يختلف وفقًا لوسيلة النقل؛ فرحلة إلى فيينا عبر السيارة تكلف قرابة 6000 يورو، وقد تصل إلى 800 يورو إذا قبلت بالركوب في حاوية كالتي قضى بها العشرات على حدود النمسا.

أما إذا كان المهاجر قد وصل بالفعل إلى اليونان، فإن رحلة إلى فيينا تكلف قرابة 3000 يورو في سيارة نقل، أو 4000 يورو في سيارة عادية.

(اضغط على الصورة للتكبير)

تكتسب الأرقام السابقة بعدًا آخر من الخطورة عند أخذ التالي في الاعتبار: تواردت التقارير عبر عدد من المنظمات الحقوقية والاستخبارات على مدار السنوات السابقة عن قيام الحكومات بتسيير سبل لتهريب البشر بشكل سري، إما كوسيلة لتوفير النقد والضغط على الحكومات الأوروبية بشكل سياسي كما هو الحال مؤخرًا مع النظام السوري، أو كوسيلة لضبط العلاقات مع الحكومات الأوروبية كما في الحالة الشهيرة لنظامي القذافي وبيرلسكوني.

لكل شيء ثمن ... والمكافحة مكلفة

قامت عدد من الدول الأوروبية بالتوقيع على ما يعرف باتفاقية دبلن عام 1990، خلصت الاتفاقية إلى إلزام البلاد التي يسجل فيها اللاجئ أو المهاجر لأول مرة بتعهده، أي أن المهاجر يرتبط بشكل دائم بالبلد التي يصل إليها في البداية غالبًا.

تبع هذه الاتفاقية مجموعة واسعة من التعديلات عام 2003 ترتب عليها بدء استخدام نظام البصمات الأوروبي الموحد المعروف بـ EURODAC والذي عرف لدى جموع المهاجرين بنظام البصمة الشهير، كما ترتب على هذه التعديلات إنشاء الوكالة الأوروبية لمراقبة الحدود الخارجية والمعروفة بـ FRONTEX.

تكلف العمل بنظام البصمة في أوروبا ككل عام 2011 ما يزيد عن 8 مليون يورو مع عدم حساب تكلفة الأجهزة، بينما بدأت ميزانية وكالة فرونتكس والتي تقوم بتنسيق الجهود بين قوات حرس الحدود الأوروبية في التزايد من 88 مليون يورو عام 2011 إلى 97 مليون عام 2014.

ومن أصل 60 مليار خصصهم الاتحاد الأوروبي للبحث العلمي منذ عام 2000، تم صرف 230 مليون يورو بواقع 3.5% على أبحاث علمية تتعلق بالحد من الهجرة والسيطرة على الحدود.

من الـ 230 مليون يورو السابق ذكرها، حصلت 20 مجموعة من الشركات تضم أسماء مثل إيرباص وطاليس وBAE  (أكبر صناع السلاح في أوروبا) على 112 مليون يورو (49%) لتطوير أنظمة مضادة للهجرة.

من الجدير بالذكر أن 16 مليون يورو من هذه الأموال تم صرفها لتطوير أنوف صناعية لشم رائحة المهاجرين على النقاط الحدودية!

كما أن مصاريف كل دولة على حدة حققت أرقامًا أكبر من السابقة بكثير، إذ وصل مجموع ما صرفته إيطاليا على البحث والمواد والأجهزة المضادة للهجرة منذ عام 2000 إلى قرابة 330 مليون يورو، تتلوها إسبانيا الشهيرة ببناء الجدران برقم وصل إلى 150 مليون يورو.

وعلى ذكر أسبانيا، وصلت تكلفة إنشاء وإدارة جدران جزر سبتة ومليلة المغربية المحتلة بين 2005 و2013 إلى 72 مليون يورو.

أنظمة صديقة وشعوب متطفلة

بدأت أوروبا عام 2011 في تكوين وحدات لإدارة الحدود بالتعاون مع مجموعة من الدول المجاورة لمنع الهجرة من المصدر، ضمت هذه المجموعة من الدول أسماء مثل ليبيا ومصر وتونس والجزائر وموريتانيا، مجموع تكاليف إنشاء هذه الوحدات منذ 2011 حتى 2014 تزيد عن 135 مليون يورو.

كما يجب الإشارة هنا إلى كون هذه الوحدات هي آخر خطوة من سلسلة طويلة من جهود التعاون مع أطراف في دول شمال أفريقيا في صفقات يمكن الإشارة إلى كونها مريبة ومع شركاء ديكتاتوريين.

بين 2000 و2003 قامت إيطاليا بدفع ما يزيد عن 26 مليون يورو كمساعدات حدودية لنظام بن علي في تونس، كما وصلت مساعدات إيطاليا الحدودية لبعض الأطراف في ليبيا (غير المعروف أساسًا من في سدة الحكم بها بشكل واضح) عامي 2012 و2013 إلى 17 مليون يورو، هناك اتفاق بين عدد كبير من الباحثين أن مبالغ ليست بقليلة من المجموع السابق ذهبت إلى عدد من الميليشيات الليبية مقابل إغراق مراكب اللاجئين قبل دخولها المياه الإيطالية.

نتمنى لكم رحلة غير سعيدة

من أصل مصروفات كلية تقارب 13 مليار يورو صرفها الاتحاد الأوروبي على قضية الهجرة منذ عام 2000؛ تصل تكلفة الترحيلات وإرسال المهاجرين إلى بلادهم مرة أخرى إلى 11 مليار و300 مليون يورو، أي أن الترحيلات وحدها تصل نسبتها إلى 89% من إنفاق الاتحاد على مكافحة الهجرة، التكلفة السابق ذكرها لا تأخذ في الاعتبار تكاليف نقل وترحيل المهاجرين المخالفين إلى بلاد البصمة الأولى.

الجدير بالذكر أن المستفيد الأول من هذه المبالغ المرعبة هو شركات الطيران وشركات النقل، بالإضافة إلى شركات الأمن الخاصة المسؤولة عن إدارة مراكز الاحتجاز المؤقتة.

ضد من؟!

تدعو الأرقام السابق ذكرها المرء للتساؤل، من ضد من؟

من الواضح تمامًا أن الهجرة كظاهرة قد أدرت مليارات اليوروهات على بعض الجيوب، وأنها قد خلقت إمبراطورية صناعية وتجارية وبيروقراطية شديدة التعقيد، كم من مالك أسهم في شركات مثل إيرباص وطاليس ولوفتهانزا قد حصل على نسبة من أرباح متعلقة بمشاريع مكافحة الهجرة؟ كم عنصر أمني في سوريا أو ليبيا تمكن من جمع الملايين من تنسيق حركة مراكب المهربين؟ كم موظف حكومي في مصر أو تونس قد نابه بعض من أموال مكافحة الهجرة الإيطالية المختلسة؟

عند حسبان حركة الأموال في الاعتبار؛ تصبح رؤية الوضع أكثر تعقيدًا، لا تسمح ترتيبات المصالح في هذه الحالة أن يتم الاختيار بين جانبين واضحين.

في هذه الحالة يصبح أي حل ناجع لمشكلة الهجرة هو تهديد مباشر لإمبراطورية مالية، ويصبح استمرار المعاناة بطول الحدود الأوروبية بلا شك في مصلحة البعض القليل من المستفيدين، هؤلاء المستفيدون بدايتهم مهرب يلقي بجثث الركاب للأسماك في المتوسط/ ولا يبدو أن مضارب أسهم في بورصة فرانكفورت أو سياسي في الاتحاد الأوروبي نهايتهم.